هاني صبري – الخبير القانوني والمحامي بالنقض
تُعد مسألة تداول السلطة من أهم المعايير التي يُقاس بها رسوخ الدولة الدستورية، ومدى استقرار مؤسساتها، وقدرتها على ضمان استمرارية الحكم وفقًا لقواعد قانونية مستقرة، بعيدًا عن ارتباط مستقبل الدولة بالأشخاص، أيًا كانت مكانتهم أو ما قدموه من إنجازات.
 
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، خلال حفل تخرج الأكاديمية العسكرية بالعاصمة الإدارية، بشأن انتهاء مدة رئاسته بحلول عام 2030، وتأكيده أن الدستور لن يُمس، لتطرح قضية تتجاوز حدود التصريح السياسي إلى أبعاد دستورية ومؤسسية تتعلق باحترام مدد الولايات الرئاسية، وضمان الانتقال السلمي للسلطة، وإعداد كوادر وطنية قادرة على تحمل المسؤولية العامة في المستقبل.
 
كما أثار المقترح المتعلق بإخضاع حملة الدكتوراه من أصحاب الكفاءات العلمية، ممن تتراوح أعمارهم بين الأربعين والخمسين عامًا، لبرنامج تأهيلي يمتد ثلاثين شهرًا بالأكاديمية العسكرية، تمهيدًا لتولي مناصب قيادية قد تشمل رئاسة الجمهورية والوزارات والمحافظات، تساؤلات قانونية مهمة حول طبيعة هذا التأهيل، وحدود أثره في شروط تولي المناصب العامة، ومدى إمكان اعتباره أحد المسارات المؤسسية لإعداد القيادات دون أن يتحول إلى شرط إضافي للترشح لا يقرره القانون.
 
ومن هذا المنطلق، فإننا نثمن الالتزام باحترام الدستور، وتقدير ما قدمه السيد رئيس الجمهورية للوطن خلال فترة توليه المسؤولية، لا يتعارضان مع المطالبة بتطوير البناء المؤسسي للدولة، بل إنهما يلتقيان عند مبدأ جوهري مؤداه أن قوة الدولة لا تكمن في كفاءة من يتولى قيادتها فحسب، وإنما في قدرة مؤسساتها الدستورية على ضمان استمرارية الحكم، وتجدد القيادة، وخضوع الجميع لأحكام الدستور والقانون.
 
أولًا: تداول السلطة التزام دستوري
حسم الدستور المصري هذه المسألة بوضوح في المادة (4)، التي تقرر أن السيادة للشعب وحده، وأنه مصدر السلطات، كما نصت المادة (5) على أن النظام السياسي يقوم على التعددية السياسية والحزبية، والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات والتوازن بينها، وربط السلطة بالمسؤولية، واحترام حقوق الإنسان وحرياته.
 
وتكتسب هاتان المادتان أهمية خاصة عند قراءة أي تصريح يتعلق بانتهاء مدة الرئاسة أو مستقبل القيادة السياسية؛ فالتداول السلمي للسلطة ليس مجرد تقليد سياسي أو ممارسة اختيارية، وإنما أحد الأسس الدستورية التي يقوم عليها النظام السياسي في الدولة.
 
ومؤدى ذلك أن انتقال السلطة يجب أن يتم وفقًا للقواعد الدستورية المنظمة للانتخاب وانتهاء الولاية وتولي الرئيس المنتخب مهامه.
 
وتؤكد المادة (139) من الدستور أن رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورئيس السلطة التنفيذية، وأنه يلتزم بأحكام الدستور ويمارس اختصاصاته على النحو المبين فيه. وهذا الالتزام لا يقتصر على القرارات الإدارية أو ممارسة الاختصاصات اليومية، بل يمتد إلى احترام النظام الدستوري الذي يستمد منه رئيس الجمهورية سلطته ذاتها.
 
ومن ثم، فإن التأكيد على عدم المساس بالدستور، واحترام الحدود الزمنية للولاية الرئاسية، يمثلان مبدأين متكاملين: أولهما صيانة سمو الدستور، وثانيهما حماية مبدأ التداول السلمي للسلطة.
 
ولا يعني ذلك التقليل من قيمة الإنجازات التي تحققت خلال فترة رئاسية، أو إنكار ما قد يبذله رئيس الجمهورية من جهود في مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية والتنموية؛ فالتقييم السياسي للإنجازات أمر، والالتزام بالحدود الدستورية للولاية أمر آخر. ولا يجوز أن يحل أي منهما محل الآخر.
 
فالدولة الدستورية لا تقيس نجاحها بقدرتها على الاحتفاظ بالقيادات ذات الكفاءة فحسب، بل كذلك بقدرتها على إعداد البدائل، وتوفير فرص التنافس المشروع، وضمان أن يكون انتقال السلطة نتيجة لإجراءات دستورية معلومة سلفًا.
 
ثانيًا: المدة الرئاسية وحدودها الدستورية حتى عام 2030
نصت المادة (140) من الدستور المصري، بعد تعديلها، على انتخاب رئيس الجمهورية لمدة ست سنوات ميلادية، تبدأ من اليوم التالي لانتهاء مدة سلفه، وألا يتولى الرئاسة لأكثر من مدتين رئاسيتين متتاليتين. كما نصت المادة (241 مكررًا) من الأحكام الانتقالية على انتهاء مدة رئيس الجمهورية الحالي بانقضاء ست سنوات من تاريخ إعلان انتخابه رئيسًا للجمهورية في عام 2018، مع جواز إعادة انتخابه لمرة تالية.
 
ويترتب على ذلك أن تحديد نهاية الولاية الرئاسية يستند إلى النصوص الدستورية الحاكمة للمدة الرئاسية والأحكام الانتقالية المرتبطة بها.
 
ومن الأهمية بمكان التمييز بين أمرين: الأول، احترام المدة المحددة دستوريًا للولاية الرئاسية؛ والثاني، الإجراءات اللازمة لضمان انتقال السلطة عند انتهائها. فالأول التزام دستوري قائم بذاته، أما الثاني فيتطلب استعدادًا مؤسسيًا وانتخابيًا يضمن عدم حدوث فراغ في السلطة، ويتيح للشعب ممارسة حقه في الاختيار الحر بين المرشحين المستوفين للشروط القانونية.
 
وفي هذا الإطار، فإن تصريح رئيس الجمهورية بأن عام 2030 يمثل نهاية مدة رئاسته، وأن الدستور لن يُمس، يستحق الإشادة من زاوية تأكيد احترام القواعد الدستورية واستقرارها. وأن القيمة العملية لهذا الالتزام تتعزز ببناء مؤسسات وآليات مستدامة تضمن تطبيقه، وتُرسخ في الوعي العام أن انتقال السلطة إجراء دستوري طبيعي، لا استثناء سياسيًا.
 
فالدساتير لا تُوضع لتنظيم الحاضر وحده، بل لتأمين المستقبل أيضًا؛ ولا تقاس قوتها بمدى احترامها في الظروف العادية فحسب، وإنما بقدرتها على تنظيم انتقال السلطة في المواعيد المحددة، دون إخلال باستقرار الدولة أو انتقاص من حق الشعب في الاختيار.
 
ثالثًا: نرى أهمية تعيين نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية؛ فهو اختصاص دستوري يمكن تفعيله
أرى أهمية طرحه في هذه المرحلة، أن ينظر السيد رئيس الجمهورية في تعيين نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية، وفقًا للاختصاص المقرر له صراحة في الدستور، بما يتيح الاستفادة من الخبرات المتراكمة خلال فترة توليه المسؤولية، ويسهم في إعداد قيادات وطنية قادرة على تحمل أعباء الحكم مستقبلًا.
 
وهذا المقترح لا يحتاج، من حيث أصل سلطة التعيين، إلى تعديل دستوري جديد؛ إذ إن المادة (150 مكررًا) من الدستور، المضافة بموجب تعديلات عام 2019، تنص صراحة على أن لرئيس الجمهورية أن يعين نائبًا له أو أكثر، وأن يحدد اختصاصاتهم، وأن يفوضهم في بعض اختصاصاته، فضلًا عن سلطته في إعفائهم من مناصبهم وقبول استقالاتهم. كما توجب أداء نواب رئيس الجمهورية اليمين الدستورية قبل تولي مهام مناصبهم. 
 
ويكشف هذا النص عن أن المشرع الدستوري قد أتاح بالفعل أداة مؤسسية يمكن الاستفادة منها في تطوير العمل التنفيذي، وتوزيع بعض الاختصاصات، وتنمية الخبرات القيادية، وتعزيز استمرارية الأداء الحكومي.
 
ومن ثم، فإن تفعيل منصب نائب رئيس الجمهورية قد يمثل خطوة عملية نحو بناء مسار منظم لإعداد القيادات السياسية، شريطة أن تُحدد اختصاصات كل نائب بوضوح، وأن يكون الاختيار قائمًا على الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية.
 
وأرى أن من الملائم أن يتسع الاختيار، متى توافرت الكفاءة، ليشمل خبرات متنوعة من المجالات الاقتصادية والقانونية والإدارية والعلمية والسياسية، بما يعكس تعددية الخبرات اللازمة لإدارة دولة بحجم مصر وتحدياتها.
 
كما يمكن أن تسهم هذه التجربة في إتاحة الفرصة أمام النواب المعينين لاكتساب خبرة مباشرة في إدارة الملفات الوطنية الكبرى، والتعامل مع المؤسسات الدستورية، وفهم التحديات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، والتدرب على اتخاذ القرار في إطار من المسؤولية والمساءلة.
 
ومع ذلك، يتعين التأكيد على أن تعيين نائب لرئيس الجمهورية لا يمنحه حقًا تلقائيًا في خلافة الرئيس انتخابيًا، ولا يجعله مرشحًا مفضلًا قانونًا في الانتخابات الرئاسية المقبلة. فالتعيين في هذا المنصب يظل منفصلًا عن الحق في الترشح، الذي تحكمه شروط دستورية وقانونية مستقلة.
 
وبالتالي، يجوز لأي نائب مستوفٍ للشروط القانونية أن يتقدم للترشح، شأنه شأن غيره من المواطنين، دون أن يكتسب بحكم منصبه حقًا في الفوز أو أولوية في اختيار الشعب له. ويظل الفيصل في ذلك هو الاقتراع العام السري المباشر، وفقًا للمادة (143) من الدستور.
وهنا تكمن أهمية المقترح: إعداد قيادات مؤهلة دون صناعة خلفاء مفترضين، والاستفادة من الخبرة التنفيذية دون مصادرة إرادة الناخبين، وبناء مؤسسات قوية دون تحويل المناصب العامة إلى امتيازات سياسية دائمة.
 
رابعًا: الشعب هو صاحب الكلمة الفصل في اختيار رئيس الجمهورية
إن أي حديث عن إعداد قيادات للمستقبل ينبغي أن ينطلق من قاعدة دستورية، وهي أن الشعب هو صاحب السيادة ومصدر السلطات، وأن حقه في اختيار رئيس الجمهورية لا يجوز أن يُختزل في ترشيحات مسبقة أو ترتيبات إدارية أو برامج تأهيلية.
 
فالمادة (4) من الدستور تقرر أن السيادة للشعب وحده، والمادة (5) تؤكد التداول السلمي للسلطة، بينما تنص المادة (143) على انتخاب رئيس الجمهورية عن طريق الاقتراع العام السري المباشر، بالأغلبية المطلقة لعدد الأصوات الصحيحة.

وتترابط هذه النصوص في منظومة واحدة: الشعب يملك السيادة، والتداول السلمي يمثل أحد أسس النظام السياسي، والانتخاب المباشر هو الآلية الدستورية التي يمارس من خلالها المواطنون حقهم في اختيار رئيس الدولة.

 

ولا يجوز تفسير أي برنامج لإعداد القيادات أو أي قرار بتعيين نواب لرئيس الجمهورية على نحو يؤدي إلى إنشاء طريق موازٍ للانتخاب، أو منح فئة بعينها أفضلية قانونية غير مقررة في الدستور والقانون.
 
إن إعداد الكفاءات أمر مطلوب، لكنه لا يساوي اختيار الرئيس. والتدريب قد يطور المهارات، لكنه لا يمنح صاحبه تفويضًا شعبيًا. والخبرة التنفيذية قد تكون عنصرًا مهمًا في تقييم المرشح، لكنها لا تحل محل الشروط القانونية أو الإرادة الانتخابية.
 
ومن ثم، فإن المقترح الذي أدعو إليه يقوم على إتاحة المجال أمام نواب رئيس الجمهورية، وغيرهم من أصحاب الخبرات الوطنية، لخوض الانتخابات الرئاسية إذا رغبوا في ذلك واستوفوا شروط الترشح، مع ضمان تكافؤ الفرص بينهم وبين سائر المرشحين، وترك الفصل النهائي للشعب وحده.
 
وهذا هو المعنى الحقيقي للتداول السلمي للسلطة: أن تكون هناك قيادات مستعدة لتحمل المسؤولية، ومؤسسات قادرة على استمرار أداء وظائفها، وشعب يملك حرية الاختيار بين البدائل المتاحة وفقًا للدستور والقانون.
 
خامسًا: برنامج التأهيل بالأكاديمية العسكرية وأثره في شروط الترشح للرئاسة
أما فيما يتعلق بالمقترح الخاص بإعداد حملة الدكتوراه من أصحاب الكفاءات العلمية، ممن تتراوح أعمارهم بين الأربعين والخمسين عامًا، من خلال برنامج تأهيلي يمتد ثلاثين شهرًا بالأكاديمية العسكرية، فإن الفكرة تستحق الدراسة من زاوية تطوير القدرات الإدارية والقيادية، لكنها تثير مسألة قانونية جوهرية إذا كان المقصود أن يكون اجتياز البرنامج شرطًا لتولي رئاسة الجمهورية أو لقبول الترشح لها.
 
ولابد هنا من التمييز بين التأهيل باعتباره وسيلة لاكتساب الخبرة، والتأهيل باعتباره شرطًا قانونيًا للأهلية للترشح؛ فلكل منهما طبيعة قانونية مختلفة وآثار لا يجوز الخلط بينها.
 
1- الشروط الدستورية والقانونية الحالية للترشح
حددت المادة (141) من الدستور الشروط الأساسية للترشح لرئاسة الجمهورية، ومن بينها أن يكون المرشح مصريًا من أبوين مصريين، وألا يكون قد حمل هو أو أي من والديه أو زوجه جنسية دولة أخرى، وأن يتمتع بحقوقه المدنية والسياسية، وأن يكون قد أدى الخدمة العسكرية أو أُعفي منها قانونًا، وألا تقل سنه يوم فتح باب الترشح عن أربعين سنة ميلادية.
 
كما أحالت المادة ذاتها إلى القانون لتحديد شروط الترشح الأخرى.
 
وتنظم المادة (1) من قانون تنظيم الانتخابات الرئاسية رقم 22 لسنة 2014 الشروط القانونية التفصيلية، ومن بينها الحصول على مؤهل عالٍ، واستيفاء المتطلبات المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية، وعدم صدور الأحكام المحددة قانونًا، فضلًا عن الشروط الأخرى الواردة بالنص. وتحدد المادة (2) من القانون متطلبات التزكية أو التأييد اللازمة لقبول الترشح.
 
وبناءً عليه، فإن الحصول على الدكتوراه، أو أن يكون المؤهل صادرًا عن جامعة مرموقة، ليس شرطًا دستوريًا أو قانونيًا قائمًا لقبول الترشح؛ إذ يكتفي القانون باشتراط المؤهل العالي، إلى جانب بقية الشروط المحددة فيه.
 
ولا يجوز إضافة شرط جديد إلى شروط الترشح بمجرد قرار إداري أو برنامج تدريبي، إذا كان من شأن ذلك حرمان من استوفوا الشروط القانونية القائمة من حقهم في الترشح.

2- هل يتطلب جعل البرنامج شرطًا للترشح تعديلًا تشريعيًا أم دستوريًا؟
تتوقف الإجابة على طبيعة الشرط المراد فرضه.
فإذا كان المقصود مجرد إنشاء برنامج اختياري لإعداد القيادات، دون ربطه بأهلية الترشح لرئاسة الجمهورية، فلا يستلزم ذلك بذاته تعديل شروط الترشح، متى أُنشئ البرنامج ونُظم وفقًا للقواعد القانونية والاختصاصات المقررة.
 
أما إذا كان المقصود اشتراط اجتياز البرنامج التأهيلي لمدة ثلاثين شهرًا لقبول الترشح لرئاسة الجمهورية، فإن الأمر يتجاوز حدود التنظيم الإداري إلى فرض شرط جديد على ممارسة حق سياسي دستوري.
 
وفي هذه الحالة، فإن المادة (141) من الدستور، التي تُحيل إلى القانون تحديد شروط الترشح الأخرى، تثير ضرورة بحث مدى جواز إضافة مثل هذا الشرط بقانون عادي، ومدى توافقه مع بقية أحكام الدستور، ولا سيما المواد (4) و(5) و(9) و(14)، المتعلقة بسيادة الشعب، والتداول السلمي للسلطة، وتكافؤ الفرص، والكفاءة في الوظائف العامة.
 
ومن ثم، لا يصح الجزم بأن كل شرط تأهيلي جديد يستلزم بالضرورة تعديلًا دستوريًا؛ فالمسألة تتوقف على طبيعة الشرط ومضمونه وأثره ومدى اتساقه مع النصوص الدستورية. لكن المؤكد أن إنشاء البرنامج بقرار إداري لا يكفي وحده لإضافته إلى شروط الترشح، وأن فرضه قانونًا يستلزم فحصًا دستوريًا قبل إقراره.
 
3- إشكالية قصر البرنامج على حملة الدكتوراه أو خريجي جامعات بعينها
إن الكفاءة القيادية لا تُقاس بالشهادة العلمية وحدها، مهما بلغت قيمتها، كما أن الحصول على الدكتوراه لا يعني بالضرورة امتلاك الخبرة السياسية أو الإدارية اللازمة لإدارة الدولة.
 
فرئاسة الجمهورية تتطلب مزيجًا معقدًا من القدرات، يشمل فهم الدستور والقانون، وإدارة المؤسسات، وصنع السياسات العامة، والتعامل مع الأزمات، وتقدير المصالح الوطنية، وفهم العلاقات الدولية والاقتصاد، والقدرة على تحمل المسؤولية السياسية أمام الشعب.
 
ومن ثم، فإن حصر التأهيل في حملة الدكتوراه من جامعات مرموقة قد يثير تساؤلات تتعلق بتكافؤ الفرص، إذا ترتب عليه استبعاد أصحاب الخبرات العملية والإدارية والسياسية الذين استوفوا الشروط القانونية للترشح، لمجرد عدم حصولهم على هذه الدرجة العلمية أو عدم انطباق معيار محدد يتعلق بالجامعة التي تخرجوا فيها.
 
ويجب أن يراعى في تصميم أي برنامج وطني لإعداد القيادات ألا يتحول إلى بوابة مغلقة أمام فئات من المواطنين، أو إلى معيار تفضيلي غير موضوعي، أو إلى وسيلة لتحديد من يحق لهم المنافسة على منصب سياسي قبل أن يقول الشعب كلمته.
 
وتزداد أهمية هذا الاعتبار بالنظر إلى المادة (9) من الدستور، التي تلزم الدولة بتحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين دون تمييز، والمادة (14)، التي تقرر أن الوظائف العامة حق للمواطنين على أساس الكفاءة، دون محاباة أو وساطة، وتكليف للقائمين بها لخدمة الشعب.
 
ومع مراعاة أن منصب رئيس الجمهورية له طبيعة دستورية وانتخابية تختلف عن الوظائف العامة بالمعنى الإداري، فإن هذه المبادئ تظل ذات أهمية في تقييم عدالة أي نظام تأهيلي يُراد ربطه بحق الترشح أو فرص الوصول إلى المناصب القيادية.
 
4- التصور القانوني الأنسب لبرنامج التأهيل
أرى أن الطريق الأكثر اتساقًا مع أحكام الدستور هو إنشاء برنامج وطني متقدم لإعداد القيادات، يستفيد من إمكانات الأكاديمية العسكرية والمؤسسات الجامعية ومراكز البحث والتدريب المتخصصة، على أن يكون هدفه رفع كفاءة المرشحين لتولي المناصب العامة والقيادية، لا احتكار حق الترشح أو تقييده بشروط غير مقررة قانونًا.
 
ويُستحسن أن يقوم البرنامج على معايير معلنة وموضوعية للقبول، وأن يتيح الاستفادة من الخبرات العلمية والعملية المتنوعة، وأن يتضمن تدريبًا في القانون الدستوري والإدارة العامة والاقتصاد والسياسات العامة وإدارة الأزمات والحوكمة والنزاهة ومكافحة الفساد.
 
كما ينبغي أن يخضع البرنامج لتقييم مستقل لنتائجه، وأن تكون معايير القبول والتخرج واضحة، مع عدم اعتبار اجتيازه دليلًا قاطعًا على الأهلية السياسية، أو بديلًا عن استيفاء الشروط الدستورية والقانونية، أو عن التفويض الشعبي الذي لا يتحقق إلا من خلال الانتخابات.
 
وبهذا التصور، يصبح البرنامج أداة لبناء القدرات الوطنية وتعزيز كفاءة الإدارة العامة، دون المساس بحق المواطنين في الترشح متى استوفوا الشروط القانونية.
 
سادسًا: بين تقدير الإنجاز واستدامة المؤسسات
إن تقدير ما قدمه رئيس الجمهورية للوطن خلال فترة توليه المسؤولية لا يتعارض مع المطالبة بتعزيز المؤسسات الدستورية، بل إن التقدير الموضوعي للإنجاز يقتضي أن تُستكمل الجهود المبذولة ببناء منظومة قادرة على الاستمرار والتطور.
 
فالدولة لا ينبغي أن تعتمد في استقرارها على استمرار شخص واحد في موقع القيادة، مهما كانت خبرته أو إنجازاته؛ وإنما ينبغي أن تستند إلى مؤسسات قوية، وقواعد قانونية واضحة، وكوادر مؤهلة، وآليات مستقرة للمحاسبة وتداول السلطة.
 
ومن ثم، فإن إعداد نواب لرئيس الجمهورية، وتطوير برنامج وطني لإعداد القيادات، وتوسيع قاعدة الخبرات القادرة على إدارة الملفات العامة، كلها خطوات يمكن أن تعزز الاستقرار المؤسسي إذا نُفذت في إطار الدستور والقانون، وبما يحفظ استقلال المؤسسات وحق الشعب في الاختيار.
 
كما أن نجاح هذه الخطوات يتطلب تجنب الخلط بين إعداد الكفاءات وتحديد خلفاء سياسيين، وبين الخبرة التنفيذية والتفويض الانتخابي، وبين التقدير المستحق للإنجازات والحق الدستوري في تداول السلطة.
 
فالمؤسسات التي تنجح في إعداد البدائل، وتطوير الكفاءات، وضمان الانتقال السلمي للسلطة، تكون أقدر على مواجهة الأزمات، وأكثر قدرة على حماية مصالح الدولة والشعب على المدى الطويل.
 
في تقديري إن المرحلة المقبلة تتيح فرصة مهمة لتعزيز البناء الدستوري والمؤسسي للدولة المصرية، وتحويل التأكيد على احترام الدستور والتداول السلمي للسلطة إلى خطوات عملية مستدامة.
 
وانطلاقًا من ذلك، أخلص إلى التوصيات الآتية:

1- تثمين الالتزام الدستوري: ودعم كل تأكيد واضح على احترام مدد الولايات الرئاسية، والالتزام بأحكام الدستور، وضمان إجراء الانتخابات في المواعيد المقررة قانونًا.

2- تفعيل منصب نائب رئيس الجمهورية: النظر في تعيين نائب أو أكثر وفقًا للمادة (150 مكررًا) من الدستور، مع تحديد اختصاصاتهم بوضوح، والاستفادة من خبراتهم في إدارة الملفات الوطنية وإعداد قيادات قادرة على تحمل المسؤولية.
 
3- ضمان حرية التنافس الرئاسي: إتاحة المجال أمام نواب رئيس الجمهورية وغيرهم من المواطنين المستوفين للشروط القانونية للترشح للانتخابات الرئاسية، دون منح أي فئة أفضلية قانونية لمجرد شغلها منصبًا تنفيذيًا أو اجتيازها برنامجًا تدريبيًا.
 
4- إنشاء برنامج وطني لإعداد القيادات: تطوير برامج تأهيل متقدمة بالتعاون بين المؤسسات العسكرية والمدنية والجامعات ومراكز البحث، على أن تكون معايير القبول موضوعية وشفافة، وأن يظل البرنامج وسيلة لبناء القدرات لا شرطًا غير مقرر قانونًا لممارسة الحق في الترشح.
 
5- مراجعة الأثر الدستوري لأي تعديل تشريعي: إذا طُرح جعل البرنامج شرطًا لقبول الترشح لرئاسة الجمهورية، فيجب إخضاع المقترح لدراسة دستورية وتشريعية دقيقة، للتحقق من اتساقه مع المواد المنظمة للترشح وسيادة الشعب وتكافؤ الفرص والتداول السلمي للسلطة
 
6- تعزيز ثقافة الدولة المؤسسية: ترسيخ مبدأ أن المناصب العامة مسؤولية مؤقتة تُمارس وفقًا للدستور والقانون، وأن استقرار الدولة يتحقق باستمرار مؤسساتها وكفاءة قياداتها، لا بارتباط مستقبلها بأشخاص بعينهم.
 
وفي النهاية، فإنني أرى أن أعظم ما يمكن أن يتحقق في هذه المرحلة هو الانتقال من مجرد التأكيد على احترام الدستور إلى ترسيخ ثقافة دستورية ومؤسسية تجعل التداول السلمي للسلطة ممارسة طبيعية ومستقرة، وتضمن إعداد الكفاءات الوطنية، وتحافظ في الوقت ذاته على حق الشعب الأصيل في اختيار من يتولى رئاسة الجمهورية.
 
فاحترام الدستور لا ينتقص من مكانة أي قيادة وطنية، بل يضع إنجازاتها في إطار الدولة التي تحكمها القواعد والمؤسسات. وإعداد القيادات لا يعني اختيار الرئيس مقدمًا، بل توفير البدائل المؤهلة أمام المواطنين. وتعيين نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية لا ينبغي أن يكون وسيلة لترتيب خلافة سياسية، وإنما فرصة لتعزيز الأداء المؤسسي وتوسيع قاعدة الخبرات الوطنية.
 
والكلمة الفصل في اختيار رئيس الجمهورية يجب أن تبقى للشعب وحده، يمارسها من خلال انتخابات حرة تُجرى وفقًا للدستور والقانون؛ فالشعب هو مصدر السلطات، والتداول السلمي للسلطة هو الضمانة الدستورية لاستمرار الدولة، وسيادة القانون هي الأساس الذي تقوم عليه شرعيتها.