(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
رَحلَ عن عالَمنا الأب الكاثوليكيّ باتريسيو ألفريدو سانشيس، السبت الماضي، الـ17 من أكتوبر/تشرين الأوّل، في إحدى الرعايا بدولة الإكوادور، من جرّاء سقوط الصليب الخشبيّ الثقيل عليه أثناء احتفاله بالقُدّاس؛ وكان هذا الصليب معلّقًا أمام الحائط الذي كان خلف الأب الراحل. والغريب للغاية أنّه في عظته الأخيرة قبل رحيله، قد تحدّث عن الموت، فقال: «في يومٍ ما، كلُّنا سنموت...».

ربّما يثير هذا الحدثُ أو الحادثة الدهشةَ والتساؤلات لدى الكثيرين. ولكن، ما يدعو إلى الاستغراب حقًّا هو أنّ موت الأب الكاهن، قد فَجّرَ موجةً من القراءات المتعدّدة والمتناقضة، وإن اتّفقتْ جميعها على شيءٍ واحد، وهو هذا الأمر: وراء هذه الطريقة الغريبة من الموت، لا بدّ وأن يكمن شيءٌ ما! 

لقد استغلّ بعضُهم –كلٌّ على طريقته الخاصّة– موتَ الأب الكاهن كذريعة ليثبت أفكاره ومعتقداته وتوجّهاته. وراح هؤلاء، انطلاقًا من خلفيّاتهم المختلفة وتوجّهاتهم المتنوّعة، يقدّمون قراءاتهم وتفسيراتهم من خلال طَرْحهم النظريّات المستوحاة من مخيّلتهم وظنونهم، من دون أدنى استحياء واحترام لمعضلة الموت عامّةً، وهذه الطريقة من الموت خاصّةً. وسأحاول هنا تلخيصَ بعض هذه القراءات، الدالة على العقل الجمعيّ المعتاد والمستفحل لبعضهم، مستخدمًا أسلوب الأسئلة وكأنّني لسان حالهم؛ وهذا لعرض فحوى ما فكّروا فيه، بل وما زعموه وشطحوا نحوه. 

1. قراءةُ بعض الملحدين
أين الله ليترك كاهنه وخادمه يموت بهذه الطريقة؟ أليس هذا دليلًا قاطعًا على العبثيّة وعدم وجود إله؟

2. قراءةُ بعض البروتستانت
ألا يعني هذا الحادثُ أنّ المذهب الكاثوليكيّ باطل؟ ألم نحذّر مرارًا وتكرارًا بأنّ الصور والتماثيل والمجسّمات نوعٌ من الوثنيّة؟ ألم يحرّم الكتابُ المقدّس هذا كلّه؟

3. قراءةُ بعض المسلمين
كيف يموت الكاهنُ أثناء صلاة القُدّاس، الذي فيه يتذكّر المسيحيّون ذبيحةَ مسيحهم المصلوب، معطِي الحياة، بسقوط صليبٍ خشبيّ عليه؟ ألا يعني هذا بطلان المسيحيّة، وضلال "عُبّاد الصليب"؟

4. قراءةُ بعض المؤمنين المسيحيّين المزدوجة
+ القراءة الأولى الإيجابيّة:

هل هذه مشيئة الله لينتقل هذا الأب الكاهن إلى السماء أثناء احتفاله بالذبيحة المقدّسة؟ أليس هذا موتٌ "جميل وعذب"، ولا سيّما وأنّ عظته تناولتْ موضوعَ الموت؟ فهل شَعرَ باقتراب انتقاله؟

+ القراءة الثانية السلبيّة: 
هل فَعلَ هذا الكاهن خطيئةً ما مميتة؟ وهل هذا عقابُ الله وقصاصه العادل منه؟ 

5. قراءةُ بعض صُحف الحوادث: 
هل سقوط الصليب الخشبيّ على الكاهن المتوفّى، أمرٌ إجراميّ ومدّبر؟ ومَن هو ذاك الذي أراد قَتْلَ هذا الكاهن عمدًا؟
إنّها قراءاتٌ متعدّدة، وبعضها مغرضٌ ومُفلس؛ ولكنّ الموت أمرٌ حقيقيّ، وقد قال كلمته هذه المرّة أيضًا، وإن لم تكُن كلمته هذه هي الكلمة الأخيرة. وعلى كلّ حالٍ، قد تناسى هؤلاء الأشخاص أنّه كُتِبَ علي الجميع حتميّة الموت. فالإنسانُ هو الحيوان الوحيد، ليس الذي "يعرف" أنّه يموت فحسب، بل يعرف أنّه "ينبغي" أن يموت. وفي الواقع، إنّ موتنا واحدٌ في مخلّفاته، وإن تعدّدت أسبابه وطرقه. 

وبإيجازٍ، بدلًا من التسرّع في استخدام هذه الطريقة من الموت كذريعةٍ لإثبات أفكارٍ واعتقادات وتوجّهات معيّنة، وكذلك لإسقاط المعتقدات اللادينيّة أو الدينيّة أو الشبه عقلانيّة؛ يجدر بنا جميعًا، إضافةً إلى احترام المتوفّى وعائلته ورعيّته، الصمتُ والتأمّل في حضرة الموت وآلامه ومآسيه، ولا سيّما هذه المأساة المفجعة. وعلينا أن نتذكّر جيّدًا أمرًا آخر مهمًّا: «الله لم يَصنعِ المَوت ولا يُسَرّ بِهَلاكِ الأَحْياء. فإِنَّه خَلَقَ كُلَّ شيَءٍ لِكَي يَكون وإِنَّ خَلائِقَ العالَمِ مُفيدة ولَيسَ فيها سَمّ مُهلِك ولا مُلْكَ لمَثْوى الأمْوات على الأرض، لأَنَّ البِرَّ خالِد» (حكمة 1: 13-15)

وأخيرًا، لقد صَدقَ المنتقلُ الأب باتريسيو ألفريدو سانشيس، حينما قال في عظته الأخيرة: «في يومٍ ما، كلُّنا الموجودين هنا، سنموت أيضًا..."! وقد كان هذا اليومُ يومَه هو، وبهذه الطريقة؛ فيا ترى متى سيكون يومُنا نحن أيضًا، وبأيّةِ طريقة؟ بل، والأهمّ من هذا كلّه، كيف نعيش حياتنا الآن، وكيف نقضي أوقاتنا حيال الله والآخرين والعالم المحيط بنا؟ وهذا عينه كان محورَ عظة الأب المنتقل الأخيرة!

[https://youtu.be/quljYwE6dcs?si=uLfbTBfauQR5yYpz].
الراحة الأبديّة أعطه، يا ربّ، ونورك الدائم يشرق عليه!