بقلم أيمن فايز
هناك موتٌ يثير الحزن، وموتٌ يثير الدهشة، وموتٌ يفتح أبوابًا من الأسئلة. لكن الغريب أننا نُجيد طرح الأسئلة بعد وقوع المأساة، بينما نتردد في طرحها حين تكون الإجابة قادرة على تغيير شيء.

منذ فترة، انشغل كثيرون بخبر انتحار كاهن شاب. تعددت التفسيرات، وذهب كلٌّ إلى ما يراه سببًا، مع أننا لا نعرف على وجه اليقين ما الذي دفعه إلى إنهاء حياته. ثم هدأ الحديث، دون أن نعرف إن كانت الأسئلة التي أثارتها وفاته قد أحدثت تغييرًا حقيقيًا.

واليوم نتداول خبر كاهن آخر قيل إنه توفي أثناء القداس، بعدما سقط عليه صليب. حادثة مختلفة تمامًا، لكن غرابتها دفعت البعض إلى البحث عن دلالتها الدينية، أو السخرية من مفارقتها، قبل التوقف عند ما يمكن معرفته عن ظروفها.

لماذا نُسرع إلى تفسير ما حدث، ونتباطأ في التفكير فيما ينبغي ألّا يحدث؟
لا يجوز أن نجعل من انتحار إنسان دليلًا على فشل مؤسسة، دون معرفة الوقائع. لكن هل لدينا داخل مؤسساتنا الكنسية مساحات آمنة يستطيع فيها الكاهن أن يقول إنه متعب، أو خائف، أو يحتاج إلى مساعدة نفسية، دون أن يشعر بأن اعترافه بضعفه يهدد مكانته؟

لقد اعتدنا أن نرى الكاهن حاضرًا عند مرض الآخرين وأحزانهم وأزماتهم. ولكن هل اعتدنا أن نسأل عمّن يحضر إليه حين يحتاج هو إلى من يصغي؟
وفي الحادث الآخر، لا يمكن استنتاج سبب سقوط الصليب من رمزيته. لكن هل نملك ثقافة منتظمة لفحص سلامة مبانينا وتجهيزاتها، ومراجعة المخاطر، بدل أن نستدعي لغة المعجزات والمفارقات كلما وقع حادث غير مألوف؟

ليست القداسة بديلًا عن المسؤولية، كما أن الكهنوت لا يُلغي احتياجات الإنسان.

وأظن أن المسألة تتجاوز الحادثتين. فنحن بارعون في تكريم الراحلين، وفي كتابة كلمات الوفاء، وفي نشر صورهم بعد الموت. 

لكننا أقل براعة أحيانًا في الإصغاء إليهم وهم أحياء، وفي مراجعة الأنظمة التي يعملون داخلها، وفي قبول الأسئلة قبل أن تفرضها كارثة.

ولا أريد من هذا الكلام اتهام أشخاص أو مؤسسات، ولا تحويل مأساتين مختلفتين إلى قضية واحدة. إنما أرفض أن ينتهي اهتمامنا عند حدود التعليق على الخبر.

فإذا كانت وفاة كاهن شاب قد أثارت أسئلة عن الضغوط والوحدة والمساندة، فهل فكرنا في توفير وسائل حقيقية للدعم تحفظ الكرامة والخصوصية؟ 
وإذا أثار سقوط جسم ثقيل داخل كنيسة أسئلة عن السلامة، فهل نراجع إجراءاتنا بالفعل؟

هذه أمور لا تحتاج إلى خطبة مؤثرة، بل إلى قرارات يمكن تنفيذها ومتابعتها.

وربما علينا، نحن الذين نكتب ونناقش، أن نراجع أنفسنا أيضًا: هل نبحث في موت الآخرين عن فكرة تستحق النشر، أم عن سؤال يستحق أن نعمل من أجل إجابته؟

فالإنسان لا يحتاج إلى أن يصبح مأساة حتى نستحق أن ننتبه إليه.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى بعد أن يهدأ الجدل ليس: لماذا مات هذا الكاهن بهذه الطريقة؟
بل: ما الذي كان في مقدورنا أن نفعله للأحياء، ولم نفعله بعد؟