الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ

عزيزي دوم هلدر كامارا،
«الأسقف الأحمر»، كما شاء بعض الناس أن يلقّبوك! عرفتُك بمحض الصدفة، عندما كنتُ أتعلّم الإنجليزيّة أثناء دراستي في مرحلة الفلسفة في إكليريكيّة الأقباط الكاثوليك بالمعادي. لفتتْ نظري صورتك على غلاف كتابٍ من إصدارات دار «أوربس بوكس» الأمريكيّة، التابعة لجماعة مارينول المرسلة، وهي دار نشرٍ لها تقديرها. كنتَ رجلًا بشوشًا، يحمل ابتسامة طفلٍ في رداء أسقف، بل رئيس أساقفة! استعرتُ الكتاب لأتعرّف إليك، ولأمارس الإنجليزيّة أيضًا. ولم أكن أتخيّل أنّ هذه المصادفة ستقودني إلى ترجمة أحد كتبك بعد سنوات.

فقد قادني الطريق نحو السفر إلى جمهوريّة مالاوي، في جنوب شرق أفريقيا، وهناك وجدتُ كتابًا آخر لك. وكانت إنجليزيّتي قد تحسّنت، فشرعتُ في ترجمته. كان عنوانه الحرفيّ «الإنجيل حسب هلدر كامارا»!، وأردتُ الاحتفاظ به، لكنّ الأب مجدي زكي قال لي: «يا عمّ، مش عاوزين مشاكل!» فضحكتُ، فلم يخطر ببالي أنّ عنوانًا كهذا قد يُثير كلّ هذه الحساسيّة في مصر! وصدر الكتاب أخيرًا بعنوان «الإنجيل بعيون معاصرة». وأتذكّر كم تمنّيتُ يومها لو كنتُ أعرف الفرنسيّة لأقرأ نصّك بلغته التي نُشر بها. ولم أكن أحلم أنّني سأستطيع بعد سنوات، بفضل تعلّمي الفرنسيّة والإسبانيّة، أن أفهم قدرًا معقولًا ممّا كتبتَه بلغتك البرتغاليّة، وأري كلماتك عينها بلغتك الأمّ، وأشاهد فيديوهاتٍ لك.

وُلدتَ عام ١٩٠٩ في فورتاليزا بالبرازيل، وأصبحتَ رئيس أساقفة أوليندا وريسيفي عام ١٩٦٤، في العام نفسه الذي استولى فيه العسكريّون على السلطة. وكنتَ قد شاركتَ في المجمع الڤاتيكانيّ الثاني، ودافعتَ عن كنيسةٍ بسيطة قريبة من الفقراء. لكنّ ما جذبني إليك قبل أفكارك السياسيّة كان إنسانيّتك وتواضعك وحسّك الرعويّ. ولا أنسى حديثك عن تعاطفك مع النساء اللواتي دفعتهنّ ظروف الحياة إلى الدعارة، بينما كنتَ تنتقد بقسوةٍ أصحاب رؤوس الأموال الذين يستغلّون الفقراء. فقد رأيتَ، بوصفك راعيًا، المأساة الإنسانيّة التي قد تدفع امرأةً إلى تلك الهاوية. ولم تكن رحمتك بها موافقةً على ما تفعله، ولكن محاولةً لفهم ما أصابها قبل إصدار الحكم عليها. وأظنّ أنّ هذا ما فعله المسيح حين جلس مع الخطأة، وأغضب أولئك الذين كانوا يعرفون خطايا الآخرين أكثر ممّا يعرفون آلامهم!

ولعلّ أشهر ما يُنسب إليك قولك: «عندما أُطعم الفقراء، يدعونني قدّيسًا، وعندما أسأل لماذا هم فقراء، يدعونني شيوعيًّا!» يا لها من عبارة! فقد استطعتَ أن تختصر بها مشكلةً نعرفها جيّدًا. من السهل أن نمدح الأعمال الخيريّة، لكنّنا قد ننزعج حين يسأل أحدهم عن الأجور الظالمة، والفساد، واحتكار الثروة، والأنظمة التي تدفع الناس إلى الفقر. وعندئذٍ نطالبه بأن يترك السياسة لأهلها! وكأنّ الجائع الذي يذكره الإنجيل يعيش في عالمٍ لا علاقة له بالاقتصاد والسياسة!

لكن اسمح لي يا دوم هلدر أن أعود إلى شبابك، إلى صفحةٍ قد تُفاجئ بعض الذين يُعجبون بك اليوم. فقد انضممتَ عام ١٩٣٢ إلى «الحركة التكامليّة البرازيليّة» (Ação Integralista Brasileira)، التي أسّسها پلينيو سالجادو، وهي حركةٌ قوميّة تأثّرت بالفاشيّة الأوروبيّة، واتّخذت شعارًا يبدو مألوفًا في الأوساط الدينيّة: «الله والوطن والأسرة». ولم تكن عضوًا عابرًا فيها، بل شاركتَ في نشر أفكارها وتنظيم نشاطها. ثمّ تغيّرتْ مواقفك، حتّى صرتَ من أبرز المدافعين عن الفقراء والحرّيّة وحقوق الإنسان، ووصفتَ لاحقًا تلك المرحلة بأنّها خطأٌ من أخطاء الشباب. وأعترف بأنّ هذا التحوّل يثير إعجابي. فكم من إنسانٍ يستطيع أن يراجع أفكاره، ويعترف بأنّه كان مخطئًا؟ إنّ بعض الناس مستعدّون لتغيير العالم كلّه، لكنّهم يجدون صعوبةً شديدة في تغيير رأيٍ واحد! ولعلّ التوبة الفكريّة، إنْ جاز التعبير، لا تقلّ أهمّيّةً عن التوبة الأخلاقيّة. فالإنسان الذي يملك الشجاعة ليقول «كنتُ مخطئًا» قد يكون أقرب إلى الحقيقة من آخر لم يتوقّف يومًا عن إعلان امتلاكه لها.

ولم يكن دفاعك عن الفقراء محبوبًا لدى الجميع. فقد واجهتَ اتهاماتٍ بالشيوعيّة، وحملات تشهير، وتعتيمًا إعلاميًّا فرضته السلطات العسكريّة البرازيليّة. وهنا أتذكّر قراءتي لواقعةٍ جميلة حدثتْ عام ١٩٨٠، عندما قرّر البابا يوحنّا بولس الثاني زيارة البرازيل. كانت تتردّد شائعاتٌ بأنّه لا يريد لقاءك، وربّما تمنّى بعض خصومك أن يتجاهلك. لكنّ البابا، حين وصل إلى ريسيفي، احتضنك أمام عدسات الإعلام والجماهير، وخاطبك قائلًا: «دوم هلدر، أخو الفقراء وأخي!» (Dom Hélder, irmão dos pobres e meu irmão!).

يا لها من لحظة! وأتخيّل وجوه الذين كانوا ينتظرون أن يتجاهلك البابا، فإذا به يحتضنك أمام الجميع! ولا أعرف إنْ كانوا قد وجدوا تفسيرًا دبلوماسيًّا لذلك العناق، لكنّني أظنّ أنّه كان أبلغ من خطاباتٍ كثيرة. والأجمل أنّ يوحنّا بولس الثاني، في عظته إلى عمّال الريف في ريسيفي، تحدّث عن الظلم الذي يحرم أعدادًا كبيرة من الناس خيرات الأرض، وأكّد أنّ للملكيّة الخاصّة وظيفةً اجتماعيّة. وهكذا لم تكن تحيّته لك مجاملةً شخصيّة، فقد التقى حديثه عن كرامة الفقراء بأسئلةٍ قضيتَ سنواتٍ تطرحها.

ومع ذلك، يبقى عندي سؤالٌ أودّ أن أناقشك فيه: كيف يستطيع المسيحيّ أن يدافع عن التغيير الاجتماعيّ، من دون أن يقع في إغراء تبرير العنف باسم العدالة؟ لقد عشتَ في زمنٍ كانت فيه بعض الحركات ترى الثورة المسلّحة سبيلًا إلى التحرّر، بينما دعوتَ أنت إلى السلام والتغيير من دون عنف. وأظنّ أنّ شعوبًا كثيرة، من بينها شعوبنا العربيّة، لم تزل تواجه هذا السؤال المؤلم: كيف نقاوم الظلم، من دون أن نمنح الظالمين الجدد فرصةً للظهور باسم التحرير؟

عزيزي دوم هلدر،
أتذكّر الآن ذلك الطالب الإكليريكيّ الذي استعار كتابك ليتعلّم الإنجليزيّة. لقد مضت سنواتٌ طويلة منذ ذلك اليوم، لكنّ ابتسامتك على الغلاف، وحديثك عن الفقراء والخطأة، لم يغيبا عن ذاكرتي. وبعد ما تعلّمته من الفلسفة واللاهوت، ما زلتُ أرى أنّ إحدى أهمّ المسائل التي طرحتَها هي العلاقة بين الرحمة والعدالة: هل تكفي محبّة الفقراء إنْ لم نحاول فهم الأسباب التي تجعلهم فقراء؟ وأخيرًا، إذا التقينا يومًا في العالم الآخر، فسأسألك إنْ كنتَ قد سامحتَ الذين لقّبوك «الأسقف الأحمر». وأتخيّلك تبتسم ابتسامتك الطفوليّة وتقول لي: «يا جون، دعك من لون الأسقف، وانظر إلى حال الفقراء!»

وأظنّ يا دوم هلدر أنّ أجمل ما في تحيّة يوحنّا بولس الثاني أنّه لم يذكر لونك السياسيّ، بل ذكر الفقراء. فقد خاطبك بالاسم الذي أحببتَ أن تعيش من أجله: «أخو الفقراء». وأيّ لقبٍ أسقفيّ أجمل من هذا؟

مع مودّتي واحترامي،
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ