بقلم: أيمن فايز
قد نقف أمام عمل فني قرونًا طويلة، نظن أننا نعرف حكايته، بينما يظل السؤال الأهم مختبئًا في طريقة تصويره. فليست كل صورة تروي ما حدث، ولا كل عين ترى ما أراد الفنان أن يقوله. وأحيانًا لا تكمن عبقرية العمل في الشيء الذي وضعه الفنان أمامنا، بل في العلاقة التي أقامها بين أشياء لم نكن نظن أنها تلتقي.

وهنا يبدأ عمل كاتب الإِيقونة. فهو لا يبحث عن صورة جميلة لنص مقدس، بل يبحث عمّا يستطيع النص أن يكشفه حين يتحول إلى صورة، دون أن يفقد أمانته للكلمة.

في أثناء تأملي منبرًا كنسيًا عجيبًا، صُمّم على هيئة كائن بحري هائل، عادت إلى ذاكرتي صور يونان التي عرفتها في الفن المسيحي المبكر، ولا سيما رسوم المدافن الرومانية تحت الأرض، المعروفة بالكاتاكومب.

ولم يكن السؤال الذي أثاره المنبر في نفسي: لماذا اختار الفنان شكل الحوت؟ بل كيف استطاع الكائن الذي ابتلع نبيًا هاربًا من إعلان كلمة الله، أن يصبح بعد قرون موضعًا يقف فيه إنسان ليعلن تلك الكلمة؟

ولكي نفهم هذه المفارقة، علينا أولًا أن نعود إلى النص.

يونان لم يكن نبيًا محرومًا من معرفة الله، بل نبيًا هاربًا من الرسالة التي أُوكلت إليه.

يبدأ السفر بأمر إلهي: «قُمْ، اذهب إلى نينوى» (يونان 1: 2). والفعل العبري קוּם (قُوم) يعني النهوض والقيام. لكن يونان ينهض بالفعل، لا ليذهب إلى نينوى، بل ليهرب إلى ترشيش، في الاتجاه المضاد لرسالته.

لقد أطاع جسده فعل القيام، بينما عصت إرادته الغاية منه.

ثم تبدأ حركة أخرى لا تقل أهمية: النزول. ينزل إلى يافا، ثم إلى السفينة، ثم إلى أعماقها، حيث يستغرق في النوم بينما تضطرب المياه من حوله. ويستخدم النص الفعل العبري יָרַד (يارَد)، أي «نزل»، ليجعل من الحركة المكانية تعبيرًا عن مسار الهروب.

هنا لا يعود البحر مجرد خلفية للقصة، ولا السفينة وسيلة سفر. لقد أصبح المكان نفسه لغةً تكشف حالة الإنسان.

وهذه نقطة أساسية في الفن المقدس: فالمكان لا يقتصر على احتواء الحدث، بل يستطيع أن يشارك في تفسيره.

وحين يصل يونان إلى جوف الكائن البحري، يذكر النص العبري كلمة דָּג (داغ)، أي «سمكة»، دون أن يحدد نوعها. أما صورتها في الفن المسيحي المبكر فستكون مختلفة تمامًا عمّا نتخيله اليوم حين نسمع كلمة «حوت».

لكن قبل أن ننظر إلى الصورة، ينبغي أن نسأل: لماذا اختار المسيحيون الأوائل يونان بالذات ليرسموه على جدران مدافنهم؟
هنا ندخل إلى واحدة من أكثر صفحات تاريخ الفن المسيحي عمقًا.

لم تكن الكاتاكومب في روما، كما يشيع أحيانًا، مخابئ سرية حفرها المسيحيون هربًا من الاضطهاد. لقد عرفت الحضارة الرومانية حرمة القبور، وكانت مواضع الدفن تتمتع بحماية قانونية ودينية، وإن لم تمنع هذه الحماية كل تجاوز في أزمنة الاضطهاد.

وكانت المدافن تحت الأرض معروفة لدى الرومان واليهود أيضًا. وقد ساعدت طبيعة التربة المحيطة بروما على حفر ممرات وحجرات للدفن.
لكن المسيحيين أعطوا المكان لغةً جديدة.

فهم لم ينظروا إلى القبر بوصفه خاتمة وجود الإنسان، بل موضع انتظار القيامة. حتى إن الاسم القديم الذي استُخدم لهذه المدافن، Coemeterium، مأخوذ من اليونانية κοιμητήριον، ومعناه «موضع النوم أو الرقاد»، وهو الأصل الذي انتقلت منه كلمة «مقبرة» في عدد من اللغات الأوروبية.

وليس المقصود أن الموت مجرد نوم بالمعنى الجسدي، بل أن الإنسان الراقد لم يخرج من رجاء الحياة الأبدية.

وهنا نفهم لماذا حمل المسيحيون الفن إلى موضع الدفن.

لم يكن المطلوب تزيين جدران حزينة ببعض الصور المبهجة، وإنما وضع الإنسان، في أكثر لحظاته مواجهةً للموت، أمام مشاهد من تاريخ الخلاص.
ولهذا نرى دانيال بين الأسود، والفتية الثلاثة في أتون النار، ونوحًا في الفلك، وإقامة لعازر، ويونان الذي ابتلعه الكائن البحري ثم خرج حيًا.

ما الذي يجمع هذه المشاهد؟
إنها ليست قصصًا عن أبطال نجحوا بقوتهم، بل عن أناس بلغوا حدود قدرتهم، فلم تكن النهاية حيث توقعها البشر.

وهكذا كانت الجدران تخاطب الأحياء الذين يأتون لدفن موتاهم. لا لتقول لهم إن الموت غير موجود، بل إن الموت ليس صاحب الكلمة الأخيرة.

ولعل يونان كان من أكثر الشخصيات ملاءمة لهذا المعنى، لأن المسيح نفسه أعطى قصته قراءة جديدة حين قال:
«كما بقي يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، فكذلك يبقى ابن الإنسان في جوف الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال» (متى 12: 40).

ومن هنا لم تعد صورة يونان في الفن المسيحي مجرد نجاة نبي من البحر، بل صارت إشارة إلى موت المسيح وقيامته.
غير أن الفنان لم يرسم السفر كاملًا.

لم يرسم في الغالب يونان وهو يعظ نينوى، ولا أهل المدينة وهم يتوبون، بل اختار مشاهد محددة: إلقاء النبي في البحر، وابتلاعه، وخروجه، ثم استراحته تحت نبات يظلله.

وهذا الاختيار يستحق التأمل.

ففي الفن اليوناني الروماني كانت هناك صورة معروفة لشاب جميل نائم يُدعى إنديميون، ارتبطت أسطورته بالنوم الدائم والشباب الذي لا يزول. وقد استعار الفنانون المسيحيون من هذا التراث هيئة الجسد المستلقي ليصوروا يونان مستريحًا تحت النبات.

لم يصبح يونان بذلك شخصية وثنية، ولم تتحول قصته إلى أسطورة يونانية. بل استخدم الفنان لغة تشكيلية مألوفة لمجتمعه، ووضعها في خدمة معنى جديد.
إنها واحدة من أهم الحقائق التي ينبغي أن نفهمها في تاريخ الفن المسيحي: قد يرث الفنان شكلًا من ثقافة سابقة، دون أن يرث بالضرورة العقيدة التي ارتبطت به.

حتى الكائن البحري نفسه لم يُرسم دائمًا على هيئة حوت طبيعي. فقد استعان الفنان بصورة الوحش البحري المعروف في الفن اليوناني باسم Ketos، وهو كائن خيالي ذو جسد ملتف وفم كبير، يظهر في الأساطير البحرية القديمة.

لم يكن الفنان المسيحي يجهل شكل الأسماك، بل كان يستخدم مفردة بصرية يعرفها الناس، لكي يصور بها الكائن الذي يذكره سفر يونان.
وهنا يجب أن نميز بين النص والصورة: فالكتاب المقدس لم يصف وحشًا أسطوريًا، وإنما الفن هو الذي استعان بصورة مألوفة من تراثه التشكيلي لتقديم الحدث.

لكن التفصيل الذي يستوقفني أكثر هو النبات الذي يستريح تحته يونان.

ففي الفصل الرابع، وبعد أن أنقذ الله نينوى من الهلاك، يغضب يونان لأن الرحمة شملت المدينة التي كان ينتظر عقابها. ويجلس خارجها ليرى ماذا سيحدث.
ويُنبِت الله نباتًا يظلله، فيفرح به يونان فرحًا عظيمًا. ثم يذبل النبات، فيغضب النبي مرة أخرى، حتى يقول إنه يفضّل الموت على الحياة.

والنص العبري يسمّي هذا النبات קִיקָיוֹן (قيقايون)، وهي كلمة اختلف الباحثون والمترجمون في تحديد النبات الذي تدل عليه. ويرجّح كثيرون أنه نبات الخروع، ذو الأوراق الكبيرة التي توفر الظل.

أما الترجمة اليونانية القديمة للكتاب المقدس، المعروفة بالسبعينية، فقد استخدمت كلمة κολοκύνθη (كولوكينثي)، وتعني نباتًا من فصيلة القرعيات، يشبه القرع أو اليقطين، ويمكن أن يمتد بأوراقه الكبيرة فوق الإنسان.

وهنا تظهر مسألة فنية مهمة: حين يرسم الفنان نباتًا متسلقًا تتدلى منه ثمار القرع، فإنه قد يكون متأثرًا بالصورة التي نقلتها إليه الترجمة اليونانية، لا بالضرورة بالنوع النباتي الذي قصده النص العبري.

وهكذا قد تساعدنا ورقة نبات مرسومة على جدار قديم في فهم تاريخ قراءة الكتاب المقدس وانتقاله بين اللغات والثقافات.

لكن الأهم ليس اسم النبات، بل لماذا جعله الله جزءًا من القصة.

لقد حزن يونان على نبات لم يزرعه ولم يتعب في رعايته، بينما ضاق برحمة الله تجاه مدينة كاملة.

وهنا يأتي السؤال الإلهي الذي ينتهي به السفر:
«أفلا أشفق أنا على نينوى، المدينة العظيمة؟» (يونان 4: 11).

إنه سؤال لا يجيب عنه يونان.

والأمر المدهش أن الفنان المسيحي المبكر اختار في كثير من الأعمال أن يختم دورة يونان بصورة الراحة تحت النبات، بينما يختتم الكتاب المقدس القصة بسؤال أخلاقي وروحي مفتوح.

لماذا؟
لأن الصورة الجنائزية كانت تقرأ يونان من زاوية الرجاء والنجاة والراحة بعد الخطر، بينما يحمل السفر نفسه سؤالًا أوسع عن رحمة الله التي تتجاوز الحدود التي يرسمها الإنسان لها.

وهنا ينبغي ألا نختزل أحد المعنيين في الآخر.

فالفن لا يكرر النص بكل تفاصيله، بل يختار منه ما يخدم الرسالة التي يريد أن يعلنها في موضع معين. والكاتاكومب لم تكن المكان الذي تُعرض فيه جميع موضوعات الكتاب المقدس، بل فضاءً تُنتقى له الصور التي تخاطب الإنسان في مواجهة الموت.

ولذلك فإن فهم صورة يونان على جدار قبر يختلف عن فهمها على جدار كنيسة، أو في كتاب مصوّر، أو في منبر كنسي.

وهذا يعيدني إلى المنبر الذي أثار كل هذه الأسئلة.

هناك، في الكنيسة، لم يعد الكائن البحري صورة مرسومة على جدار، بل أصبح بناءً معماريًا يحتضن موضع إعلان الكلمة.

ولا أستطيع أن أجزم بأن صانع هذا المنبر قصد كل ما قرأته فيه، أو أن هناك امتدادًا تاريخيًا مباشرًا بينه وبين رسوم المدافن الرومانية. لكن المقارنة تفتح أمامنا معنى فنيًا ولاهوتيًا يستحق التفكير.

في سفر يونان، يبتلع الكائن البحري نبيًا هاربًا من الرسالة. وفي المنبر، يقف إنسان داخل فم ذلك الكائن ليعلن الكلمة للناس.

يا لها من مفارقة: الموضع الذي ارتبط بصمت النبي وهروبه، صار موضعًا يخرج منه الصوت إلى الجماعة.

ولكن السفر لا يسمح لنا أن نتوقف عند جمال المفارقة.

فالمشكلة الحقيقية لم تكن أن يونان رفض الذهاب إلى نينوى فحسب، بل أنه عرف رحمة الله ولم يحتمل أن تمتد إلى الذين لا يريد لهم الرحمة.
لقد خرج من جوف الكائن البحري، لكن السؤال الأصعب ظل قائمًا: هل خرج من ضيق قلبه؟

وهذا هو الفرق بين أن نعرف قصة كتابية، وأن ندخل إلى أعماقها.

فكاتب الإِيقونة لا يضيف إلى الوحي رسالة جديدة، ولا يملك أن يفرض على النص ما لا يقوله. لكنه يبحث في لغته، وفي تاريخه، وفي الصور التي حملته عبر القرون، لكي يكون أمينًا لما يرسمه.

وقد تكشف له دراسة كلمة عبرية سبب حركة في التكوين، أو تكشف له ترجمة يونانية لماذا رسم الفنان نباتًا بصورة معينة، أو يفسر له تاريخ الفن الروماني لماذا ظهر يونان في هيئة شاب مستلقٍ، لا في هيئة النبي التي نتخيلها اليوم.

هذه ليست معلومات نضيفها إلى العمل لكي يبدو أكثر ثقافة. إنها جزء من الأمانة التي تسبق الإبداع.

فالفنان الذي لا يقرأ النص قد يرسم ما يتخيله، والفنان الذي لا يعرف تاريخ الفن قد يكرر أشكالًا لا يفهم أصلها. أما حين تلتقي معرفة الكتاب المقدس بفهم اللغة البصرية، فإن الصورة تستطيع أن تصبح تعليمًا يتجاوز حدود الشرح المباشر.

ولعل أعظم ما في سفر يونان أنه لا ينتهي بانتصار النبي، ولا بهلاك المدينة، بل بسؤال من الله إلى الإنسان.

لم يُغلق الكاتب المقدس ذلك السؤال، ولا ينبغي للفنان أن يغلقه بدلًا منه.

فالفن المقدس لا يبلغ غايته حين يجعلنا نعجب بما نراه، بل حين يعيدنا إلى الكلمة، فنكتشف أن النص الذي ظننا أننا نعرفه ما زال قادرًا على أن يسألنا.