محرر الأقباط متحدون
بعد الاتصال بالرئيس الروسي بوتين، أجرى البابا أمس محادثة مع رئيس أوكرانيا بشأن الوضع في بلدة أوليشكي، الواقعة في منطقة خيرسون والخاضعة للاحتلال الروسي، حيث بلغ السكان حدّ الإنهاك، وأُغلقت أمامهم جميع سبل الفرار. ويدعو الحبر الأعظم إلى "تعاون الطرفين" لضمان وصول المساعدات وإجلاء السكان "طوعًا وبأمان". ومع رئيس أوكرانيا، عقد البابا ثلاثة لقاءات وأجرى ثلاث اتصالات هاتفية منذ بداية حبريته.

موسكو أولًا، ثم كييف. هكذا يختصر هاتف لاوُن الرابع عشر، رمزيًّا، المسافات التي تفرضها الحرب في أوكرانيا، تلك "المجزرة العبثية" التي عادت لتطلّ برأسها في أوروبا، على حدّ تعبيره في خطابه الأخير في مدينة ميتز، والتي يبدو أنها لا تجد سبيلًا إلى الحل. فبعد أن تحدّث إلى فلاديمير بوتين يوم الجمعة الماضي، ١٦ تشرين الأول أكتوبر، بينما كان لا يزال في مستشفى جيميلي، داعيًا إلى هدنة إنسانية في أوليشكي، المحاصرة من القوات الروسية، حيث يعاني السكان الجوع، أجرى البابا في وقت متأخر من بعد ظهر الاثنين محادثة هاتفية مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وأفاد بيان صادر عن دار الصحافة التابعة للكرسي الرسولي بأن أوليشكي كانت مجددًا محور المحادثة.

وجاء في بيان الكرسي الرسولي: "خلال المحادثة، أشار الأب الأقدس إلى الوضع الخطير في مدينة أوليشكي، في منطقة خيرسون، مستحضرًا طلب هدنة إنسانية سبق أن تقدّم به إلى رئيس الاتحاد الروسي. وأعرب الأب الأقدس عن أمله في أن يتيح تعاون الطرفين وصول المساعدات الغذائية والطبية وإجلاء السكان المدنيين طوعًا وبأمان". وأضاف البيان أن البابا "جدّد في الختام تأكيد التزام الكرسي الرسولي بدعم الحوار والسلام".

وهكذا، لا يتخلّى البابا لاوُن الرابع عشر عن الهدف الذي أعلنه وسعى إلى تحقيقه منذ بداية حبريته، وهو أن يكون "رسولًا للسلام". ويتجلّى ذلك خصوصًا في خضمّ النزاع بين روسيا وأوكرانيا، إذ عرض على البلدين، بعد أيام قليلة فقط من انتخابه، أن تكون دولة حاضرة الفاتيكان مكانًا محايدًا ومساحةً للتفاوض من أجل تحقيق سلام "عادل ودائم". لكن البابا الأمريكي يرى أن الأولوية الملحّة الآن، إلى جانب إبقاء أبواب الحوار مفتوحة، تتمثّل في إيجاد حلول فورية لمدينة أوليشكي، الواقعة على الضفة اليسرى لنهر دنيبرو، في منطقة خيرسون، والتي تخنقها الحرب. فخلال هذه الأشهر، يعيش سكان المدينة، الذين يبلغ عددهم نحو ألفي شخص، من بينهم حوالي خمسين طفلًا، بحسب مصادر من كييف، من دون مياه أو كهرباء أو أدوية أو سيارات إسعاف. أما الجسر الذي يربط المدينة بمدينة خيرسون، والذي نُسف في تشرين الثاني نوفمبر ٢٠٢٢، فقد دُمّر، ما يحول دون أي سبيل للخروج منها، في حين أن الطرق الواقعة خارج المدينة وفي القرى المحيطة بها مزروعة بالألغام. وباختصار، لا يوجد أي ممرّ للفرار. وتتّهم السلطات الأوكرانية القوات الروسية بمنع فتح الممرات الإنسانية، فيما تردّ موسكو الاتهامات نفسها إلى كييف.

وخلال اتصاله ببوتين، الذي بادر إليه البابا نفسه، وفق ما أكّده أمين سرّ دولة حاضرة الفاتيكان، الكاردينال بييترو بارولين، طلب البابا لاوُن الرابع عشر "هدنة تتيح وصول المساعدات الغذائية والطبية وإجلاء السكان المدنيين طوعًا وبأمان". واليوم، وجّه البابا نداءه إلى زيلينسكي، الذي تعدّدت الاتصالات بينهما خلال الأشهر السبعة عشر من حبريته. ففي ١٢ أيار مايو ٢٠٢٥، أي بعد أربعة أيام من انتخابه في الكونكلاف، أظهر لاوُن الرابع عشر اهتمامه العميق بالوضع في أوكرانيا، من خلال أول اتصال هاتفي رسمي بينهما، دعا خلاله زيلينسكي الحبر الأعظم المنتخب حديثًا إلى زيارة كييف، وأكّد له استعداد بلاده للدخول في مزيد من المفاوضات، بأي صيغة كانت، "بما في ذلك المحادثات المباشرة". ثم التقى الاثنان في ١٨ أيار مايو، بحضور زوجة الرئيس، أولينا، وذلك مباشرة بعد القداس الإلهي الذي احتفل به البابا لمناسبة بداية حبريته في ساحة القديس بطرس.

وتجدّد اللقاء في ٩ تموز يوليو ٢٠٢٥، خلال مقابلة خاصة في فيلا باربيريني، المقرّ البابوي في كاستل غاندولفو، حيث بحث الجانبان إمكانية استضافة مفاوضات سلام مستقبلية في الفاتيكان. ثم التقيا مجددًا في ٩ كانون الأول ديسمبر، أيضًا في كاستل غاندولفو، حيث ظهر البابا والرئيس معًا على الشرفة عقب انتهاء المقابلة، لمناقشة ضرورة إبقاء الحوار مفتوحًا، فضلًا عن قضية أسرى الحرب وعودة الأطفال الأوكرانيين الذين رُحّلوا إلى روسيا. وهذه هي القضايا التي يواصل الكاردينال ماتيو زوبي العمل بشأنها باستمرار، بعدما قام بمهمتين في كييف ومهمتين في موسكو، وهي الجهود التي أعادت زيارة رئيس الأساقفة بول ريتشارد غالاغر، أمين سرّ دولة حاضرة الفاتيكان للعلاقات مع الدول والمنظمات الدولية، في الصيف الماضي، تسليط الضوء عليها وتعزيزها.

وفي الثالث من نيسان أبريل الماضي، لمناسبة عيد الفصح، اتصل البابا مجددًا بزيلينسكي، في خضمّ تصعيد جديد وواسع النطاق للهجمات الروسية بالطائرات المسيّرة والصواريخ على مناطق مختلفة من أوكرانيا. وأعرب البابا لاوُن الرابع عشر حينها عن تضامنه مع الشعب الأوكراني، مؤكّدًا مجددًا الحاجة الملحّة إلى تقديم المساعدات الإنسانية، والإفراج عن الأسرى، والعمل من أجل سلام يتمّ التوصل إليه عبر المفاوضات. إنها نداءات لم تتوقف، وجدّدها البابا اليوم أيضًا.