الأب أغسطينوس وبالميلاد ميلاد سامي ميخائيل بطرس طوس...
ذبيحة المذبح وعرس السماء
عن الأب باتريسيو سانشيز ومفارقة الصليب وامتحان الضمير الإنساني
المقدمة:
لاهوت المذبح وسر الرحيل:
تأملات في الفكر والرجاء والإنسانية
في حضرة الرحيل المباغت وهشاشة الوجود
في مساء السبت النقي، السابع عشر من تشرين الأول (أكتوبر) ألفين وستة وعشرين، وقف الأب باتريسيو ألفريدو سانشيز موليناري، الكاهن في رعية سيدة المعونة الدائمة بغواياكيل، خادما أمينا أمام سر الإفخارستيا العظيم. كان ذلك اليوم يحمل رمزية روحية عميقة؛ إذ صادف اليوبيل الحادي والعشرين لسيامته الكهنوتية. لم يكن يعلم أن الذبيحة الإلهية التي يحتفل بها، ويبثها لرعيته عبر فضاء الإنترنت، ستكون قداس عمره الأخير؛ وأن الكلمات التي نطق بها ستتحول في لحظات إلى وصية إيمانية خالدة تمس قلوب الملايين.
إن النظر إلى هذه الحادثة يجعلنا نتأمل في ثلاثية معنى كبرى:
١ ـ ذبيحة المذبح: حيث أنهى الكاهن سعيه الأرضي وهو يقدم قداسه الشكري الأخير، متحدا بقربان المسيح.
٢ ـ عرس السماء: فالإفخارستيا الأرضية هي عربون المأدبة السماوية الخالدة، وقد انتقل الراعي ليعيش الليتورجيا الحقيقية في مجد الآب.
٣ ـ التناغم الروحي والبلاغي: التقاء الصدمة الإنسانية الأولى (السقوط والموت) بالانتصار الروحي النهائي (القيامة والرحمة)، مما يرفع الرحيل من فعل غياب إلى شهادة فكر وإيمان رفيعة المستوى.
وما أجمل أن يختبر من عاش حياته تحت رعاية أم المعونة الدائمة جلال المعونة الإلهية في لحظة عبوره؛ فالموت على المذبح هو أسمى درجات الأمانة لخادم صان الوديعة حتى الرمق الأخير. إننا أمام حدث يستدعينا أن نتناوله من زاويتين: تاريخية توثق حياة الأب باتريسيو، ولاهوتية تتأمل كيف لعظة عابرة أن تتحول إلى نداء يمس علاقة الإنسان بالله، وبالزمن، وبالموت.
١ ـ الأب باتريسيو: سيرة البساطة ورسالة الخدمة
ولد الأب باتريسيو في السادس من تشرين الأول (أكتوبر) عام ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين في مدينة كوينكا الإكوادورية. لبى دعوة الرب بانضمامه إلى رهبانية الفادي الأقدس (الرهبانية الفادية) في عيد انتقال العذراء، الخامس عشر من آب (أغسطس) عام ألفين، ثم نال السيامة الكهنوتية في الخامس عشر من تشرين الأول عام ألفين وخمسة.
تشير شهادة إخوته في الرهبانية إلى أن خدمته تميزت بسمات الإنجيل: البساطة، الهدوء، والأخوة الراعية؛ فقد كان قريبا من الشباب، محبا للمرضى، ومتعبدا شغوفا أمام القربان الأقدس. لم تكن رسالته نتيجة اللحظة المأساوية التي ختمت حياته، بل كانت امتدادا لخياره الأول بتكريس ذاته للمسيح. رحل عن عمر يناهز اثنين وخمسين عاما، بعد يومين فقط من احتفال الأبرشية بمرور إحدى وعشرين سنة على كهنوته.
٢ ـ الحادثة المأساوية: الموت الذي يأتي كاللص
بينما كان الأب باتريسيو يحتفل بسر الشكر، واقفا خلف المذبح يواجه شعب الله بقلب الراعي، كان هناك صليب خشبي كبير معلق على الجدار خلفه. وما إن أتم عظته وانتقل إلى ليتورجيا الإفخارستيا، حتى انفصل الصليب فعليا وسقط عليه بشكل مباغت. رغم صرخات الذعر ومحاولات الإنقاذ، كانت روحه قد فارقت جسده في اللحظة عينها.
إن موت الكاهن وهو مرتد حلته الطقسية، ويده لم تفتأ تلمس المذبح، يضعنا أمام حقيقة هشاشة الحياة البشرية. إنه تجسيد صارخ لتحذير الرب يسوع في الإنجيل: فاسهروا إذا لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم (متى أربعة وعشرين: اثنين وأربعين). ليس المطلوب هنا أن نعيش في رعب دائم من الفناء، بل أن نتحرر من وهم تأجيل الحياة الحقيقية. كم نميل إلى قول: غدا أصلي، غدا أصالح، غدا أمنح وقتي لمن أحب، لكن الزمن ليس ملكا لنا. لم يكن الأب باتريسيو يتنبأ بموته؛ بل كان يشرح الإنجيل ليذكرنا بأن التأجيل هو هدر للنعمة، وللأسف، غدت كلماته هذه توقيعا حيا على رحيله بعد دقائق معدودات.
٣ ـ العظة الأخيرة: كيف نستثمر الزمن الممنوح لنا؟
في ذلك المساء، كان الأب باتريسيو يتأمل في جواب المسيح المفصلي: أعطوا إذا ما لقيصر لقيصر وما لله لله (متى اثنين وعشرين: واحد وعشرين). ومن خلاله، طرح التساؤل الجوهري: ما هي المساحة التي نفردها لله في غمرة أيامنا؟
أوضح الراحل أن الأزمة لا تكمن في العمل أو المال أو المسؤوليات العائلية، فهذه واجبات صالحة، بل في أن تستبد بنا هذه المشاغل إلى حد أن لا نترك لله ولأحبائنا إلا الفضالات الشحيحة من وقتنا. وأشار بتأنيب راعوي إلى الساعات المبددة أمام الشاشات، بينما يمر اليوم دون صلاة عميقة أو إصغاء حقيقي لأفراد الأسرة.
ثم نطق بوصيته الأخيرة التي صدحت في وسائل الإعلام:
يوما ما، سنموت جميعا نحن الموجودين هنا. وأحيانا، لا تكون للأشياء التي أمضينا وقتنا فيها القيمة عينها التي للوقت الذي أمضيناه مع الله.
إن الوقت الممنوح لله، وللإخوة، وللشريك والأولاد، هو الاستثمار الأبقى. لم تكن هذه العظة دعوة للانكفاء عن العالم، بل إعادة ترتيب للأولويات؛ كي لا نكتشف بعد فوات الأوان أننا نجحنا في جمع الأشياء وفقدنا الشيء الوحيد الذي يمنح الحياة معناها الإلهي. فنحن لا نهدر الوقت في الشرور فقط، بل نهدره أيضا حينما نحشوه بما لا يبقى. والسؤال الراديكالي هو: هل طريقة عيشنا اليوم تعكس صدق ما ندعي أنه الأهم في حياتنا؟
٤ ـ التمييز اللاهوتي والفكري: تفكيك الحيرة ونفي الأوهام
أمام جسادة هذا الفقد، يثور السؤال البشري القديم بوجع: كيف ولماذا؟ ألم يكن الله قادرا على منع سقوط الخشب؟ ألم تكن معجزة خاطفة كافية لإنقاذ خادمه؟ نحن نؤمن بقدرته، فلماذا لم يتدخل؟
يعيدنا الفكر الإنجيلي المستنير إلى موقف الرب يسوع نفسه حين انهار برج سلوام على ثمانية عشر شخصا، إذ قال: أتظنون أن هؤلاء كانوا مذنبين أكثر من جميع الناس؟ (لوقا ثلاثة عشر: أربعة). لم يقدم المسيح تفسيرا ميكانيكيا للسقوط، ولم يقل إنه عقاب أو مشيئة خاصة لإرسال رسالة؛ بل رفض رفضا قاطعا ربط المأساه الطبيعية بالذنب الميتاديني.
إن هذا يدعونا إلى مراجعة فهمنا للصليب. نحن نكرم الصليب ونرسمه، لكنه ليس تميمة للحماية المادية من الحوادث، وليس حجابا يعطل قوانين الطبيعة والجاذبية. الخشب يبقى خشبا، والمسامير تخضع للبلى، والعناصر الثقيلة قد تسقط. قداسة الصليب لا تعني إيجاد مناطق معزولة عن قوانين الفيزياء التي خلقها الله نفسه.
هذا التمييز لا يقلل من قوة الإيمان، بل يحميه من السقوط في السحر. ففي المنظور الروحي العميق، لم يكن سقوط الصليب على جسد الكاهن علامة سخط، بل هو في عمقه السري يشبه احتضان المعلم لتلميذه. لقد ضم الصليب شهادة الكاهن إلى جملة الآلام المقدسة؛ فمن حمل الصليب في قلبه طوال حياته، تدثر به في مماته. وبهذه المفارقة، لو عاد الأب باتريسيو بعد العظة إلى بيته، لبقيت كلماته محدودة الأثر؛ أما موته الإفخارستي فقد جعل العظة شهادة كونية صادحة توقظ الضمائر.
وهنا ننفي الازدواجية: حينما ينجو إنسان من الموت نقول إن الله يحبه، فهل يعني ذلك أن من لم ينج كان أقل قيمة عند خالقه؟ حتما لا. إن محبة الله لا تقاس بمعيار السلامة المادية العابرة، وعدم حدوث المعجزة ليس دليلا على غياب العناية، بل هو دعوة للسجود أمام سر الله بصمت دون اختراع أجوبة ثيولوجية تبسيطية.
٥ ـ الإيمان بالعناية والمسؤولية الإنسانية
إن الإيمان بالعناية الإلهية لا يجوز أن يكون ذريعة للانفصال عن المسؤولية البشرية. فعندما يسقط جدار أو صليب، يجب البحث عن الأسباب التقنية والهندسية: هل كان التثبيت آمنا؟ هل تمت الصيانة؟
لا نفعل ذلك لتوزيع الاتهامات، بل إجلالا لكرامة الحياة البشرية التي أودعها الله أمانة بين أيدينا. لا يحق لنا أن ننعت كل إهمال بشري بأنه مشيئة الله، كي نغلق باب المحاسبة. فالإيمان الحقيقي يطالبنا بشجاعة المراجعة وتأمين السلامة في كنائسنا لحماية الإنسان، الذي هو صورة الله الحية.
٦ ـ حين تتعطل إنسانيتنا أمام اختلاف العقائد: امتحان الأخلاق والضمير
إن ثمة لحظات في التاريخ لا تكشف قسوة الطبيعة قدر ما تكشف الفقر الأخلاقي للإنسان. فالموت، الذي ينبغي أن يوقظ فينا أعمق مشاعر الرحمة، يغدو أحيانا مضمارا لتعرية الضمائر. أمام الموت، تسقط الهويات الاصطناعية، ولا يبقى سوى الحقيقة العارية: إنسان رحل، وجسد سيبلى، وأسرة تتفطر حزنا.
الحزن على الإنسان لا يحتاج إلى بطاقة هوية عقائدية، ولا إلى إذن من حراس المذاهب؛ ذلك أن قيمة الكائن البشري تسبق كل تصنيف. وما يدمي القلب حقا هو رؤية من يستقبل هذا الرحيل بالشماتة أو السخرية على منصات التواصل، وكأن سقوط إنسان تحت كتلة خشبية هو انتصار مذهبي!
إن الشماتة في الموت ليست زلة لسان، بل هي خلل بنيوي في الضمير الأخلاقي. فالشامت لا يرى في الآخر كائنا له كرامة ذاتية، بل خصما تجب هزيمته حتى وهو يوارى التراب. هذا السلوك يعكس ذعرا باطنيا أمام حتمية الفناء؛ فبدلا من أن يتأمل الشامت في ضعفه البشري المشترك، يهرب إلى كبرياء زائف يتوهم فيه أن بقاءه حيا هو صك أفضلية إلهية، ناسيا أن القبر ينتظر الجميع بذات الصمت.
والأكثر إيلاما أن بعض هذه المواقف تصدر عمن يحملون درجات علمية رفيعة. فما قيمة المعرفة إذا لم توسع أفق الرحمة؟ إن أخطر أنواع الجهل هو ذلك الذي يتدثر بعباءة العلم، لكنه يستبطن أحكام القطيع ويستعير من الموروث أقسى ما فيه ليبرر لذاته نزع الإنسانية عن الآخر المختلف.
٧ـ وحدة الألم الإنساني والازدواج الأخلاقي
تتعدد الأسباب والموت واحد؛ سواء رحل الإنسان في حادث، أو على سريره، أو وهو يصلي. أمام جلال الموت، ينبغي أن تتوحد المشاعر الإنسانية. وحينما نستحضر مآسي قريبة، كحادثة سقوط الرافعة في مكة عام ألفين وخمسة عشر، أو كارثة التدافع في مشعر منى في العام نفسه، لم يكن الضحايا هناك مجرد أرقام؛ بل كانوا بشرا خرجوا لأداء شعيرة يؤمنون بقداستها، وراء كل واحد منهم عائلة يعتصرها ألم الفقد. وكان من البديهي أن تستقبل تلك الفواجع بتعاطف إنساني كوني نقي، بغض النظر عن الاختلاف العقائدي.
فكيف نطلب من العالم أن يحترم أحزاننا، بينما يستبيح بعضنا أحزان الآخرين؟ إن هذا التناقض هو ازدواج أخلاقي فج، يجعل المبادئ خاضعة لهوية الضحية لا لعدالة المبدأ. لا تقاس قيمة الإنسان بما يعلنه من شعارات، بل بما يصنعه من الحق، وبقدرته على الاعتراف بكرامة الآخر. الأخلاق ليست ملكية حصرية لجماعة دون أخرى، بل هي مسؤولية كونية تتجلى في كيفية تعاملنا مع من يشاركنا هذا الكوكب. أما أن نطالب باحترام مقدساتنا ثم نبتهج بموت الآخرين، فهذا ليس غيرة على الدين، بل هو ضيق أفق لعقل مأسور بثنائية نحن وهم.
الخاتمة: غياب الجسد وبقاء الأثر والرجاء
بعد إقامة الصلوات الليتورجية الأولى في غواياكيل، نقل جثمان الأب باتريسيو إلى مسقط رأسه في كوينكا ليوارى الثرى. إننا لا نكتب هذا الكلام انحيازا لعقيدة ضد أخرى، بل دفاعا عن المساحة الإنسانية الأرحب، رافضين أن يكون الحزن أو الرحمة شعيرة مشروطة بالتشابه.
وفي قلب هذه التساؤلات، دعونا نشخص إلى المسيح نفسه؛ فالمسيح لم ينزل عن الصليب ليثبت قدرته، ولم يعف نفسه من الألم والموت، بل دخل إلى الموت ووطئه ليقوم منتصرا. لم يكن الصليب وعدا بأن المؤمن لا يتألم، أو أن الكاهن لا يموت؛ فالصليب ليس أداة لإلغاء الموت البشري، بل هو علامة انتصار المسيح على الموت. هناك فرق لاهوتي شاسع بين أن نؤمن بالله فقط لأنه سيحمينا ماديا من كل خطر طبيعي، وبين أن نؤمن بالمسيح الذي غلب الموت حتى لو تعرضنا نحن للألم والفقد. النظرة الأولى نفعية قاصرة، أما الثانية فتفتح أمامنا رجاء أسمى: أن القبر ليس هو صاحب الكلمة الأخيرة.
رغم هذا الرجاء، يظل الموت جرحا، ومن حق الأحباء أن يحزنوا ويبكوا؛ فحتى يسوع نفسه بكى أمام قبر لعازر، رغم علمه بأنه سيقيمه. ليس معنى إيماننا بالقيامة أن نتنكر لدموعنا، بل أن نبكي ونحن نهتف بيقين: أين شوكتك يا موت؟، لا لأن الموت لم يجرحنا، بل لأن المسيح قام.
زوادة روحية:
ليس الأهم أن نعرف الميقات الذي تنتهي فيه أيامنا، بل أن نعرف كيف نعيشها بحسب الحق. الموت لا يخلق المعنى، بل يكشف لنا قيمة الحاضر كفرصة للحب لم تغلق أبوابها بعد. في المسيحية، لا تقف الحقيقة عند عتبة الفناء؛ فالمسيح لم يأت لكي نكون مهجوسين بالموت، بل ليحررنا من الخوف ويقودنا إلى حياة تتجاوز حدود القبر. ولعل التكريم الحقيقي للأب باتريسيو ليس في إعادة مشاهدة لحظة سقوطه، بل في الإصغاء إلى الرسالة التي سبقتها لتغير شيئا في ذواتنا.
والسؤال الذي نضعه أمام ضميرك الآن: لو كانت هذه العظة موجهة إليك شخصيا من المذبح، ما هو الشيء الروحي أو الإنساني الحقيقي الذي ستكف عن تأجيله ابتداء من اليوم؟
الأب أغسطينوس وبالميلاد ميلاد سامي ميخائيل بطرس طوس...





