د. عايدة نصيف
سعدت جدا بمتابعة جلسة التعليم فى الحدث الهام الا وهو منتدى مصر ولكونى استاذة جامعية اردت ان القى نظرة تحليلية..حيث تكشف المؤشرات التي استعرضتها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ضمن مواد منتدى مصر 2026 عن تحولات واسعة شهدتها منظومة التعليم العالي في مصر خلال السنوات الماضية، سواء في التوسع في إنشاء الجامعات، أو زيادة أعداد الطلاب، أو نمو الإنتاج البحثي، أو تعزيز الحضور في التصنيفات الدولية، أو توسيع إتاحة المعرفة ودعم الابتكار. وهي مؤشرات تعكس حجم الجهد المبذول لتطوير هذا القطاع الحيوي، وتؤكد أن التعليم العالي أصبح أحد الملفات الاستراتيجية المرتبطة بمستقبل الدولة وقدرتها على المنافسة. غير أن القراءة التحليلية لهذه المؤشرات تقتضي تجاوز الاحتفاء بالأرقام إلى طرح سؤال أكثر عمقًا: إلى أي مدى نجح هذا التوسع في تحقيق تحسن حقيقي ومستدام في جودة التعليم والبحث العلمي، وفي تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية واجتماعية ملموسة؟
تشير البيانات المعروضة إلى ارتفاع عدد الجامعات المصرية من 55 جامعة عام 2014 إلى 131 جامعة عام 2026، بالتزامن مع زيادة أعداد الطلاب من نحو 2.3 مليون إلى 4 ملايين طالب. ولا شك أن هذا التوسع يمثل تطورًا مهمًا في إتاحة فرص التعليم العالي، وتنويع المسارات التعليمية بين الجامعات الحكومية والخاصة والأهلية والتكنولوجية، فضلًا عن استقطاب مؤسسات جامعية أجنبية للعمل داخل مصر. كما أن التوسع الجغرافي في المؤسسات التعليمية يمكن أن يسهم في تقليل الفجوات المكانية وتوفير فرص أوسع أمام الشباب. لكن التوسع الكمي، مهما بلغت أهميته، لا يمثل في حد ذاته ضمانة لجودة التعليم؛ فزيادة عدد الجامعات والطلاب تفرض ضرورة موازية لتطوير البنية الأساسية، وزيادة أعداد أعضاء هيئة التدريس المؤهلين، وتحديث المعامل والمكتبات، وتطوير نظم التعليم والتقييم، وتوفير التدريب العملي والخدمات الطلابية. وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يكون حاضرًا في تقييم التجربة: هل نمت الإمكانات التعليمية والموارد المتاحة بالمعدل نفسه الذي نمت به أعداد الجامعات والطلاب؟ إن إنشاء جامعة جديدة لا يعني بالضرورة تقديم تعليم أفضل، كما أن زيادة الطاقة الاستيعابية لا تضمن تلقائيًا تحسن نواتج التعلم، ما لم يصاحبها نظام فعال لضمان الجودة وتقييم الأداء والمساءلة.
وتزداد أهمية هذا السؤال عند النظر إلى الزيادة الكبيرة في أعداد الطلاب، إذ لم تعد وظيفة الجامعة مقتصرة على منح الشهادات، بل أصبحت مطالبة ببناء الشخصية العلمية، وتنمية التفكير النقدي، وإكساب الطلاب مهارات التحليل والابتكار والعمل الجماعي، وتأهيلهم للتعامل مع سوق عمل سريع التغير. ومن ثم، فإن نجاح التوسع ينبغي ألا يُقاس بعدد المقبولين فقط، بل بجودة الخريجين، ومعدلات التوظيف، وملاءمة البرامج الأكاديمية للاحتياجات الفعلية للمجتمع والاقتصاد، وقدرة الطلاب على مواصلة التعلم والتكيف مع التحولات التكنولوجية. كما أن تنوع الجامعات والبرامج التعليمية يطرح قضية العدالة في فرص الحصول على تعليم جيد؛ فالمطلوب ليس مجرد إتاحة مقعد جامعي، وإنما ضمان أن تكون لهذا المقعد قيمة تعليمية ومهنية حقيقية، وألا تتحول الفروق الاقتصادية بين الطلاب إلى فروق واسعة في فرص التعلم والتأهيل للمستقبل.
وفي مجال البحث العلمي، تشير البيانات المنشورة إلى ارتفاع عدد الأبحاث من 15,116 بحثًا عام 2013 إلى 47,269 بحثًا عام 2025، مع تحسن الحضور المصري في مؤشرات النشر الدولي. ويعكس هذا التطور اتساع النشاط البحثي وزيادة مشاركة الباحثين المصريين في الإنتاج العلمي العالمي، وهو أمر يستحق التقدير. لكن السؤال الأهم لا يتعلق بعدد الأبحاث المنشورة وحده، بل بقيمتها العلمية وتأثيرها وقدرتها على تقديم حلول لمشكلات التنمية. فالإنتاج البحثي القوي لا يُقاس بعدد المنشورات فقط، وإنما كذلك بجودة الدوريات، وتأثير الأبحاث، وأصالة النتائج، والتعاون العلمي، ومدى ارتباط الدراسات بأولويات المجتمع. والأكثر أهمية هو حجم المعرفة التي انتقلت من صفحات الدوريات إلى ميادين التطبيق، سواء في الصناعة أو الزراعة أو الصحة أو الطاقة أو إدارة الموارد أو تطوير السياسات العامة. فكم من بحث علمي تحول إلى منتج أو تقنية أو مشروع إنتاجي؟ وكم من دراسة أسهمت في حل مشكلة واقعية أو خفض تكلفة أو تحسين خدمة؟ إن التحدي الحقيقي يتمثل في الانتقال من زيادة النشر إلى تعظيم الأثر، ومن اعتبار البحث العلمي نشاطًا أكاديميًا مستقلًا إلى جعله أحد المحركات الأساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى الانتقال من استعراض الإنجازات إلى ترسيخ ثقافة الشفافية والتقييم المستقل والمساءلة. فالأرقام والمؤشرات تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تُنشر بصورة دورية، وتُوضح مصادرها وتعريفاتها وطرق احتسابها، ويُميز فيها بين النتائج المحققة والأهداف المستهدفة، وبين الزيادة الكمية والتحسن النوعي. كما أن التقييم الجاد ينبغي أن يشمل مؤشرات تفصيلية عن تكلفة الطالب، وكثافة الفصول، ونسب أعضاء هيئة التدريس إلى الطلاب، ومعدلات التخرج والتوظيف، ورضا الطلاب والخريجين، وتوزيع التمويل البحثي، وحجم التعاون مع الصناعة، والعائد الفعلي من الاتفاقيات الدولية. ومن المهم كذلك ألا يُنسب التحسن في مؤشر معين إلى سياسة بعينها لمجرد حدوثهما في الفترة نفسها، بل ينبغي أن يستند الحكم إلى بيانات كافية تسمح بتحديد العلاقة بين السياسات والنتائج. فالمساءلة لا تنتقص من قيمة الإنجازات، وإنما تساعد على حمايتها وتطويرها، وتمنح صانع القرار صورة أدق عن مواطن القوة والقصور.
إن المؤشرات التي يعرضها منتدى مصر 2026 تفتح المجال أمام قراءة مهمة لتطور التعليم العالي والبحث العلمي في مصر، وتكشف عن توسع مؤسسي ونشاط بحثي وحضور دولي متزايد، لكنها تضعنا أيضًا أمام مسؤولية الانتقال إلى مرحلة أكثر عمقًا في تقييم الأداء. فالتحدي المقبل ليس مجرد زيادة عدد الجامعات أو الطلاب أو الأبحاث، وإنما ضمان أن تتحول هذه الزيادة إلى جودة تعليمية مستدامة، ومعرفة ذات أثر، وخريجين قادرين على المنافسة، وابتكارات تسهم في الإنتاج والتنمية. وهذا يتطلب إعادة ترتيب الأولويات بحيث تصبح الجودة أساس التوسع، والأثر معيارًا لتقييم البحث العلمي، والعدالة عنصرًا حاكمًا في إتاحة الفرص، والتعاون الدولي وسيلة لبناء القدرات، والتصنيفات أداة للتطوير لا غاية في ذاتها.
في النهاية، لا تُقاس قوة منظومة التعليم العالي بعدد جامعاتها فقط، بل بما تصنعه من عقول، وما تنتجه من معرفة، وما تقدمه من حلول، وما تتيحه لأجيالها من فرص حقيقية. وبين طفرة الأرقام وتحديات الجودة، يبقى السؤال الأهم الذي ينبغي أن يوجه السياسات والقرارات: هل ننجح في بناء منظومة تعليم عالٍ أكبر حجمًا فحسب، أم ننجح في بناء منظومة أكثر جودة وتأثيرًا وقدرة على صناعة المستقبل؟
نقلا عن الحرية
نقلا عن الحرية





