هاني صبري - الخبير القانوني والمحامي بالنقض
أعادت موافقة مجلس النواب الليبي، في 20 أكتوبر 2026، على مذكرة التفاهم المبرمة بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية في 27 نوفمبر 2019 بشأن تحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر المتوسط، فتح ملف قانوني بالغ الأهمية يتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين الدولتين، ليمس قواعد استقرار الحدود البحرية، واحترام الحقوق السيادية للدول الساحلية، ومقتضيات الأمن القانوني في شرق البحر المتوسط.
ولا تكمن خطورة هذه المذكرة في مجرد اتفاق دولتين على تحديد نطاقات اختصاصهما البحري، فالأصل أن للدول حق إبرام الاتفاقات الدولية في حدود اختصاصها، وإنما تكمن المسألة الجوهرية في مدى مشروعية خط الترسيم الذي اعتمدته، ومدى اتساقه مع القواعد المنظمة لتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وما إذا كان من شأنه الانتقاص من الحقوق البحرية التي يقررها القانون الدولي لدول أخرى، وفي مقدمتها جمهورية مصر العربية والجمهورية اليونانية.
ومن ثم، فإن الموقف المصري الرافض لهذه المذكرة يستند إلى مسألة قانونية جوهرية، مؤداها أن حرية الدول في الاتفاق على ترسيم حدودها البحرية ليست سلطة مطلقة، بل تمارس في إطار قواعد القانون الدولي، وبما لا يجيز إنشاء حقوق بحرية على حساب دولة ثالثة دون سند قانوني أو موافقتها.
وتقتضي المعالجة القانونية الدقيقة التمييز بين صحة الاتفاق في العلاقة بين طرفيه، وبين مدى إمكان الاحتجاج به في مواجهة الدول الأخرى، فضلًا عن بحث أثر التصديق البرلماني الليبي الأخير في ضوء القواعد المنظمة للاختصاص بإبرام المعاهدات، ومبدأ احترام الحقوق البحرية الناشئة عن القانون الدولي.
أولًا: الإطار القانوني لمذكرة التفاهم التركية–الليبية وأثر التصديق البرلماني عليها
وُقعت مذكرة التفاهم التركية–الليبية في 27 نوفمبر 2019، وسُجلت لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة، ودخلت حيز النفاذ وفقًا للسجل التعاهدي للأمم المتحدة في 8 ديسمبر 2019. وقد حددت المادة الأولى منها نقاطًا إحداثية لخط الحدود المتفق عليه بين الطرفين، مع إرفاق خرائط وبيانات جغرافية لتحديده.
غير أن تسجيل الاتفاق لدى الأمم المتحدة لا يُعد شهادة بصحته الموضوعية، ولا يفيد إقرار المنظمة الدولية بمشروعيته أو بصحة كل ما ورد فيه؛ إذ إن تسجيل المعاهدات إجراء قانوني مستقل عن تقييم مدى توافقها مع قواعد القانون الدولي.
كما أن موافقة مجلس النواب الليبي في أكتوبر 2026 لا تحسم، بمجرد صدورها، جميع المسائل المتعلقة بصحة المذكرة أو مشروعيتها الدولية. فالتصديق الداخلي، مهما كانت الجهة التي تصدره، لا يستطيع أن يمنح اتفاقًا دوليًا أثرًا قانونيًا يتجاوز الحدود التي يقررها القانون الدولي، ولا أن يسقط حقوقًا بحرية مقررة لدولة أخرى.
ويظل التقييم القانوني متعلقًا بمسائل متعددة، منها الاختصاص الدستوري للجهة الليبية التي أبرمت الاتفاق ابتداءً، ومدى استيفاء إجراءات إقراره ونفاذه، ومدى توافق مضمونه مع قواعد القانون الدولي الواجبة التطبيق.
ولا يعني ذلك أن كل عيب في الإجراءات الداخلية يؤدي تلقائيًا إلى بطلان الاتفاق دوليًا؛ إذ تتطلب اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، في مادتها السادسة والأربعين، أن تكون مخالفة القواعد الداخلية المتعلقة بالاختصاص في إبرام المعاهدات ظاهرة، وأن تتعلق بقاعدة داخلية ذات أهمية أساسية، حتى يمكن التمسك بها سببًا لإبطال الرضا بالالتزام بالمعاهدة.
وعليه، فإن التصديق البرلماني الليبي لا ينهي النزاع القانوني، بل يقتضي إعادة فحص مشروعية الاتفاق من حيث الاختصاص والإجراءات والمضمون، دون المساس بحقوق الدول الثالثة.
ثانيًا: اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 بوصفها الإطار المرجعي لترسيم الحدود البحرية
تمثل اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 المرجع الدولي الأساسي لتنظيم المناطق البحرية وحقوق الدول الساحلية والتزاماتها. وليبيا طرف في الاتفاقية، في حين أن تركيا ليست طرفًا فيها، وهو فارق قانوني يتعين مراعاته عند تحديد القواعد التعاهدية الملزمة لكل منهما، دون أن يعني ذلك إعفاء أي دولة من قواعد القانون الدولي العرفي الواجبة التطبيق عليها.
وتكتسب أحكام الاتفاقية أهمية خاصة في هذه القضية، وبالأخص المواد 55 إلى 58 بشأن النظام القانوني للمنطقة الاقتصادية الخالصة، والمواد 74 و76 و77 و83 بشأن ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري.
فالمادة 74، الفقرة الأولى، تنص على أن ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة بين الدول ذات السواحل المتقابلة أو المتجاورة يتم بالاتفاق على أساس القانون الدولي، كما تشير إليه المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، بغية التوصل إلى حل منصف.
وبالمثل، تقضي المادة 83، الفقرة الأولى، بأن ترسيم الجرف القاري بين الدول ذات السواحل المتقابلة أو المتجاورة يتم بالاتفاق على أساس القانون الدولي، بغية التوصل إلى حل منصف.
ويكشف النصان عن قاعدتين متكاملتين:
الأولى، أن الاتفاق هو وسيلة الترسيم، لكنه ليس غاية مستقلة عن القانون الدولي؛ فلا يكفي وجود اتفاق بين دولتين لإضفاء المشروعية على كل خط بحري تتفقان عليه.
والثانية، أن الحل المنصف يمثل الغاية القانونية التي يتعين أن يستهدفها الترسيم، مع مراعاة الظروف الجغرافية والقانونية ذات الصلة، وعدم تحويل التفاوض الثنائي إلى وسيلة لإهدار حقوق دول أخرى.
ومن ثم، فإن مدى توافق الخط الذي رسمته المذكرة التركية–الليبية مع قواعد الإنصاف لا يُحسم بمجرد إرادة الطرفين، بل يستلزم تقييمًا موضوعيًا للجغرافيا البحرية ذات الصلة، وللسواحل والجزر التي قد تتأثر بإسقاطاتها البحرية.
ثالثًا: الجزر اليونانية وأثرها في تحديد المناطق البحرية
تُعد مسألة الجزر اليونانية، ولا سيما جزيرة كريت، من أهم المسائل القانونية التي تثيرها المذكرة التركية–الليبية. ذلك أن خط الترسيم المتفق عليه يثير تساؤلًا جديًا حول مدى مراعاته للأثر القانوني للسواحل والجزر الواقعة بين الساحل التركي والساحل الليبي.
وقد نظمت المادة 121 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الوضع القانوني للجزر. وتنص فقرتها الثانية على أن الجزيرة، باستثناء الصخور التي لا تستطيع إعالة سكن بشري أو حياة اقتصادية خاصة بها وفقًا لشروط الفقرة الثالثة، يكون لها بحر إقليمي ومنطقة متاخمة ومنطقة اقتصادية خالصة وجرف قاري، وفقًا لأحكام الاتفاقية المطبقة على اليابسة.
أما الفقرة الثالثة من المادة ذاتها، فتحرم الصخور التي لا تستطيع إعالة سكن بشري أو حياة اقتصادية خاصة بها من المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري.
ومؤدى ذلك أن الأصل القانوني هو الاعتراف للجزر المستوفية للشروط القانونية بالاستحقاقات البحرية المقررة للجزيرة، وليس استبعادها لمجرد كونها جزرًا أو لمجرد قربها من ساحل دولة أخرى.
وتكتسب جزيرة كريت أهمية خاصة بالنظر إلى موقعها الجغرافي وطبيعتها كجزيرة كبيرة مأهولة، وما يترتب على ذلك من استحقاقات بحرية يجب إدخالها في الاعتبار عند ترسيم المناطق البحرية المتداخلة.
ومع ذلك، فإن الدقة القانونية تقتضي التمييز بين استحقاق الجزيرة في إنشاء مناطق بحرية، وبين الوزن الذي يمنح لها عند ترسيم الحدود النهائية. فالقضاء الدولي لا يقرر أن كل جزيرة يجب أن تحصل، في جميع الظروف، على أثر كامل ومتماثل عند رسم خط الترسيم؛ بل قد يعدل أثر بعض الجزر في مرحلة الترسيم تحقيقًا للإنصاف، بالنظر إلى طول السواحل واتجاهاتها والظروف الجغرافية ذات الصلة.
لكن هذا التعديل لا يساوي إنكار الاستحقاق البحري للجزيرة أو تجاهل وجودها جغرافيًا وقانونيًا. كما لا يجوز اتخاذ الاعتبارات المتعلقة بالإنصاف ذريعة لإفراغ الاستحقاقات البحرية للجزر من مضمونها دون تسبيب قانوني قائم على ظروف القضية.
وبناءً عليه، فإن الاعتراض القانوني على المذكرة التركية–الليبية لا يقوم على مجرد القول إن الجزر اليونانية يجب أن تحصل بالضرورة على أثر كامل في كل نقطة من نقاط الترسيم، وإنما على أن تجاهل إسقاطاتها البحرية أو استبعادها على نحو لا يستند إلى تقييم قانوني وجغرافي سليم قد يؤدي إلى خط ترسيم غير منصف، ومخالف للقواعد ذات الصلة.
رابعًا: مبدأ عدم الإضرار بحقوق الدول الثالثة وعدم جواز فرض الحدود البحرية عليها باتفاق ثنائي
يمثل مبدأ عدم الإضرار بحقوق الدول الثالثة أحد أهم المرتكزات القانونية في تقييم المذكرة التركية–الليبية.
وتنص المادة 34 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 على القاعدة العامة الآتية:
«لا تنشئ المعاهدة التزامات أو حقوقًا لدولة ثالثة دون رضاها».
ويترتب على هذا المبدأ أن اتفاق تركيا وليبيا لا يمكنه، بمجرد إبرامه أو التصديق عليه داخليًا، أن ينشئ التزامًا على مصر أو اليونان، أو أن يفرض عليهما خطًا بحريًا لا توافقان عليه، أو أن يسقط استحقاقاتهما البحرية التي يقررها القانون الدولي.
ولا يعني ذلك أن كل اتفاق ثنائي يتقاطع جغرافيًا مع مطالبات دولة ثالثة يصبح باطلًا تلقائيًا بين طرفيه؛ فقد يظل الاتفاق قائمًا في العلاقة الثنائية، بينما لا يجوز الاحتجاج به في مواجهة الدولة الثالثة بالقدر الذي يمس حقوقها المشروعة.
ومن هنا، فإن التكييف القانوني الأكثر إحكامًا للموقف المصري يتمثل في رفض أي أثر للمذكرة في مواجهة مصر، وعدم الاعتداد بأي ترسيم ينتقص من الحقوق البحرية المصرية المقررة قانونًا، مع الاحتفاظ بحق الاعتراض على صحة المذكرة ومشروعيتها بالقدر الذي تكشف عنه الأدلة والقواعد الدولية ذات الصلة.
كما أن المادة 300 من اتفاقية قانون البحار تلزم الدول الأطراف بممارسة الحقوق والوفاء بالالتزامات المقررة بموجب الاتفاقية بحسن نية، وبطريقة لا تشكل إساءة استعمال للحق.
وبالتالي، فإن التمسك بالاتفاقات الثنائية لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للالتفاف على الحقوق القانونية للدول الأخرى أو فرض أمر واقع بحري لا يستند إلى أساس مشروع.
خامسًا: الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة: حماية الموارد الطبيعية والحقوق السيادية المصرية
لا تقتصر أهمية النزاع على خطوط مرسومة فوق سطح البحر، بل تمتد إلى الحقوق المرتبطة باستكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها في قاع البحر وباطن أرضه، بما في ذلك مكامن النفط والغاز.
وتقرر المادة 56 من اتفاقية قانون البحار للدولة الساحلية حقوقًا سيادية في منطقتها الاقتصادية الخالصة، لأغراض استكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها وحفظها وإدارتها، سواء كانت موارد حية أو غير حية، فضلًا عن الاختصاصات التي تقررها الاتفاقية في المجالات الأخرى.
أما المادة 77، فتقرر للدولة الساحلية حقوقًا سيادية على الجرف القاري لأغراض استكشافه واستغلال موارده الطبيعية، وتوضح أن هذه الحقوق لا تتوقف على الاحتلال الفعلي أو الرمزي، ولا على إعلان صريح.
وتؤكد المادة 77، في فقرتها الرابعة، أن الموارد الطبيعية للجرف القاري تشمل الموارد المعدنية وغيرها من الموارد غير الحية لقاع البحر وباطن أرضه، فضلًا عن الكائنات الحية التي تنتمي إلى الأنواع المستقرة في قاع البحر أو تحته وفقًا لتعريف الاتفاقية.
وعلى هذا الأساس، فإن أي ترسيم بحري يمس المناطق التي قد تمتد إليها حقوق مصر السيادية يستوجب فحصًا دقيقًا للإحداثيات والحدود القانونية ومدى التداخل بين الاستحقاقات البحرية ذات الصلة.
ومن المهم، في هذا المقام، عدم الخلط بين وجود احتياطيات محتملة من النفط والغاز وبين ثبوت حق قانوني حصري في منطقة بعينها؛ فالحقوق السيادية في الموارد ترتبط بالموقع الجغرافي للمورد وبالحدود البحرية المقررة وفقًا للقانون الدولي.
فالأثر القانوني والاقتصادي يتوقف على طبيعة التداخل، ومواقع المكامن، والتراخيص الممنوحة، ومدى مشروعية الأنشطة التي قد تجريها الدول أو الشركات في المناطق المتنازع عليها.
ومع ذلك، فإن المخاطر الاقتصادية تظل جدية؛ لأن اعتماد خط ترسيم متنازع عليه قد يؤدي إلى نزاعات بشأن التراخيص البحرية، ويزيد مخاطر الاستثمار، ويعقّد عمليات التنقيب عن الغاز، ويؤثر في استقرار المشروعات الإقليمية للطاقة.
ومن ثم، فإن الدفاع عن الحقوق المصرية في الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة لا ينفصل عن حماية المصالح الاقتصادية الوطنية، بل يستند في جوهره إلى قواعد قانونية تحدد نطاق الحقوق السيادية لكل دولة.
سادسًا: الاتفاق المصري–اليوناني لعام 2020 وأثره في الموقف القانوني المصري
وقعت مصر واليونان في 6 أغسطس 2020 اتفاقًا بشأن تعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة بين البلدين، ودخل الاتفاق حيز النفاذ في 2 سبتمبر 2020، وسُجل لدى الأمم المتحدة.
ويمثل هذا الاتفاق سندًا قانونيًا مهمًا في تنظيم العلاقة البحرية بين الدولتين ضمن نطاقه الجغرافي، ويعكس سعيهما إلى تسوية المسائل المتعلقة بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة عن طريق اتفاق متبادل.
غير أن وجود الاتفاق المصري–اليوناني لا يعني، بذاته، أنه يحسم جميع المسائل المتعلقة بترسيم الحدود البحرية مع تركيا أو ليبيا؛ إذ تتحدد آثاره في نطاقه الموضوعي والجغرافي، ولا يجوز افتراض أنه ينشئ حدودًا ملزمة لدول غير أطراف فيه.
وتكمن أهميته في أنه يحدد إطارًا تعاهديًا قائمًا بين مصر واليونان يتعين أخذه في الاعتبار عند تقييم أي ادعاءات بحرية متعارضة، مع مراعاة قواعد القانون الدولي بشأن حقوق الدول الثالثة وعدم جواز المساس بها دون رضاها.
كما أن وجود اتفاق مصري–يوناني نافذ لا يمنع، من الناحية القانونية المجردة، من بحث مطالبات بحرية أخرى؛ لكنه لا يجيز لدولة ثالثة أن تتعامل مع حقوق مصر المقررة بموجب القانون الدولي وكأنها غير موجودة.
وعليه، فإن الموقف المصري يستند إلى ضرورة احترام الاتفاق القائم بين مصر واليونان، وعدم السماح بأن تؤدي مذكرة ثنائية أخرى إلى الانتقاص من الحقوق البحرية المصرية أو إفراغ الاتفاقات النافذة من مضمونها القانوني.
سابعًا: حرية الملاحة والأمن البحري في شرق المتوسط
يثير النزاع أيضًا تساؤلات تتعلق بالاستقرار البحري وأمن الملاحة في شرق البحر المتوسط، إلا أن هذه المسألة تتطلب تمييزًا قانونيًا بين المنطقة الاقتصادية الخالصة والبحر الإقليمي.
فالبحر الإقليمي يخضع لسيادة الدولة الساحلية وفقًا لأحكام اتفاقية قانون البحار، مع مراعاة الحقوق التي تقررها الاتفاقية، ومنها حق المرور البريء حيث ينطبق.
أما المنطقة الاقتصادية الخالصة، فلا تتمتع فيها الدولة الساحلية بسيادة كاملة على المياه كما هو الحال في البحر الإقليمي، بل تمارس حقوقًا سيادية واختصاصات محددة بموجب الاتفاقية. وتقرر المادة 58 حرية الملاحة والتحليق ومد الكابلات وخطوط الأنابيب البحرية، وفقًا للشروط الواردة فيها، مع مراعاة حقوق الدولة الساحلية وواجبات الدول الأخرى.
وبالتالي، لا يصح القول إن مجرد تغيير خط المنطقة الاقتصادية الخالصة يؤدي تلقائيًا إلى فقدان حرية الملاحة التجارية أو تحويل المياه إلى نطاق مغلق أمام السفن الأجنبية. غير أن النزاع على الاختصاص البحري قد يفضي إلى توترات في تطبيق القوانين، أو في إصدار التراخيص، أو في تنظيم بعض الأنشطة البحرية، إذا لم تتم معالجة المسألة وفقًا للقانون الدولي.
كما أن الآثار الأمنية المحتملة لا ينبغي اختزالها في مجرد رسم الحدود على الخريطة؛ فوجود ترتيبات بحرية متنازع عليها قد يؤثر في حسابات الدول الساحلية، وفي أنشطة الاستكشاف والطاقة، وفي مستويات الثقة والتعاون الإقليمي.
ومن ثم، فإن الحفاظ على الاستقرار في شرق المتوسط يتطلب احترام الحقوق البحرية المشروعة، والامتناع عن الإجراءات الأحادية التي قد تزيد من حدة النزاع، واللجوء إلى الوسائل الدبلوماسية والقانونية المتاحة لتسوية الخلافات.
ثامنًا: التكييف القانوني للمذكرة: بين البطلان وعدم النفاذ وعدم جواز الاحتجاج بها
تقتضي الدقة القانونية عدم إطلاق وصف «البطلان المطلق» على المذكرة باعتباره نتيجة محسومة لمجرد الاعتراض المصري أو اليوناني؛ فالبطلان الدولي للمعاهدات يخضع لقواعد محددة، منها الأحكام الواردة في اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، بقدر انطباقها على الحالة محل البحث.
وتنظم المواد 46 إلى 53 من الاتفاقية أسبابًا مختلفة للطعن في صحة المعاهدات، بما في ذلك بعض حالات مخالفة القواعد الداخلية المتعلقة بالاختصاص، والخطأ، والغش، وإفساد ممثل الدولة، وإكراه ممثل الدولة أو الدولة، وتعارض المعاهدة مع قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام.
وتنص المادة 53 على بطلان المعاهدة إذا كانت، وقت إبرامها، تتعارض مع قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام، وهي قاعدة لا يجوز الاتفاق على مخالفتها ولا يمكن تعديلها إلا بقاعدة لاحقة من القواعد ذات الطبيعة ذاتها.
لكن لا يكفي إثبات أن اتفاقًا بحريًا يضر بمصالح دولة أخرى أو يتعارض مع تفسيرها للقانون الدولي للقول، دون مزيد من التحليل، إنه يخالف قاعدة آمرة بالمعنى المقصود في المادة 53.
لذلك، ينبغي أن يرتكز الطعن القانوني في المذكرة على تحليل محدد للعيوب المدعى بها: مدى احترام الاستحقاقات البحرية للجزر، ومدى تحقيق الحل المنصف، ومدى مراعاة السواحل ذات الصلة، ومدى إمكان الاحتجاج بالخط المتفق عليه في مواجهة الدول الثالثة، فضلًا عن بحث سلامة الإجراءات الداخلية التي أفضت إلى إبرام المذكرة والتصديق عليها.
ومن ثم، يمكن صياغة الموقف المصري على النحو الآتي: إن مصر ترفض المذكرة وتنازع في مشروعيتها وآثارها القانونية بالقدر الذي تمس فيه حقوقها البحرية المقررة بموجب القانون الدولي، ولا تعترف لها بأي أثر في مواجهتها من شأنه الانتقاص من تلك الحقوق. أما تقرير البطلان الدولي الشامل، فيظل مرتبطًا بتوافر أسبابه القانونية وإثباتها وفقًا للقواعد واجبة التطبيق.
وهذا التمييز لا يضعف الموقف المصري، بل يحصنه من الاعتراضات الشكلية، ويجعل حجته قائمة على أساس قانوني أكثر دقة واستدامة.
تاسعًا: المسارات القانونية المتاحة لحماية الحقوق المصرية
في ضوء ما تقدم، يمكن بلورة استراتيجية قانونية متكاملة لحماية المصالح المصرية في شرق المتوسط من خلال عدد من المسارات المتوازية.
أولها، مواصلة الاحتجاج الدبلوماسي الصريح على أي إجراء أو نشاط يستند إلى المذكرة وينتقص من الحقوق البحرية المصرية، مع تحديد الإحداثيات والمناطق محل الاعتراض كلما أمكن ذلك.
وثانيها، توثيق الأساس الجغرافي والقانوني للمطالبات البحرية المصرية، وإعداد الدراسات الفنية والخرائط المقارنة التي تبين مواضع التداخل المحتمل بين الخطوط المتنازع عليها والحقوق البحرية المصرية، مع الاستعانة بالخبرة المتخصصة في الجيوديسيا والهيدروغرافيا وقانون البحار.
وثالثها، التمسك بأحكام المادتين 74 و83 من اتفاقية قانون البحار في شأن الحل المنصف، وبمبدأ حسن النية في تنفيذ الالتزامات الدولية، وبقاعدة عدم إنشاء الالتزامات على الدول الثالثة دون رضاها.
ورابعها، دعم التنسيق القانوني والدبلوماسي مع الدول التي تتأثر حقوقها البحرية بالترسيم محل النزاع، دون الخلط بين المصالح المشتركة لكل دولة وبين النطاق القانوني المستقل لحقوقها.
وخامسها، دراسة الوسائل السلمية لتسوية النزاعات التي يقررها القانون الدولي، بما في ذلك التفاوض والمساعي الحميدة والوساطة والتوفيق، وأي آلية قضائية أو تحكيمية يتوافر لها الاختصاص على أساس قانوني صحيح.
وأخيرًا، المحافظة على موقف قانوني متسق وواضح، بما يتضمن الاعتراض على الإجراءات التي تمس الحقوق المصرية، وتجنب أي سلوك يمكن تفسيره على أنه قبول ضمني بترسيم ينتقص من تلك الحقوق.
ونرى، إن النزاع حول مذكرة التفاهم التركية–الليبية لا يتعلق بمجرد خلاف سياسي على النفوذ في البحر المتوسط، بل يثير مسائل أساسية في قانون البحار، تتصل بحدود حرية الدول في ترسيم مناطقها البحرية، وبالاستحقاقات القانونية للجزر، وبمبدأ الحل المنصف، وبحظر فرض الالتزامات أو الانتقاص من الحقوق البحرية للدول الثالثة دون رضاها.
وتتمثل قوة الموقف المصري في أن القانون الدولي لا يمنح أي دولة سلطة إعادة تشكيل الجغرافيا البحرية بمجرد الاتفاق مع دولة أخرى، ولا يجيز للتصديق الداخلي أن يحل محل المتطلبات الموضوعية للقانون الدولي أو أن ينشئ أثرًا ملزمًا في مواجهة دولة غير طرف في الاتفاق.
ومن ثم، فإن الاعتراض المصري قائمًا على حماية الحقوق السيادية والمصالح البحرية المقررة قانونًا، وعلى رفض أي آثار للمذكرة تمس تلك الحقوق، مع استخدام الوسائل الدبلوماسية والقانونية السلمية التي تكفل صونها.
فالحدود البحرية لا تُرسم بإرادة منفردة، ولا تكتسب مشروعيتها بمجرد التصديق عليها، وإنما تستمد قوتها القانونية من توافقها مع قواعد القانون الدولي، ومن احترامها لاستحقاقات الدول الساحلية وحقوقها المشروعة.
وفي تقديري إن التصديق لا يصنع مشروعية.. وتظل مذكرة السراج وأردوغان غير قابلة للاحتجاج في مواجهة مصر
وفي هذا الإطار، فإن حماية الحقوق البحرية المصرية ليست مجرد موقف سياسي عابر، بل هي ممارسة لحق قانوني أصيل، يستند إلى قواعد دولية تستهدف تحقيق الإنصاف، ومنع الإضرار بحقوق الغير، والحفاظ على استقرار العلاقات الدولية في أحد أهم الأقاليم الاستراتيجية في العالم.





