محرر الأقباط متحدون
كرّم الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا الأخت أركانجيلا أورسيتي، من راهبات القديس يوسف الظهور، بمنحها وسام نجمة إيطاليا برتبة فارس، تقديرًا لمسيرتها الإنسانية التي امتدت لأكثر من 56 عامًا في خدمة المرضى والفقراء بمدينة حلب السورية، ورفضها مغادرة المدينة خلال سنوات الحرب.
وجرى تقليد الراهبة الوسام خلال احتفال أُقيم الأحد الماضي في مستشفى سان لويس بمدينة حلب، حيث تواصل رسالتها الإنسانية منذ أكثر من نصف قرن، إذ سلّمها الوسام السفير الإيطالي لدى سورية ستيفانو رافانيان، بالتزامن مع احتفال الكنيسة الكاثوليكية باليوم العالمي للرسالات.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «أفينيري» الإيطالية، الأربعاء 21 أكتوبر 2026، اختارت الأخت أركانجيلا البقاء في سورية رغم سنوات الحرب والدعوات التي وُجّهت إليها لمغادرتها حفاظًا على سلامتها، مفضّلة مواصلة خدمة المرضى والفقراء والعائلات التي عانت ويلات النزاع، ولا سيما من لم يكن لديهم مكان آخر يلجؤون إليه.
وقالت الراهبة إن بقاءها مع أخواتها في المستشفى شكّل شهادة محبة وتضامن لدى سكان المدينة، مشيرة إلى أن مسلمين ومسيحيين كانوا يعبرون عن امتنانهم لوجودهن بينهم، باعتباره مصدرًا للقوة والرجاء والتعزية وسط المعاناة.
وأضافت أن رسالتهن جاءت تطبيقًا لكلمات السيد المسيح عن المحبة التي تبلغ ذروتها في بذل الحياة من أجل الآخرين، مؤكدة ارتباطهن العميق بالشعب السوري الذي أُرسلن لخدمته.
ومن أكثر المواقف تأثيرًا في مسيرة الأخت أركانجيلا، أنها اعتادت خلال الحرب الصعود كل صباح إلى سطح المستشفى لجمع فوارغ الرصاص التي سقطت خلال الليل، وكانت تشكر الله لأنها لم تتسبب في إصابة أحد.
ومع مرور الوقت، خطرت لها فكرة تحويل هذه البقايا المرتبطة بالموت والدمار إلى رموز للحياة والسلام، فبدأت بصناعة المسابح، ثم الصلبان والشمعدانات وأعمال أخرى، وكانت ترافق عملها بالصلاة من أجل ارتداد القلوب وانتصار المحبة على الكراهية.
وأكدت الراهبة أن محبة الله كانت أقوى من العنف، وأن هذه المصنوعات تحولت إلى شهادة ملموسة على الرجاء في مواجهة الدمار، ورسالة تؤكد قدرة الإنسان على تحويل الألم إلى معنى إنساني وروحي.
وجاء في حيثيات منحها الوسام تقدير تفانيها الطويل في رعاية المرضى بمحبة وحنان ورحمة، خاصة خلال سنوات الحرب. ومن جانبها، نسبت الأخت أركانجيلا الفضل إلى الله، الذي منحها الصحة والقوة لمواصلة خدمتها، معبّرة عن محبتها للشعب السوري الذي عاشت بين أبنائه معظم سنوات حياتها.
ورغم مرور سنوات على أشد مراحل الحرب، لا تزال سورية تواجه تحديات إنسانية كبيرة، تشمل الفقر وانعدام الأمن الغذائي وصعوبة الحصول على الرعاية الصحية والأدوية. وأشار تقرير «أفينيري» إلى تقديرات تفيد بأن نحو 90% من السكان يكافحون لتأمين احتياجاتهم الأساسية، وأن أكثر من 12 مليون سوري يعانون انعدام الأمن الغذائي، فيما يواجه نحو 600 ألف طفل سوء تغذية حادًا.
وأقرت الأخت أركانجيلا بأن استمرار عدم الاستقرار يجعل المستقبل غير واضح، وأن إعادة بناء الثقة ومدّ الجسور بين الناس يحتاجان إلى وقت طويل، لكنها شددت على أن حضور الله ظل مصدر قوة ورجاء حتى في أحلك أيام الحرب.
وتواصل الراهبة رسالتها في حلب، لتقدم من خلال رعاية المرضى والفقراء وصناعة رموز السلام من فوارغ الرصاص شهادة إنسانية وإيمانية تؤكد أن المحبة قادرة على تجاوز الانقسامات، وأن الرجاء يمكن أن ينمو حتى وسط الدمار.




