بقلم: هاني صبري – الخبير القانوني والمحامي بالنقض
إن واقعة إحراق كنيسة السيدة العذراء بمنطقة برك الخيام التابعة لمطرانية الجيزة، وفقًا للوقائع المنشورة، تمثل اعتداءً جنائيًا بالغ الخطورة على دار مخصصة لإقامة الشعائر الدينية، وعلى حرمة المكان وممتلكاته، وعلى حق المواطنين في ممارسة شعائرهم الدينية في أمن وطمأنينة.
وتتمثل الوقائع المنشورة في تسلل المتهم إلى الكنيسة في نحو الساعة السادسة صباحًا، حاملاً زجاجة بنزين مخبأة داخل حقيبة، ثم كسر باب الكنيسة الصغيرة الكائنة بالدور الأرضي داخل الكنيسة الكبرى، وإشعال النيران في الستائر والسجاد، بما أدى إلى احتراق محتويات الكنيسة الصغيرة وتدمير المنجليات، قبل أن تتمكن قوات الحماية المدنية من السيطرة على الحريق، مع ضبط المتهم في موقع الحادث.
إن تتابع هذه الأفعال، وترابطها الزمني والمادي، يكشف عن صورة جنائية متكاملة لإشعال النار عمدًا في دار عبادة وإتلاف محتوياتها. فإحضار مادة قابلة للاشتعال، والدخول إلى المكان، وكسر بابه، ثم إشعال النار في المفروشات ومحتويات الكنيسة، ليست مجرد وقائع منفصلة، بل تشكل في مجموعها قرائن قوية ومترابطة على تعمد ارتكاب الفعل الإجرامي.
ولا تتوقف جسامة الجريمة على وقوع وفيات أو إصابات، ولا على امتداد الحريق إلى كامل المبنى؛ إذ إن الاعتداء على الممتلكات وإشعال النار عمدًا يتحققان وفقًا للشروط التي حددها المشرع، ولا يمحو أثرهما نجاح الحماية المدنية في احتواء النيران والحد من خسائرها.
ومن ثم، فإن الواقعة تستوجب إعمال نصوص قانون العقوبات المصري ذات الصلة، وفي مقدمتها المادة 252 متى توافرت شروطها القانونية، إلى جانب المادة 160 بشأن الاعتداء على المباني المعدة لإقامة الشعائر الدينية، مع سرعة استكمال الإجراءات وإحالة المتهم إلى المحاكمة الجنائية المختصة.
أولاً: انطباق أحكام المادة 252 من قانون العقوبات على جريمة الحريق العمد
تنص المادة 252 من قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937 على معاقبة كل من وضع عمدًا نارًا في المباني الكائنة بالمدن أو الضواحي أو القرى، أو في الأماكن المسكونة أو المعدة للسكنى وغيرها من الأماكن المحددة بالنص، بالسجن المؤبد أو المشدد.
ويستهدف المشرع من هذا النص حماية الأماكن التي يترتب على إشعال النار فيها خطر جسيم على الأشخاص والممتلكات، بالنظر إلى طبيعتها وموقعها وإمكانية امتداد النيران منها.
وفي الواقعة محل البحث، فإن إشعال النار داخل كنيسة قائمة في منطقة مأهولة، وما صاحب ذلك من إتلاف محتوياتها، يكشف عن اعتداء عمدي خطير يستوجب تطبيق النص العقابي الذي تتوافر شروطه القانونية. وتُعد طبيعة المبنى وموقعه ووظيفته من العناصر التي ينبغي أن يتناولها التكييف القضائي في ضوء المعاينة والأوراق.
وقد أكدت محكمة النقض المصرية، في الطعن رقم 679 لسنة 94 قضائية، جلسة 26 يناير 2025، أن جريمة وضع النار عمدًا المنصوص عليها في المادة 252 تتكامل أركانها بإشعال النار عمدًا في محل مسكون، وأن قيامها لا يتوقف على النتيجة التي انتهى إليها الحريق أو الباعث الذي دفع الجاني إلى ارتكابه، كما لا تتوقف على ملكية الجاني للمكان.
وهذا المبدأ القضائي يقرر بوضوح أن العبرة في جريمة الحريق العمد هي تحقق الفعل المادي واتجاه الإرادة إلى ارتكابه في محل تتوافر فيه شروط النص، وليس نجاح الجاني في إحراق المكان بالكامل أو تحقيق غرض آخر من وراء فعله.
وبتطبيق ذلك على الواقعة المنشورة، فإن إحضار البنزين، وكسر باب الكنيسة الصغيرة، وإشعال النار في الستائر والسجاد، واحتراق المحتويات بالفعل، تشكل عناصر مترابطة تدعم إسناد جريمة الحريق العمد إلى المتهم، وتوجب على النيابة العامة إعمال النص العقابي المنطبق على طبيعة المكان والوقائع الثابتة.
ثانباً: توافر الركن المادي لجريمة الحريق العمد
يقوم الركن المادي للجريمة على السلوك الإجرامي الذي يتمثل في وضع النار عمدًا في المكان الذي يحميه القانون، وفقًا للشروط التي يحددها النص العقابي.
وتتجلى عناصر هذا الركن في الواقعة محل البحث على النحو الآتي:
1- إعداد وسيلة إشعال النار
حيازة المتهم زجاجة بنزين مخبأة داخل حقيبة عند دخوله الكنيسة تمثل واقعة مادية ذات دلالة جنائية واضحة في سياق الحادث، بالنظر إلى استخدام مادة قابلة للاشتعال في مكان وقع فيه الحريق بالفعل.
2- الدخول إلى الكنيسة وكسر بابها الداخلي
إن كسر باب الكنيسة الصغيرة يمثل فعلًا ماديًا مستقلًا عن مجرد الدخول، ويكشف عن اقتحام موضع داخل دار العبادة وإلحاق تلفيات به. كما يشكل عنصرًا مهمًا في تسلسل الوقائع المؤدي إلى الحريق، ويؤسس لبحث المسؤولية الجنائية عن الإتلاف المرتبط به.
3- إضرام النيران في الستائر والسجاد
يمثل إشعال النار في الستائر والسجاد الفعل التنفيذي المباشر لجريمة الحريق العمد. وتزداد دلالته الجنائية في ضوء الوقائع السابقة عليه، وفي مقدمتها إحضار البنزين والدخول إلى الكنيسة وكسر الباب.
4- تحقق الاحتراق والإتلاف فعليًا
لم تقف الواقعة عند حد حيازة مادة قابلة للاشتعال أو مجرد التهديد بإشعال النار، بل أسفرت، وفقًا للمعلومات المنشورة، عن احتراق محتويات الكنيسة الصغيرة وتدمير المنجليات.
وبذلك تكشف الوقائع عن فعل مادي مكتمل من حيث وقوع الحريق والإضرار بالمحتويات، وليس مجرد أعمال تحضيرية لم ينتج عنها حريق.
ومن ثم، فإن مجموع هذه الأفعال ينهض أساسًا جديًا لإسناد جريمة الحريق العمد إلى المتهم، مع إثبات التفاصيل الفنية في ملف الدعوى بمعرفة جهات التحقيق المختصة.
ثالثاً: توافر الركن المعنوي — القصد الجنائي في جريمة الحريق العمد
يتحقق القصد الجنائي في جريمة الحريق العمد متى اتجهت إرادة الفاعل إلى وضع النار عمدًا في المكان الذي يحميه النص العقابي، مع علمه بطبيعة فعله.
وقد أرست محكمة النقض المصرية هذا المبدأ في الطعن رقم 10887 لسنة 72 قضائية، جلسة 21 يناير 2003، إذ قررت أن جريمة وضع النار عمدًا المنصوص عليها في المادة 252 تتكامل أركانها بإشعال النار عمدًا في محل مسكون، وأن قيامها لا يتوقف على النتيجة أو الباعث، سواء كان المقصود إحراق المكان أو استخدام النار لتحقيق غرض آخر.
وتتجلى دلالة هذا المبدأ على الواقعة محل البحث في اجتماع الأفعال التالية:
١- إحضار البنزين إلى الكنيسة داخل حقيبة.
٢- كسر باب الكنيسة الصغيرة.
٣- إشعال النار في الستائر والسجاد.
٤- تحقق الاحتراق وإتلاف محتويات الكنيسة.
٥- ضبط المتهم في موقع الحادث وفقًا للوقائع المنشورة.
إن هذا التسلسل المادي المتصل يدعم استخلاص تعمد إشعال النار، ويجعل الواقعة جديرة بالإسناد الجنائي الجاد، بعيدًا عن اختزالها في مجرد حادث عرضي أو حريق مجهول السبب.
كما أن الباعث الذي دفع المتهم إلى ارتكاب الفعل لا يُعد، في الأصل، ركنًا لازمًا لقيام جريمة الحريق العمد المنصوص عليها في المادة 252. ومن ثم، فإن عدم معرفة الدافع حتى الآن لا يحول دون قيام المسؤولية عن الحريق متى ثبتت عناصره القانونية.
أما ثبوت أن الفعل ارتُكب بدافع ديني أو بقصد استهداف طائفة بعينها، فله دلالته القانونية الخاصة، ويُبحث وفق الأدلة المتعلقة به، دون أن يكون إثبات هذا الدافع شرطًا لقيام جريمة الحريق العمد ذاتها.
رابعاً: الاعتداء على حرمة الكنيسة والمساس بحرمة الأشياء المخصصة للشعائر الدينية
لا تنحصر الواقعة في الحريق وحده؛ فالمعلومات المنشورة تشير كذلك إلى كسر باب الكنيسة الصغيرة وإتلاف محتوياتها وتدمير المنجليات، وهي أفعال تمس حرمة مبنى مخصص لإقامة الشعائر الدينية وأشياء مرتبطة باستخدامه الديني.
وتنص المادة 160، البند الثاني، من قانون العقوبات المصري على معاقبة كل من خرب أو كسر أو أتلف أو دنس مباني معدة لإقامة شعائر دين، أو رموزًا أو أشياء أخرى لها حرمة عند أبناء ملة أو فريق من الناس.
ويستهدف هذا النص حماية دور العبادة والأشياء التي تتمتع بحرمة دينية، باعتبار أن الاعتداء عليها يتجاوز الضرر المادي إلى المساس بحرمة ممارسة الشعائر الدينية.
وبتطبيق النص على الوقائع المنشورة، فإن كسر باب الكنيسة الصغيرة وإتلاف محتوياتها وتدمير المنجليات تمثل أفعالًا يتعين إسنادها قانونًا إلى المتهم في ضوء ما تثبته التحقيقات، إلى جانب جريمة الحريق العمد.
ولا يغير من ذلك عدم وقوع وفيات؛ لأن الحماية الجنائية المقررة للمباني المعدة للشعائر الدينية لا تتوقف على حدوث وفاة أو إصابة، بل تتعلق بذاتها بالأفعال التي حددها المشرع من تخريب أو كسر أو إتلاف أو تدنيس.
وعليه، فإن تطبيق المادة 160 إلى جانب نصوص الحريق العمد يحقق المواجهة القانونية الملائمة لمختلف صور الاعتداء التي تنطوي عليها الواقعة، مع مراعاة قواعد الارتباط وتعدد الجرائم عند تحديد العقوبة.
خامساً: عدم وقوع خسائر في الأرواح لا ينفي الجريمة ولا يقلل من خطورتها
إن نجاح قوات الحماية المدنية في السيطرة على الحريق قبل امتداده، وعدم وقوع خسائر في الأرواح، لا ينفيان وقوع الجريمة ولا يزيلان المسؤولية عن الأضرار التي حدثت بالفعل.
فالقانون يعاقب على فعل إشعال النار عمدًا متى توافرت شروط النص، ولا يشترط في جميع صور الحريق العمد أن يؤدي الفعل إلى وفاة أو إصابة حتى تقوم الجريمة.
وتبقى الأضرار التي لحقت بمحتويات الكنيسة وتدمير المنجليات دليلًا على تحقق نتائج مادية ملموسة للحريق، بينما تمثل سرعة السيطرة عليه سببًا في الحد من تفاقم الخسائر، لا سببًا لنفي المسؤولية عن الفعل الأصلي.
وتقتضي العدالة الجنائية التمييز بين جسامة الفعل الذي ارتكبه الجاني وبين مقدار الضرر الذي أمكن احتواؤه بفضل تدخل أجهزة الحماية المدنية. فنجاح هذه الأجهزة في منع امتداد النيران لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتقليل خطورة الاعتداء أو التهوين من شأنه.
سادساً: ضرورة الإحالة إلى المحاكمة الجنائية العاجلة
إن الوقائع المنشورة، بما تتضمنه من إحضار مادة قابلة للاشتعال، واقتحام موضع داخل الكنيسة، وكسر الباب، وإشعال النار، ووقوع احتراق فعلي، ثم ضبط المتهم في موقع الحادث، تفرض على جهات التحقيق التعامل مع الواقعة باعتبارها اعتداءً جنائيًا بالغ الخطورة يستلزم سرعة وحسمًا في الإجراءات.
ومن ثم، فإن المطلوب هو استكمال الإجراءات الفنية اللازمة دون إبطاء، وحصر التلفيات، وتوثيق آثار الحريق، وربط الأدلة المادية بالمتهم، ثم إحالة الدعوى إلى المحكمة الجنائية المختصة متى استوفت أوراقها متطلبات الإحالة القانونية.
ولا تعني المطالبة بالسرعة تجاوز الإجراءات المقررة، بل تعني إنجازها بكفاءة، حتى لا تتأخر المساءلة الجنائية عن فعل يمس حرمة دور العبادة ويهدد أمن المجتمع.
كما أن سرعة المحاكمة تحقق مصلحة عامة واضحة، تتمثل في إعمال القانون، وحماية دور العبادة، وردع الاعتداءات المتعمدة على الممتلكات، وتعزيز الثقة في قدرة مؤسسات العدالة على التعامل الحاسم مع الجرائم الجسيمة.
وبالنظر إلى جسامة الفعل والضرر المادي الذي نتج عنه، فإن المطالبة بالإحالة العاجلة ليست مجرد موقف أخلاقي أو اجتماعي، بل هي مطالبة قانونية بتفعيل أدوات المساءلة الجنائية في مواجهة واقعة تتوافر بشأنها، وفق المعلومات المنشورة، أدلة وقرائن مادية جدية تستوجب الفصل القضائي.
سابعاً: العقوبة والمساءلة الجنائية
ترتب المادة 252 من قانون العقوبات المصري عقوبة السجن المؤبد أو المشدد على الحريق العمد في الأماكن التي حددها النص. كما تقرر المادة 253 عقوبة السجن المشدد في صور الحريق العمد الواردة بها، بينما تجرّم المادة 160 الاعتداء على المباني المعدة لإقامة الشعائر الدينية والأشياء ذات الحرمة الدينية.
وبناءً على ذلك، فإن الواقعة تستوجب تطبيق النصوص العقابية التي تتفق مع طبيعة المكان والأفعال الثابتة، ومساءلة المتهم عن الحريق العمد وما اقترن به من اعتداء على حرمة الكنيسة ومحتوياتها، وفقًا لقواعد القانون المصري.
ويجب أن تتناسب المواجهة القضائية مع خطورة الاعتداء، وأن تتناول المحكمة الأدلة مجتمعة، بما فيها حيازة البنزين، وكسر الباب، وإشعال النار، والاحتراق الفعلي، وتدمير المحتويات، وضبط المتهم في موقع الحادث.
إن العقوبة ليست غاية منفصلة عن العدالة، بل هي وسيلة لحماية المجتمع وصون الممتلكات وفرض احترام القانون، بما يضمن عدم إفلات مرتكب الجريمة من المساءلة متى ثبتت مسؤوليته قضائيًا.
في تقديري، إن إحراق كنيسة السيدة العذراء بمنطقة برك الخيام، وفق الوقائع المنشورة، ليس مجرد حادث حريق عارض، بل واقعة تتضافر عناصرها المادية في صورة اعتداء متعمد على دار عبادة ومحتوياتها.
فإحضار البنزين، وكسر باب الكنيسة الصغيرة، وإشعال النار في الستائر والسجاد، واحتراق المحتويات وتدمير المنجليات، وضبط المتهم في موقع الحادث، تشكل في مجموعها قرائن مترابطة وقوية على ارتكاب فعل الحريق العمد، وعلى توافر القصد الجنائي الذي يتطلبه القانون متى ثبتت صلة المتهم بالفعل على النحو الوارد بالأوراق.
ويؤكد قضاء محكمة النقض أن جريمة الحريق العمد لا يتوقف قيامها على الباعث أو النتيجة النهائية للحريق، متى ثبت تعمد إشعال النار في المكان الذي ينطبق عليه النص القانوني.
ومن ثم، فإن الواقعة تستوجب إعمال أحكام قانون العقوبات المصري، وبخاصة المادة 252 متى توافرت شروطها، والمادة 160 بشأن الاعتداء على المباني المعدة لإقامة الشعائر الدينية، مع استكمال التحقيقات والإحالة العاجلة إلى المحكمة الجنائية المختصة.
إن سيادة القانون تقتضي ألا يُستهان بأي اعتداء متعمد على دور العبادة، وألا تتأخر المساءلة عن الجرائم التي تهدد أمن المجتمع وتمس حرمة الشعائر الدينية. والعدالة الناجزة تقتضي سرعة اتخاذ الإجراءات، وتقديم المتهم إلى القضاء المختص، حتى يقول القضاء كلمته في ضوء الأدلة والقانون.
إن دور العبادة ليست مجرد مبانٍ أو ممتلكات مادية، بل هي أماكن تمارس فيها الشعائر الدينية، وتحظى بالحماية القانونية التي تكفل حرية الاعتقاد وممارسة العبادة وتحمي السلم المجتمعي.
والاعتداء المتعمد على كنيسة أو مسجد أو أي دار عبادة لا ينبغي التعامل معه باعتباره فعلًا عاديًا أو واقعة بسيطة؛ بل يتعين مواجهته بحزم قانوني يتناسب مع خطورته، ويضمن محاسبة المسؤول عنه وفقًا للقانون.
وعليه، فإن المطلوب هو سرعة استكمال التحقيقات، وتحديد المسؤولية الجنائية، وإحالة المتهم إلى المحاكمة الجنائية العاجلة متى استوفت الدعوى متطلبات الإحالة، مع تطبيق العقوبات المقررة قانونًا على الجرائم التي تثبت في حقه.
فحرمة دور العبادة مبدأ قانوني ومجتمعي لا يقبل التهاون، وسيادة القانون تقتضي مواجهة الاعتداء عليها بمساءلة جنائية حاسمة وعدالة ناجزة.





