الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ

عزيزي الأستاذ نجيب،
أعترف لك بأنّني كلّما شاهدتُ أحد أفلامك، أضحك وأشعر بشيءٍ من الحنين إلى مصر في زمنٍ لم أعش فيها. وقد تتساءل: كيف يحنّ الإنسان إلى زمنٍ لم يعرفه؟ والحقّ أنّ أفلامك تفتح أمامي نافذةً على القاهرة التي كانت تتجاور فيها العربيّة والأرمنّيّة والفرنسيّة والإيطاليّة واليونانيّة، وأحيانًا تختلط اللغات كلّها في جملةٍ واحدة، ومع ذلك يفهم الناس بعضهم بعضًا! وأتخيّلك لو سمعتَ مناقشاتنا اليوم حول الهويّة المصريّة لقلتَ: «يا جماعة، هو إحنا هنفضل نتخانق على مين مصريّ أكتر من التاني؟!»

وُلدتَ سنة ١٨٨٩ في حيّ باب الشعريّة بالقاهرة، لأبٍ عراقيّ كلدانيّ كاثوليكيّ جاء من الموصل، وأمٍّ مصريّة قبطيّة. ودرستَ في مدرسة إخوة المدارس المسيحيّة (الفرير) الفرنسيّة الكاثوليكيّة، ثمّ عملتَ موظّفًا قبل أن يجذبك المسرح. يا لها من تركيبة! أبٌ عراقيّ، وأمٌّ مصريّة، وتعليمٌ فرنسيّ، ثمّ تصبح أحد أكثر المصريّين قدرةً على إضحاك المصريّين! ويبدو أنّ مصر لم تكن تحتاج إلى شهادةٍ تثبت مصريّتك؛ فقد كانت ضحكات الجمهور كافية!

لكنّك يا أستاذ نجيب إلى جانب أنّك كنتَ ممثّلًا كوميديًّا. فقد كنتَ أيضًا من روّاد المسرح المصريّ الحديث، وأسهمتَ مع بديع خيري وسيّد درويش في تطوير الكوميديا الاجتماعيّة والمسرح الغنائيّ. وابتكرتَ شخصيّة «كشكش بيه»، ذلك العمدة الذي يأتي من الريف إلى القاهرة حاملًا أمواله وسذاجته، فيكتشف أنّ المدينة تستطيع أن تخلّصه من نقوده أسرع ممّا تستطيع أن تخلّصه من أوهامه! ثمّ تطوّر مسرحك، وأصبحتَ تسخر من الفقر والطبقيّة والنفاق ومظاهر السلطة. ومن يشاهد «سي عمر» أو «لعبة الست» أو «غزل البنات» يكتشف أنّ وراء الضحكة رجلًا يفهم مأساة الإنسان البسيط، الذي يحاول أن يحافظ على كرامته في عالمٍ لا يساعده كثيرًا على ذلك.

وأحبّ أيضًا أن أتأمّل مصر التي ساهمتَ أنتَ في صناعة فنونها. فقد كانت تستقبل أناسًا من الشام والعراق واليونان وإيطاليا وأرمينيا وغيرها، واستقرّ كثيرون منهم فيها، وأسهموا في تجارتها وصناعتها وصحافتها ومسرحها وسينماها وحياتها التجاريّة والاقتصاديّة. ولم يكونوا جميعًا أغنياء يعيشون في القصور، كما توحي بعض الصور القديمة. فقد عاش كثيرون حياةً متواضعة، وأصبحوا جزءًا من الذاكرة المصريّة نفسها. وأنت، ابن الرجل العراقيّ، وامرأة مثل بديعة مصابني القادمة من الشام، وغيركما من الفنّانين، صنعتم فنًّا مصريًّا لم يكن بحاجةٍ إلى محو جذور أصحابه لكي يكون مصريًّا. وأتساءل معك: ما الذي يجعل الإنسان ابنًا لوطن؟ أهو أصل أبيه، أم المكان الذي أحبّه وعاش فيه وأسهم في ثقافته؟ ولو طلب منك أحدهم اليوم إثبات مصريّتك، لكان بوسعك أن تسأله: «طيب، وكشكش بيه جنسيّته إيه؟!»

وهنا تسمح لي بتأمّلٍ لاهوتيّ صغير، وأرجو ألّا تنزعج من إدخال اللاهوت إلى المسرح! فقد تعلّمتُ من الإنجيل أنّ كرامة الإنسان تسبق جنسيّته وأصله ودينه. وفي مثل السامريّ الصالح، جعل المسيح من رجلٍ ينتمي إلى جماعةٍ ينظر إليها كثيرون بازدراء مثالًا للمحبّة الحقيقيّة. ولعلّ إحدى مشكلاتنا أنّنا نحبّ الإنسان نظريًّا، ثمّ نبدأ في وضع الشروط حين يصبح جارًا لنا: من أين جاء؟ وما دينه؟ ومتى سيعود إلى بلده؟ وأخشى أنّ بعضنا لو التقى السامريّ الصالح اليوم، لشكره على إنقاذ الجريح، ثمّ سأله عن تصريح إقامته!

ولا أُخفي عليك يا أستاذ نجيب إعجابي بمصر التي عشتَ فيها. فقد كانت القاهرة والإسكندريّة تتمتّعان بطابعٍ حضريّ جميل، وشوارع وعمارات لم نزل نتأمّل شيخوختها المتهالكة بحسرة، كما يُقال بالفرنسيّة Meubles mal vieillis ، وكانت مصر أكثر انفتاحًا على ثقافاتٍ ولغاتٍ وجنسيّاتٍ متعدّدة. وكان الجنيه المصريّ في أواخر حياتك يساوي رسميًّا نحو أربعة دولارات أمريكيّة! وأتخيّلك لو عرفتَ ما أصابه بعد وفاتك لقلتَ: «يا خبر أبيض! ده حتى الفلوس دخلت في دور كوميديّ مأساوي!» وبالتأكيد لم تكن مصر يومها خاليةً من الفقر والتمييز والظلم والاحتلال، لكنّ ذلك لا يمنعني من الإعجاب بما امتلكته من حيويّةٍ وتنوّع، ومن التساؤل عمّا فقدناه من هذا كلّه.

ويكفيك، عزيزي نجيب، أن تشاهد الدقائق الأولى من فيلم «عمارة يعقوبيان»، المأخوذ عن رواية علاء الأسواني، لكي ترى كيف تغيّرت ملامح البلد الذي أحببتَه، وكيف تحوّل بعض جماله إلى مسخ! . والحقّ أنّ العمارة ليست سوى صورةٍ مصغّرة لمصر نفسها: تاريخٌ من الجمال والتنوّع والطموح، ثمّ طبقاتٌ متراكمة من الإهمال والفساد والتفاوت الاجتماعيّ. وأتخيّلك تشاهد الفيلم، ثمّ تسألني: «هو إحنا سبنا العمارة توصل لكده إزّاي؟!» وسأجيبك: يا أستاذ نجيب، هذه ليست مشكلة العمارة وحدها، ولو عرفتَ قصّة كلّ شارعٍ من شوارع القاهرة، لاحتجتَ إلى فرقةٍ مسرحيّة تعمل ليلًا ونهارًا!

أستاذ نجيب، أم أدعوك «كشكش بيه»؟ لقد لقّبك بعض الناس بـ«الضاحك الباكي»، ولعلّه أجمل وصفٍ لفنّك؛ فقد كنتَ تجعل الناس يضحكون على مآسيهم، ثمّ يكتشفون أنّهم كانوا يضحكون على أنفسهم! وأتساءل: لو عدتَ اليوم إلى مصر، فما المسرحيّة التي ستكتبها عن أحوالها؟ لقد تقدّمنا وتوسّعت المدن والطرق، وأصبح العالم كلّه بين أيدينا من خلال هاتفٍ صغير. لكنّنا فقدنا أيضًا أشياء جميلة، وتغيّرت ملامح مدننا، وأصبح المواطن البسيط يخوض معركةً يوميّةً مع الأسعار. وأتخيّلك تقدّم مسرحيّةً عن موظّفٍ يحاول أن يعيش بمرتّبه، فيكتشف أنّ الأسعار تسبقه كلّ شهر، فيصرخ: «يا جماعة، أنا مش عاوز أعيش عيشة الملوك، أنا بس عاوز المرتّب يستنّاني لآخر الشهر!»

وأعود إلى «غزل البنات»، فأجد فيه جانبًا آخر من عبقريّتك. فقد جعلتَنا نضحك ونحزن مع الأستاذ حمام، المدرّس الفقير الذي يقع في حبّ فتاةٍ من عالمٍ اجتماعيّ لا ينتمي إليه. ووراء المواقف الكوميديّة يظهر إنسانٌ يبحث عن الحبّ والاحترام والاعتراف بقيمته. ولعلّ هذا ما يثيره الفيلم: لماذا نُقيّم الإنسان وفقًا لماله ومظهره ومكانته، بينما نتجاهل مشاعره وكرامته؟ وأتذكّر هنا أنّ المسيح لم ينظر إلى الناس وفقًا لمواقعهم في السلّم الاجتماعيّ. فقد اقترب من الفقراء والمهمّشين، وأعاد إليهم إحساسهم بأنّ حياتهم تستحقّ المحبّة والاحترام. وأظنّ أنّ الضحك الذي يُعيد إلى الإنسان كرامته قد يكون أصدق من مواعظ طويلة تتحدّث عن المحبّة وتخفق في ممارستها.

عزيزي الأستاذ نجيب،
أفكّر أحيانًا في أنّ المسرح يمكن أن يؤدّي وظيفةً اجتماعيّة لا تقلّ أهمّيّةً عن بعض الخطب السياسيّة والمواعظ الدينيّة. فالضحك يكشف تناقضاتنا، ويجعلنا نرى سخافة بعض ما نفعله، من دون أن يطلب منّا الاعتراف بذلك أمام الآخرين. وربّما كانت هذه إحدى فضائله: أن يفتح نافذةً صغيرة للنقد الذاتيّ، خصوصًا لدى الذين لا يحتملون أن ينتقدهم أحد. ومع ذلك، أعرف أنّ بعض هؤلاء يستطيعون مشاهدة مسرحيّاتك والضحك على شخصيّاتها، من دون أن يخطر ببالهم لحظةً أنّك تتحدّث عنهم!

وأخيرًا، إذا التقينا يومًا، فسأطلب منك أن تأخذني في جولةٍ في مسارح شارع عماد الدين (وأرجوك ألّا تسير فيه اليوم!)، وتعرّفني إلى تلك القاهرة التي صنعت من اختلاف أصول أهلها مصدرًا لإبداعها. وسأحاول أن أشرح لك أحوال مصر اليوم، لكنّني أخشى أن تقاطعني بعد دقائق وتقول: «سيبك من الكلام ده، إحنا محتاجين نعمل مسرحيّة!» والحقّ أنّني أظنّ أنّك ستجد مادّةً تكفي لعشرات المسرحيّات، وقد تحتاج إلى عمرٍ آخر لكي تنتهي منها!

وإذا سألتني: «إنت عاوز ترجع مصر بتاعة زمان؟» فسأجيبك: أريد أن نستعيد أفضل ما عرفته مصر، وأن نضيف إليه ما تعلّمناه من تقدّم. أريد وطنًا تتّسع شوارعه لأهله، وتتّسع قلوب أهله لاختلافهم، ويستطيع فيه الإنسان أن يعيش بكرامة، وأن يشعر أنّه في بيته أيًّا كان أصله ودينه. فقد كنتَ أنت نفسك ابنَ رجلٍ عراقيّ ومسيحيّ وكاثوليكيّ أصبح أحد رموز الفنّ المصريّ. وأظنّ أنّ هذه أجمل نكتةٍ يمكن أن نحكيها لأولئك الذين يريدون احتكار الهويّة المصريّة!

مع مودّتي واحترامي،

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ