الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ 

عزيزي أمل دنقل،

لم يعرّفني إليك أحد. عرفتُك بالصدفة، أثناء ممارسة إحدى عاداتي السيّئة القديمة عندما كنتُ أدرس الفلسفة في إكليريكيّة الأقباط الكاثوليك بالمعادي. كنتُ أعتاد النزول إلى منطقة الإسعاف في وسط القاهرة، والتجوّل بين باعة الكتب المستعملة على الأرصفة. كانت الكتب رخيصةً وتناسب ميزانيّة طالبٍ مثلي، وتمنحني فرصة اكتشاف كُتّاب لم أسمع بأسمائهم من قبل. ولم يكن الإنترنت قد دخل بيوتنا، فكان الرصيف يؤدّى عمل المكتبات الإلكترونيّة كلّها، وإنْ كانت نتائج البحث فيه تتوقّف على مزاج البائع وما وصل إليه من كتبٍ مستعملة! ذات يوم وجدتُ كتابًا لك، فاشتريتُه، وما إن ركبتُ المترو حتّى بدأتُ القراءة. نسيتُ اليوم عنوان الكتاب، لكنّني لم أنسَ ما شعرتُ به وأنا أقرأ: لقد التقيتُ شاعرًا مرهف الحسّ، ثائرًا، واسع الثقافة، يعرف تراثه وتراث الآخرين، ويبدو أنّه لا يخاف من أحد، حتّى من القارئ الذي قد يختلف معه. وهكذا جمعتْ مصادفةٌ بين صعيديَّين في مترو القاهرة، وإنْ كان أحدهما قد رحل عن عالمنا قبل سنوات!

وُلدتَ عام ١٩٤٠ في قرية القلعة بمركز قفط في محافظة قنا، ورحلتَ سنة ١٩٨٣، ولم تبلغ الثالثة والأربعين. وكان والدك من علماء الأزهر، وترك لك مكتبةً أسهمت في تكوينك. ويبدو أنّك أحسنتَ استخدام ميراثك، فلم تكتفِ بقراءة التراث العربيّ، بل دخلتَ إلى عالم الأساطير والتاريخ والنصوص الدينيّة، واستدعيتَ شخصيّاته لتقول من خلالها ما تريد قوله عن عصرك. فزرقاء اليمامة عندك ترى الهزيمة قبل وقوعها، وسبارتاكوس يرفض الانحناء، ويخرج من حكايته القديمة إلى أسئلتنا المعاصرة. كنتَ تعرف كيف تجعل الموتى يتكلّمون، وأرجو ألّا تغضب منّي لأنّني أمارس الآن معك العادة نفسها! وأظنّ أنّك لو عشتَ في زماننا، لوجدتَ كثيرًا ممّا يستحقّ قصائدك، وإنْ كنتُ أخشى ألّا تجد ناشرًا يغامر بطباعة بعضها!

وأدهشني خصوصًا حضور الكتاب المقدّس في شعرك. فقد كتبتَ «سفر التكوين» و«سفر الخروج»، واستعرتَ لغة الأسفار والإصحاحات والمزامير، وسمّيتَ أحد دواوينك «العهد الآتي». وقد أثارت هذه العناوين فضولي، خصوصًا أنّني كنتُ طالبًا للفلسفة في طريقه إلى دراسة اللاهوت. لكنّ المفاجأة الكبرى كانت قصيدتك «صلاة»، حين قرأتُ: «أبانا الذي في المباحث.. نحن رعاياك..». ثمّ تابعتَ الصلاة مخاطبًا تلك السلطة التي جعلتَها فوق الناس، فكشفتَ ببضع كلماتٍ كيف يستطيع الخوف أن يحوّل جهازًا أمنيًّا إلى ما يشبه الإله الذي يخضع له الجميع. يا أمل، لقد أخذتَ الصلاة التي علّمها المسيح لتلاميذه، ووضعتَ المباحث مكان الآب السماويّ! وأتخيّلك لو قرأتَ هذه القصيدة في إحدى كنائسنا، لوجدتَ نفسك مطرودًا قبل أن تصل إلى السطر الثاني! لكنّني أفهم مرارة سخريتك؛ فأنت تصوّر عالمًا يُنتظر فيه من الإنسان أن يطيع، وأن يصمت، وأن يخاف حتّى من الكلام.

وفي «سفر التكوين» تستعير العبارة الكتابيّة التي تتكرّر في قصّة الخلق، لكنّك تقلبها إلى «ورأى الربّ ذلك غيرَ حسن!». وهي عبارة جعلتني أتوقّف طويلًا. ففي الكتاب المقدّس ينظر الله إلى خليقته فيراها حسنةً، أمّا أنت فتنظر إلى ما صنعه البشر بالعالم، فتجد الظلم والفساد واستغلال الفقراء. والحقّ أنّني لا أحتاج إلى الاتفاق معك في كلّ تصوّراتك عن الله لكي أفهم احتجاجك. فأنا أيضًا أتساءل، حين أقرأ سفر التكوين، عمّا فعله الإنسان بالأرض التي ائتُمن عليها، وبأخيه الإنسان الذي يشترك معه في الكرامة نفسها. وفي «سفر الخروج» تستعيد صورة التحرّر من العبوديّة، وكأنّ فرعون لم يمت تمامًا، بل اكتشف طرقًا جديدةً ليواصل عمله، وربّما أصبح لديه اليوم مكتبٌ للعلاقات العامّة!

ثمّ قرأتُ «مقابلة خاصّة مع ابن نوح»، وفيها وجدتُك تعيد تخيّل الطوفان بطريقةٍ لم أتوقّعها. ففي قصيدتك يهرع أصحاب السلطة والامتيازات إلى السفينة، بينما يحاول شباب المدينة إنقاذ ما يمكن إنقاذه. ويختار ابن نوح البقاء معهم، حتّى ينتهي إلى رفض السفينة وحبّ الوطن. وأحبّ السؤال الذي تضعه قصيدتُك أمامي: ما قيمة النجاة إذا كانت تعني التخلّي عن الآخرين؟ وهل يمكن أن يتحوّل الإيمان نفسه إلى وسيلةٍ للهروب من مسؤوليّتنا عن البشر الذين يعيشون معنا؟ لقد جعلتَني أفكّر في أشكال التديّن التي تهتمّ بخلاص الفرد، ثمّ تنسى الفقير والجائع والمظلوم. وأظنّ أنّك كنتَ ستجد في بعض عظاتنا مادّةً لا بأس بها لقصيدةٍ بل قصائد ساخرة جديدة!

لكنّني أريد أن أختلف معك قليلًا يا أمل. فقد أصبحتْ قصيدتك «لا تصالح» واحدةً من أشهر قصائدك، وارتبطت خصوصًا برفضك التسوية السياسيّة مع الدولة العبريّة. وأفهم السياق الذي كُتبتْ فيه، وأفهم أنّ المصالحة التي تتجاهل الظلم وتطلب من الضحيّة أن تنسى جراحها ليست مصالحةً حقيقيّة. لكنّني، بوصفي مسيحيًّا، لا أستطيع أن أرفع «لا تصالح» شعارًا مطلقًا. لقد تعلّمتُ من المسيح أنّ المصالحة ممكنة، ولكنّها تحتاج إلى الحقيقة والعدل والاعتراف بالخطأ. وأحبّ أن أتصوّرنا جالسين في أحد مقاهي القاهرة نختلف حول هذه المسألة، وربّما يحتدّ النقاش بيننا قليلًا، ثمّ نطلب قهوتين جديدتين، ونتابع الحديث. وأرجو ألّا تُصرّ في النهاية على تطبيق عنوان قصيدتك عليّ! ولذلك سأقترح عليك أن نحذف كلمةً واحدةً من عنوان قصيدتك، ونحتفظ بكلمة «لا» وحدها. فقد قلتَ في «كلمات سبارتاكوس الأخيرة»:

«مَن قال "لا" في وجه من قالوا "نعم"
مَن علّم الإنسان تمزيق العدم
مَن قال "لا" ... فلم يمت,
وظلّ روحا أبديّة الألم !

وأحبّ هذه الصورة للإنسان الذي يستطيع أن يرفض، حتّى حين ينحني الجميع. لكنّني أتساءل معك أيضًا: هل تكفي كلمة «لا» للحصول على الحرّيّة؟ فقد يصبح الرفض عادةً مثل الطاعة، ويجد الإنسان نفسه يعارض كلّ شيءٍ لأنّه اعتاد المعارضة! وربّما تكون الشجاعة الحقيقيّة في أن يعرف المرء متى يقول «لا»، ومتى يقول «نعم»، وأن يحتفظ في الحالتين بضميرٍ حرّ. وهنا أتذكّر أنّ المسيح نفسه دعا إلى أن تكون كلمة الإنسان صادقة، سواء أكانت «نعم» أم «لا».

ولعلّ ما يجعلني قريبًا منك أيضًا هو الجنوب. ففي «الجنوبيّ» أجد الرجل الذي يغادر بلده، لكنّ بلده لا تغادره. وأنا أيضًا غادرتُ صعيد مصر، ودرستُ وعشتُ في بلادٍ مختلفة، واكتشفتُ أنّ الإنسان يستطيع أن يبتعد آلاف الكيلومترات عن موطنه، ثمّ تكفي كلمةٌ أو رائحةٌ أو صوتٌ لكي يعود إليه دفعةً واحدة. وأظنّ أنّ الصعيديّ يحمل بلده معه أينما ذهب، حتّى لو وجد في أوروبّا كرامته وحرّيّته وإنسانيّته مصونين!

ثمّ جاءت سنوات مرضك الأخيرة، و«أوراق الغرفة ٨». وقد قرأتُ ذات يومٍ مقالًا لصحفيّ صديق لك يروي كيف دخل إلى غرفتك في المستشفى، فهاله ما رآه من أثر المرض عليك، حتّى ظنّ أنّه دخل الغرفة الخطأ، ولم يتعرّف إليك إلّا عندما سمع صوتك. نسيتُ اسم الصحفيّ، لكنّ هذه الحكاية بقيت معي. وأذكر أنّني تمنّيتُ وقتها لو استطعتُ أن أدخل غرفتك بهدوء، من دون أن أقول كلمةً واحدة، وأضع إلى جوارك وردةً صغيرة. أردتُ أن أشكرك على ما كتبته، وأن أرافقك قليلًا في ألمك. لم أكن أريد أن أقدّم لك تفسيرًا للألم، فقد سمعتُ في دراستي للاهوت تفسيراتٍ كثيرة، بعضها يزيد ألم المتألّم بدلًا من أن يخفّفه. كنتُ أريد فقط أن أترك الوردة وأخرج برفق. لعلّها كانت ستقول ما لم أستطع قوله.

وأتمنّى يا أمل أن تكون الآن في الأبديّة محاطًا بآلاف الورود، وأن تكون قد وجدتَ السلام الذي افتقدته في عالمنا. وأتساءل عمّا كنتَ ستكتبه لو عشتَ لترى ما شهدته مصر بعد رحيلك من تحوّلاتٍ وثوراتٍ وآمالٍ وخيبات. هل كنتَ ستكتب «لا تصالح» من جديد، أم كنتَ ستذكّرنا بكلمة «لا» التي رفض بها سبارتاكوس الانحناء؟ أخشى أنّنا لم نزل نحتاج إلى هذه الكلمة، خصوصًا في زمنٍ أصبح فيه التعبير عن الرأي سهلًا على وسائل التواصل الاجتماعيّ، بينما قد تكون عواقبه خارج الشاشة أقلّ سهولةً بكثير!

وإذا التقينا يومًا، فسأدعوك إلى جولةٍ بين باعة الكتب القديمة، لعلّنا نعثر على نسخةٍ من ذلك الكتاب الذي عرّفني إليك. وأرجو ألّا تغضب إذا وجدناه قديمًا مهملًا؛ إلّا أنّه كان واحدًا من أجمل ما عثرتُ عليه فيها. وأتخيّلك تبتسم حين تعرف أنّ شاعرًا لم يكن يخشى مواجهة السلطة وصل إلى طالبٍ فقيرٍ من خلال بائع كتبٍ مستعملة، من دون إعلانٍ أو حفل توقيعٍ أو حملة تسويقيّة!

أمّا الوردة التي تمنّيتُ أن أضعها إلى جوارك في المستشفى، فأرجو أن تكون قد وصلتك بطريقةٍ ما. وأريد أن أشكرك على تلك الكلمة الصغيرة التي أحببتَها: «لا». سأحتفظ بها لأقولها في وجه الظلم والإذلال والخوف وانتهاك الكرامة، وسأحتفظ أيضًا بكلمة «نعم» لأقولها للحياة والسلام والكرامة والمحبّة والمصالحة. ففي النهاية يا أمل، أريد عالمًا لا يحتاج فيه الإنسان إلى أن يدفع حياته ثمنًا لأنّه قال «لا»، ولا إلى أن يخون ضميره لكي يقول «نعم».

مع مودّتي واحترامي،
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ