الأب أغسطينوس؛ بالميلاد:
ميلاد سامي ميخائيل بطرس طوس... 

المقدمة:
حين يصبح الإنسان رسالة محبة

  ليس كل من يمرّ في تاريخ البشرية يترك أثرًا، وليس كل من يعتلي منصبًا عظيمًا يستطيع أن يسكن القلوب. فهناك من نتذكرهم لأنهم امتلكوا السلطة، وهناك من نحفظ أسماءهم لأنهم صنعوا أحداثًا غيّرت مجرى التاريخ، وهناك، في مكان أعمق من الذاكرة، أشخاص نحبهم لأنهم لمسوا فينا شيئًا إنسانيًّا وروحيًّا لا تستطيع السنوات أن تمحوه.

  ومن بين هؤلاء، يطلّ علينا البابا يوحنا بولس الثاني، لا بوصفه رجلًا جلس على كرسي بطرس وحسب، ولا باعتباره شخصية دينية تركت بصمتها في العالم، بل باعتباره إنسانًا استطاع أن يجعل من حياته شهادة، ومن إيمانه رسالة، ومن ضعفه طريقًا للرجاء، ومن محبته جسرًا يصل بين القلوب.

كيف استطاع هذا الرجل أن يحتفظ بشباب روحه وسط ثقل المسؤوليات، وأن يظل قريبًا من الناس رغم اتساع المسافات، وأن يحمل في قلبه آلام العالم من دون أن يتخلى عن ابتسامته، وأن يواجه قسوة الحياة من دون أن يسمح لها بأن تنتزع منه القدرة على المحبة؟

  ربما لا توجد إجابة واحدة تكفي لتفسير سرّ محبته، وربما لا نستطيع أن نفصل بين لطفه ونقائه، وبين شجاعته وتواضعه، وبين عمق إيمانه وفرحه الإنساني. فالشخصيات التي تترك أثرًا حقيقيًّا لا تُختصر في صفة واحدة، لأنها تشبه حدائق واسعة، كلما اقتربنا منها اكتشفنا فيها لونًا جديدًا، وعطرًا مختلفًا، ومساحة أخرى من الجمال.

  لقد أحبّه كثيرون لأنهم وجدوا فيه أبًا لا يخجل من الحنان، وراعيًا لا ينسى الإنسان وسط المسؤوليات، ومؤمنًا لا يفصل السماء عن الأرض، ورجلًا لم يسمح لسنوات العمر بأن تطفئ جذوة الرجاء في داخله.

  ولعل الإجابة التي قدمها الأطفال، حين قالوا إنهم أحبوه لأنه كان مثلهم، ولكنه، بالأخص، كان مثل المسيح، تختصر في بساطتها سرًّا عميقًا: لقد أحبّوه لأنه ظل إنسانًا قريبًا منهم، ولأنه حاول، بما حملته حياته من إيمان وخدمة وشهادة، أن يجعل قربه منهم طريقًا يقود إلى المسيح.

  ومن هنا تبدأ حكايتنا معه؛ لا لكي نحصي إنجازاته وحدها، ولا لكي نرسم صورة مثالية لإنسان لا يخطئ، بل لكي نتأمل كيف يستطيع الإيمان، عندما يتجذر في القلب، أن يمنح الإنسان شجاعة في مواجهة التاريخ، وحنانًا في التعامل مع الآخرين، ورجاءً في مواجهة الألم، وحرية تجعله يخدم من دون أن يستعبد، ويقود من دون أن يتعالى، ويحب من دون أن يحوّل المحبة إلى كلمات فارغة.

  إنها محاولة لاكتشاف الإنسان وراء البابا، والقلب وراء المنصب، والرسالة وراء الكلمات؛ لعلنا، ونحن نتأمل سيرته، لا نكتفي بأن نسأل لماذا أحببناه كثيرًا، بل نسأل أيضًا: ماذا يمكن أن نتعلم من حياته لكي نصير نحن أنفسنا أكثر إنسانية، وأكثر أمانة للإنجيل، وأكثر قدرة على أن نكون علامة رجاء في عالمنا؟

أولًا:

لماذا أحببناه كثيرًا؟

  ربما كان الأطفال أقدر من الكبار على الإجابة عن هذا السؤال؛ لأن الطفل لا يحتاج إلى نظريات معقدة كي يكتشف المحبة، ولا إلى دراسات طويلة كي يميز بين من يتحدث إليه من فوق، ومن ينزل إلى مستواه وينظر في عينيه.

  وحين أجاب بعض الأطفال، ببساطة تحمل من العمق أكثر مما تحتمله صفحات كثيرة، بأنهم أحبوه لأنه يشبههم، ولكنه، بالأخص، كان يشبه المسيح، فقد لامسوا بذلك سرًّا من أسرار المحبة التي أحاطت به.

  أحبوه لأنه كان إنسانًا بينهم، لا صورة بعيدة معلقة في مكان مرتفع. كان يستطيع أن يضحك، وأن يفرح، وأن يتألم، وأن يقترب، وأن يصغي. لم يتخلَّ عن إنسانيته لكي يصير أبًا روحيًّا، بل سمح لإنسانيته أن تصبح طريقًا لخدمته الروحية.

  ولعل هذا هو سرّ التأثير الذي يتركه القديسون في النفوس: إنهم لا يجعلوننا نحبهم لأنهم يبدون بعيدين عن طبيعتنا البشرية، بل لأنهم يكشفون لنا ما تستطيع هذه الطبيعة أن تصير إليه عندما تنفتح على نعمة الله.

  إن القداسة ليست إلغاءً للإنسان، بل امتلاء الإنسان بالله. وليست هروبًا من الحياة، بل اكتشافًا لمعناها الأعمق. وليست وجهًا جامدًا لا يعرف الابتسام، بل قلبًا يتعلم أن يحب حتى عندما تصبح المحبة مكلفة، وأن يرجو حتى عندما يبدو الرجاء مستحيلًا.

  وهكذا أحببنا يوحنا بولس الثاني، لأننا رأينا فيه إنسانًا لم يتوقف عن النمو في المحبة، ولم يسمح لمسؤولياته بأن تسلبه عفويته، ولا لمقامه بأن يحرمه من الاقتراب، ولا للألم بأن يطفئ النور الذي أراد أن يحمله إلى الآخرين.

ثانيًا:
بابا القلب النقي

  كان في شخصيته شيء من صفاء البدايات؛ شيء يجعل المرء يشعر بأن وراء الكلمات قلبًا يريد الخير، وأن وراء المواقف إيمانًا لا يكتفي بالشعارات، وأن وراء الابتسامة روحًا تعرف أن الحياة ليست سهلة، لكنها تظل جديرة بأن تُعاش بمحبة.

  ونقاء القلب لا يعني أن الإنسان لا يعرف تعقيدات العالم، ولا أنه لم يختبر قسوة البشر، ولا أنه يعيش خارج الصراعات والخيبات. نقاء القلب هو أن يمر الإنسان وسط كل ذلك، ويحاول ألا يسمح للشر بأن يعيد تشكيله على صورته.

  إنه أن ترى الظلام، من دون أن تعبد الظلام؛ وأن تعرف الخيانة، من دون أن تجعل الخيانة فلسفتك في الحياة؛ وأن تختبر الألم، من دون أن تتحول إلى إنسان يوزع الألم على الآخرين.

  وهذا ما يجعل النقاء فضيلة شجاعة، لا براءة ساذجة. فالقلب النقي ليس قلبًا لم يجرحه أحد، بل قلبًا يقاوم أن يصبح نسخة من الذين جرحوه.

  كان يوحنا بولس الثاني يحمل إلى الناس دعوة إلى المصالحة، وإلى احترام الإنسان، وإلى عدم الاستسلام للكراهية. وكان في رسالته ما يذكّرنا بأن المسيحية لا تطلب من الإنسان أن يتظاهر بأن الشر غير موجود، بل أن يواجهه من دون أن يفقد محبته، وأن يدافع عن الحق من دون أن يتخلى عن كرامة الآخر.

  وما أجمل أن يستطيع الإنسان، بعد رحلة طويلة في الحياة، أن يحتفظ بشيء من رقة القلب! أن يتقدم به العمر، وتتراكم حوله المسؤوليات، وتزداد معرفته بأسرار البشر، ومع ذلك لا يفقد قدرته على الفرح، ولا يخجل من الحنان، ولا يظن أن اللطف ضعف، أو أن التواضع انتقاص من الكرامة.

  ذلك هو القلب الذي نحتاج إليه في عالمنا: قلب يعرف الحقيقة، لكنه لا يتخلى عن الرحمة؛ قلب يميز بين الخطأ والخاطئ، وبين رفض الشر واحتقار الإنسان؛ قلب يتذكر أن الله لم يخلق أحدًا لكي يكون مادة للكراهية، بل دعاه إلى الحياة والمحبة.

ثالثًا:
البابا الذي غيّر العالم

  لم يكن يوحنا بولس الثاني مجرد رجل اعتلى كرسي بطرس، بل كان شخصية روحية وإنسانية تركت أثرًا واسعًا في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية والعالم المعاصر.

  وُلد كارول فويتيوا في بولندا، وعاش شبابه في زمن الحرب والاحتلال، واختبر فقدان أحبائه، وعرف معنى الخوف والحرمان، وشهد كيف يمكن للأنظمة السياسية أن تحاول إخضاع الإنسان وسلبه حريته وكرامته. لكنه لم يسمح لتلك التجارب بأن تقنعه بأن الإنسان محكوم عليه بالهزيمة.

  وحين انتُخب بابا في السادس عشر من أكتوبر عام 1978، لم يكن العالم الذي دخل إليه عالمًا هادئًا. كانت الشعوب تعيش انقسامات حادة، وكانت أوروبا ما تزال تحمل آثار الحرب، وكانت الحرية في أجزاء من العالم حلمًا محفوفًا بالمخاطر.

  ومنذ بداية حبريته، وجّه إلى العالم نداءه الشهير: «لا تخافوا! افتحوا الأبواب للمسيح على مصراعيها».

  لم تكن هذه الكلمات دعوة إلى الهروب من العالم، بل إلى مواجهته بقلب لا تحكمه المخاوف. فالإيمان، في نظرته، لم يكن ملجأً يختبئ فيه الإنسان من مسؤولياته، بل قوة تحرره لكي يواجهها.

  جعل من السفر واللقاء والحوار أدوات لخدمته الرسولية، وزار بلدانًا وشعوبًا متعددة، واقترب من الشباب والعائلات والعمال والمرضى والفقراء، وتحدث إلى العالم بلغة تجمع بين الإعلان عن الإنجيل والدفاع عن كرامة الإنسان.

  وكان لصوته حضور بارز في التحولات التي شهدتها أوروبا الشرقية، ولا سيما في بلاده بولندا، حيث أسهمت رسالته الروحية ودعمه لكرامة الإنسان وحقه في الحرية في المناخ الذي رافق حركة التضامن والتحولات التي انتهت إلى سقوط الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية.

  ولم يكن من العدل أن ننسب التحولات التاريخية إلى رجل واحد؛ فالشعوب تصنع تاريخها بتضحياتها، والعاملون من أجل الحرية يحملون أثمانًا لا يمكن تجاهلها. لكن من الإنصاف أيضًا أن نعترف بأن يوحنا بولس الثاني كان من الشخصيات التي أعطت كثيرين شجاعة إضافية، وذكّرتهم بأن الإيمان لا ينبغي أن يكون صمتًا أمام إهانة الإنسان.

  لقد آمن بأن التاريخ ليس ملكًا للقوة وحدها، وأن الإنسان لا يفقد كرامته لمجرد أن سلطة ما قررت أن تنكرها عليه.

  لم يغيّر العالم لأنه امتلك قوة الجيوش، بل لأنه خاطب الضمير؛ ولم يكن سلاحه الخوف، بل الإيمان؛ ولم يكن مشروعه أن ينتصر على الإنسان، بل أن ينتصر الإنسان على ما يستعبده من خوف وكراهية ويأس.

رابعًا:
شابٌّ في الثالثة والثمانين

  بلغ يوحنا بولس الثاني الثالثة والثمانين من العمر، ومع ذلك ظل في نظر كثيرين شابًّا لا يشيخ.

كيف يستطيع الإنسان أن يتقدم في العمر، بينما يبقى شيء فيه شابًّا؟
  ربما لأن الشباب ليس عدد السنوات التي مرت فوق الجسد، بل المساحة التي ما زال القلب قادرًا على أن يفتحها أمام الحياة. وليس الشباب أن يظل الإنسان قويًّا كما كان في بداياته، بل أن يحتفظ بقدرته على أن يحب، وأن يتعلم، وأن يندهش، وأن يستقبل الغد من دون أن يدفنه تحت أنقاض الأمس.

  كان جسده يحمل آثار الزمن، لكن رسالته ظلت متجهة إلى المستقبل. كان يلتقي الشباب، ويصغي إلى أسئلتهم، ويخاطبهم باعتبارهم شركاء في بناء عالم جديد، لا مجرد أجيال صغيرة ينبغي أن تتلقى الأوامر من الأجيال الأكبر.

  لقد فهم أن الشباب لا يحتاجون فقط إلى من ينصحهم، بل إلى من يثق بقدرتهم على الخير، ومن يأخذ أسئلتهم على محمل الجد، ومن لا يخاف من أحلامهم لمجرد أنها تختلف عن أحلامه.

  كان يقول لهم، بمعنى رسالته المتكرر، إن الحياة ليست شيئًا ينبغي أن يُعاش على الهامش، وإن الإنسان مدعو إلى أن يختار الخير بشجاعة، وأن يجعل من حريته مسؤولية، ومن مواهبه عطية، ومن مستقبله فرصة لخدمة الآخرين.

  ولذلك لم يكن غريبًا أن يشعر كثير من الشباب بأنه قريب منهم، رغم الفارق الكبير في العمر. فالروح لا تقيس المسافات بالتقويم، بل بقدرة القلب على اللقاء.

  قد يشيخ الجسد، وقد تخذلنا القوى، وقد تتباطأ الخطوات، لكن الإنسان يستطيع أن يظل شابًّا في رجائه، ما دام لا يزال يؤمن بأن الغد يمكن أن يحمل خيرًا، وأن المحبة تستطيع أن تبدأ من جديد، وأن الله لم ينتهِ بعد من كتابة صفحات حياته.

خامسًا:
البابا الذي أحب الشباب، ووثق بالمستقبل

  لم ينظر يوحنا بولس الثاني إلى الشباب باعتبارهم مشكلة ينبغي حلها، بل باعتبارهم طاقة إنسانية وروحية تحتاج إلى من يرافقها ويمنحها المعنى.
  لم يطلب منهم أن يكونوا نسخًا مكررة من الماضي، بل دعاهم إلى اكتشاف دعوتهم، وإلى بناء حياتهم على الحقيقة والحرية والمسؤولية، وإلى عدم بيع أحلامهم مقابل راحة مؤقتة أو نجاح بلا معنى.

  وكانت لقاءاته العالمية بالشباب تعبيرًا عن هذه الثقة. فقد أراد أن يشعر الشاب بأنه ليس مجهولًا في حشود العالم، وأن الكنيسة ليست مكانًا يعيش فيه الماضي وحده، بل بيتًا يلتقي فيه الإيمان بأسئلة الحاضر ورجاء المستقبل.

  كان يعرف أن الشباب قد يخطئون، وأنهم قد يترددون، وأن أسئلتهم قد تكون صعبة، لكنه لم يرَ في ذلك سببًا للتخلي عنهم. فالتربية الحقيقية لا تبدأ من انتظار الكمال، بل من الإيمان بإمكان النمو.

  كم يحتاج عالمنا إلى هذه النظرة! إلى من لا يحكم على الإنسان من سقوطه الأول، ولا يختصر مستقبله في خطأ ارتكبه، ولا يسلبه الأمل لأنه لم يصل بعد إلى ما يُرجى منه.

  إن الإنسان لا ينضج بالإهانة، بل بالحب الذي يقول له الحقيقة، ويصبر على ضعفه، ويساعده على النهوض. ولا تُبنى الأجيال بالخوف وحده، بل بالثقة التي تجعلها مسؤولة عن حريتها.

  لقد أراد يوحنا بولس الثاني شبابًا لا يهربون من العالم، بل يدخلون إليه حاملين ضميرًا حيًّا؛ شبابًا لا يكتفون بالسؤال عما سيمنحهم العالم، بل يسألون أيضًا عما يستطيعون أن يقدموه له.

سادسًا:
بابا الألم الذي لم يستسلم

  من أجمل ما في سيرة يوحنا بولس الثاني أن الألم لم يكن فكرة يتحدث عنها من بعيد، بل واقعًا عرفه في حياته وجسده.

  فقد عانى في شبابه فقدان أمه وأخيه وأبيه، وعاش في ظل الحرب والاحتلال، ثم واجه محاولة اغتياله في الثالث عشر من مايو عام 1981، وظلت آثارها ترافقه. وفي سنواته الأخيرة، أثقل عليه المرض، واشتد عليه الضعف الجسدي، وأصبحت حركته وكلماته أكثر مشقة.

  ومع ذلك، لم يكن الألم عنده سببًا للتخلي عن الرسالة، وإن كان من المهم ألا نتصور أن الإيمان يلغي المعاناة، أو أن القديس لا يتعب، أو أن الإنسان المؤمن لا يشعر بثقل المرض.

  فالقداسة ليست حصانة ضد الألم، والإيمان ليس إنكارًا للضعف. إنما تكمن الشهادة في أن الإنسان يستطيع، وسط ما لا يستطيع تغييره، أن يبحث عن معنى، وأن يقبل المساعدة، وأن يظل متجهًا نحو الآخرين بقدر ما تسمح به قواه.

  لم يعد يوحنا بولس الثاني في سنواته الأخيرة قادرًا على الحركة كما كان في شبابه، لكنه ظل حاضرًا أمام الكنيسة والعالم. وكان جسده الضعيف يذكّر الناس بأن الكرامة الإنسانية لا تنقص عندما تفقد العضلات قوتها، ولا عندما تتعثر الكلمات، ولا عندما يحتاج الإنسان إلى الآخرين لكي يعينوه على أبسط أمور الحياة.

  كم كانت تلك رسالة عميقة إلى عالم يربط القيمة بالقوة، والجمال بالشباب، والنجاح بالقدرة على الإنتاج! لقد رأى الناس أمامهم بابا لم يعد يستطيع إخفاء ضعفه الجسدي، لكنه لم يفقد مكانته الإنسانية بسبب هذا الضعف.

  ولعل شهادته في المرض كانت، في بعض جوانبها، أبلغ من كثير من خطبه؛ لأن الجسد الذي خدم طويلًا صار هو نفسه رسالة، ولأن الإنسان الذي دعا الآخرين إلى احتمال الألم بشجاعة صار أمامهم شاهدًا على محدودية الجسد وكرامة الإنسان في آن واحد.

  لم يكن الألم جميلًا في ذاته، ولم تكن المعاناة أمرًا ينبغي أن نتمنى وقوعه، لكن الحب استطاع أن يجد مكانًا للعمل حتى في سنوات الوهن.

  وهنا يلتقي الإيمان المسيحي بسر الصليب: ليس لأن الألم هو الكلمة الأخيرة، بل لأن المسيح جعل من بذل الذات طريقًا إلى المحبة، ومن الموت عتبة الرجاء في القيامة.

سابعًا:
رجل الصلاة، وشاهد الرجاء

  كان يوحنا بولس الثاني رجل صلاة، ولم تكن الصلاة عنده انفصالًا عن العالم، بل طريقة لرؤيته أمام الله.

  فالإنسان الذي يصلي بصدق لا يهرب بالضرورة من مشكلات البشر، بل يتعلم أن يحملها في قلبه، وأن ينظر إليها من زاوية تتجاوز مصالحه الخاصة. والصلاة لا تمنحنا دائمًا الإجابات التي نريدها، لكنها تستطيع أن تغيّر الطريقة التي نقف بها أمام الأسئلة.

  في الصلاة، يتعلم الإنسان أن العالم ليس ملكًا له، وأن الآخرين ليسوا أدوات لتحقيق رغباته، وأن النجاح لا يقاس فقط بما ينجزه، بل أيضًا بما يصبح عليه قلبه في أثناء الإنجاز.

  ومن هذا المنطلق، لم يكن إيمان يوحنا بولس الثاني مجرد مجموعة من المعتقدات التي يعلنها، بل مصدرًا لرؤيته للإنسان والتاريخ والحرية والمسؤولية.
  كان يؤمن بأن المسيح لا ينتزع من الإنسان إنسانيته، بل يكشف له معناها؛ ولا يلغي حريته، بل يدعوه إلى استخدامها في خدمة الخير؛ ولا يعده بحياة خالية من الألم، بل يفتح أمامه أفقًا لا ينتهي عند الألم والموت.

  وفي قلب هذه الرؤية تقف كلمات القديس بولس: «لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ» (أعمال الرسل 17: 28).

  إن الإنسان لا يستمد قيمته النهائية من نظرة المجتمع إليه، ولا من موقعه، ولا من مقدار ما يملكه، بل من كرامته التي لا يجوز اختزالها أو العبث بها.

  ومن هنا نفهم لماذا ارتبطت رسالة يوحنا بولس الثاني بالدفاع عن الحياة، وبالحديث عن كرامة الإنسان، وبالتأكيد أن كل شخص يستحق أن يُنظر إليه باعتباره غاية في ذاته، لا مجرد وسيلة لمصلحة الآخرين.

  لقد أراد إيمانًا يضيء الحياة، لا إيمانًا يخاف منها؛ ورجاءً يواجه الموت، لا رجاءً يتظاهر بأنه غير موجود؛ وكنيسة ترفع أنظار الإنسان إلى السماء، لكنها لا تغلق عينيها عن دموعه على الأرض.

ثامنًا:
محبة لا تعرف حدودًا

  كان من أبرز ملامح حبريته اهتمامه بلقاء الشعوب والثقافات والأديان، وسعيه إلى تعزيز الحوار والمصالحة، مع تمسكه الواضح بإيمانه الكاثوليكي.

  لقد أدرك أن الاختلاف لا يفرض العداوة، وأن الحوار لا يعني التخلي عن الهوية، وأن الإنسان يستطيع أن يختلف مع الآخر في العقيدة أو الرأي، من دون أن يسلبه حقه في الاحترام.

  وكان لقاؤه بالمؤمنين من تقاليد دينية مختلفة تعبيرًا عن اقتناع بأن السلام لا يُبنى بتجاهل الاختلافات، بل بإدارة الاختلاف بروح المسؤولية والبحث عن الخير المشترك.

  وفي عام 1986، زار الكنيس اليهودي الكبير في روما، في خطوة ذات دلالة تاريخية في مسار العلاقات بين الكاثوليك واليهود. كما استضاف في أسيزي لقاءً للصلاة من أجل السلام ضم ممثلين عن ديانات متعددة.

  وفي عام 2000، زار القدس والأراضي المقدسة، وأدى صلاة عند حائط المبكى، ووقف في ياد فاشيم، معبرًا عن احترامه لضحايا المحرقة اليهودية، ومؤكدًا ضرورة تنقية الذاكرة من الكراهية ومعاداة السامية.

  لم يكن ذلك معناه أن جميع الجراح قد التأمت، أو أن التاريخ أصبح خاليًا من الخلافات، لكنه عبّر عن رغبة في أن يتحمل المؤمنون مسؤولية أخلاقية تجاه الماضي، وألا يسمحوا له بأن يتحول إلى ذريعة دائمة لإنتاج الكراهية في الحاضر.

  إن المصالحة لا تعني نسيان الضحايا، ولا تبرير الظلم، ولا محو الحقيقة. بل تبدأ عندما نمتلك الشجاعة للاعتراف بما حدث، واحترام آلام المتألمين، والعمل حتى لا يتكرر الشر.

  وهكذا اتسع مفهوم الأبوة الروحية في رسالته؛ فلم يكن الأب هو الذي يحب أبناءه وحدهم، بل الذي يدرك أن كل إنسان يحمل كرامة تستحق الاحترام، وأن السلام ليس ترفًا سياسيًّا، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية.

تاسعًا:
رجل الحقيقة وكرامة الإنسان

  لم يكن يوحنا بولس الثاني يعتقد أن كل ما يريده الإنسان هو بالضرورة خير له، ولا أن الحرية تعني غياب كل معيار أخلاقي. كان يرى أن الحرية تبلغ نضجها عندما ترتبط بالحقيقة والخير والمسؤولية.

وقد أكد في تعليمه أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش حياة متكاملة إذا انفصلت حريته عن ضميره، أو إذا تحولت رغباته إلى المعيار الوحيد الذي يحكم أفعاله.
فالحرية التي لا تعرف المسؤولية قد تتحول إلى تسلط، والقوة التي لا تخضع للضمير قد تتحول إلى ظلم، والمعرفة التي لا تصحبها الحكمة قد تصبح أداة لإيذاء الإنسان بدلًا من خدمته.

ومن هنا جاء اهتمامه بحقوق الإنسان، ورفضه للأنظمة التي تسحق كرامته، ودعوته إلى بناء مجتمعات تحترم الإنسان ولا تختزله في انتمائه أو طبقته أو قدرته على الإنتاج.

وفي الوقت نفسه، كان لتعليمه الأخلاقي مواقف أثارت خلافات ونقاشات، ولا سيما في قضايا الأسرة والحياة والجنس والسياسة الاجتماعية. ومن الأمانة الفكرية أن نتذكر أن أثره في العالم لا يعني أن جميع مواقفه لاقت إجماعًا، أو أن كل قراراته كانت موضع قبول لدى الجميع.

لكن دراسة إرثه بإنصاف تقتضي أن نقرأه في سياق مشروعه الأوسع: الدفاع عن كرامة الإنسان، والتأكيد أن الحياة ليست سلعة، وأن الضمير ليس تفصيلًا يمكن الاستغناء عنه، وأن المجتمع الذي ينسى ضعفاءه يعرّض إنسانيته للخطر.

لقد أراد أن يقول للإنسان المعاصر إن التقدم الحقيقي ليس في أن نصبح قادرين على فعل كل ما نريد، بل في أن نتعلم كيف نستخدم قدرتنا من أجل الخير.

عاشرًا:
بابا العائلات والحياة

احتلت الأسرة مكانة مهمة في فكر يوحنا بولس الثاني، لأنها، في نظرته، ليست مجرد وحدة اجتماعية أو اقتصادية، بل مكان يتعلم فيه الإنسان معنى الانتماء والعطاء والوفاء.

في الأسرة، يكتشف الطفل أن وجوده عطية، وأن الحب ليس صفقة تجارية، وأن الإنسان قد يُحَبّ قبل أن يستطيع أن يقدم شيئًا في المقابل.

ومن الأسرة يتعلم أن الحرية لا تعني أن يفعل كل فرد ما يشاء من دون اعتبار للآخرين، بل أن يتعلم كيف يعيش مع الآخرين، وكيف يحترم احتياجاتهم، وكيف يتحمل مسؤولية اختياراته.

وكان اهتمامه بالعائلة مرتبطًا أيضًا بالدفاع عن كرامة المرأة والرجل، وبالتأكيد أن الحب الزوجي ليس امتلاكًا، بل عهد ومسؤولية ومشاركة في الحياة.
ولم تكن نظرته إلى الحياة محصورة في لحظات القوة والنجاح، بل شملت الجنين، والطفل، والفقير، والمريض، والمسن، وكل إنسان قد يصبح ضعيفًا أو عاجزًا عن الدفاع عن نفسه.

إن قيمة الإنسان لا تبدأ عندما يصبح مفيدًا للآخرين، ولا تنتهي عندما يحتاج إلى مساعدتهم.

ولذلك تظل رسالته في الدفاع عن الحياة دعوة إلى أن نقيس إنسانيتنا بالطريقة التي نعامل بها من لا يملكون القوة الكافية للدفاع عن أنفسهم.

حادي عشر:
علاقته بمريم العذراء

  كان للتقوى المريمية مكان بارز في الحياة الروحية ليوحنا بولس الثاني، وقد اختار شعارًا بابويًّا هو «Totus Tuus»، أي «كليّ لك»، في تعبير عن تكريسه نفسه لمريم العذراء، في إطار إيمانه الكاثوليكي.

  ولم يكن تكريمه لمريم منفصلًا عن المسيح، بل كان يرى في أمومة مريم طريقًا يقود إلى ابنها، وفي إصغائها لكلمة الله مثالًا للتلميذ الذي يقبل مشيئة الله ويمنحها مكانًا في حياته.

  لقد رأى في مريم صورة الكنيسة التي تسمع الكلمة، وتحفظها في قلبها، وتسمح لها بأن تثمر في الحياة.

  وكان هذا البعد المريمي يذكّر بأن الإيمان لا يُقاس فقط بقدرة الإنسان على الكلام عن الله، بل باستعداده لأن يصغي إليه، وأن يفسح له مكانًا في قراراته، وأن يقول له نعم حتى عندما لا يرى الطريق كاملًا أمامه.

  إن مريم، في التأمل المسيحي، لا تقود الإنسان إلى الاتكال السلبي، بل إلى الثقة التي تجعل المرء قادرًا على السير. فهي الأم التي تشير إلى المسيح، وتدعونا إلى أن نفعل ما يقوله لنا.

  ومن هنا نفهم أن الروحانية التي عاشها يوحنا بولس الثاني لم تكن مجرد عاطفة دينية، بل مسيرة ثقة وتسليم، تحاول أن تجعل الحياة كلها استجابة لدعوة الله.

ثاني عشر:
البابا الذي لم ينسَ الفقراء والضعفاء

  إن عظمة الإنسان لا تظهر فقط في طريقة استقباله للملوك والرؤساء، بل في طريقة معاملته لمن لا يملكون شيئًا يقدمونه له.

  وفي رسالة يوحنا بولس الثاني، كان الفقراء والعمال والمرضى والمهمشون جزءًا أساسيًّا من الأسئلة التي ينبغي أن تواجه الضمير المسيحي.

  لم يكن الإيمان، كما أراده، مجرد طمأنينة شخصية أو ممارسة داخل جدران الكنيسة، بل دعوة إلى أن يصبح الإنسان أكثر حساسية تجاه الظلم، وأكثر استعدادًا لخدمة المحتاج، وأكثر رفضًا لأن تتحول كرامة البشر إلى أرقام في حسابات المصالح.

  وكان يؤكد أهمية التضامن، لا باعتباره شعورًا عابرًا بالشفقة، بل التزامًا يجعلنا نرى الآخرين شركاء لنا في الإنسانية، وأن ندرك أن خير الفرد لا ينفصل تمامًا عن خير المجتمع.

  فليس الفقير مجرد شخص نمنحه بعض المال ثم نعود إلى حياتنا مطمئنين، بل إن وجود الفقر يطرح سؤالًا على المجتمع كله: كيف تُوزَّع الفرص؟ وكيف تُحمى كرامة العامل؟ وكيف يحصل الضعيف على حقه؟ وكيف نمنع أن تتحول الحاجة إلى وسيلة لاستغلال الإنسان؟

  إن الرحمة الحقيقية لا تكتفي بتخفيف آثار الألم، بل تسعى، بقدر استطاعتها، إلى معالجة أسبابه.

  وهنا يلتقي العمل الاجتماعي بالروحانية: عندما يصبح الحب مسؤولية، والصلاة دافعًا إلى الخدمة، والإيمان قوة تجعلنا نخرج من انغلاقنا على ذواتنا.

ثالث عشر:
  رجل الغفران

  من اللحظات التي بقيت عالقة في ذاكرة العالم زيارة يوحنا بولس الثاني للرجل الذي حاول اغتياله، محمد علي أغجا، في السجن عام 1983، حيث التقاه وتحدث إليه.

  كانت تلك الزيارة تعبيرًا ملموسًا عن قيمة الغفران في الإيمان المسيحي.

  فالغفران ليس إعلانًا بأن الجريمة لم تقع، ولا إنكارًا لخطورة الاعتداء، ولا إلغاءً للعدالة أو لحقوق الضحايا. إنه رفض لأن تصبح الكراهية هي العلاقة النهائية بين الإنسان ومن أساء إليه.

  قد يظل الجرح موجودًا، وقد تستمر تبعات الخطأ، وقد تكون هناك ضرورة للمحاسبة، لكن الغفران يفتح نافذة تمنع الشر من احتلال القلب كله.

  وهذه ليست دعوة سهلة، لأن الإنسان حين يتألم يميل إلى أن يطلب من الآخر أن يدفع ثمن ما فعله. أما الغفران، فيطلب منه أن يتحرر من الرغبة في الانتقام، من دون أن يتخلى عن الحقيقة أو يسمح باستمرار الظلم.

  إنه لا يغيّر الماضي، لكنه يستطيع أن يغيّر الطريقة التي يسكن بها الماضي داخلنا.

  ولعل من أعمق ما يمكن أن نتعلمه من هذه الشهادة أن الإنسان ليس مضطرًّا إلى أن يسمح للشر الذي تعرض له بأن يحدد كل ما سيصير إليه بعد ذلك.
  يمكن للجرح أن يكون حقيقيًّا، ومع ذلك لا تكون الكراهية قدرًا محتومًا.

رابع عشر:
رجل المصالحة مع التاريخ

  كان يوحنا بولس الثاني من الباباوات الذين أبدوا استعدادًا للاعتراف بأخطاء ارتكبها أبناء الكنيسة عبر التاريخ، وعبّر في مناسبات متعددة عن الحاجة إلى التوبة وتنقية الذاكرة.

  وقد بلغت هذه الروح إحدى محطاتها البارزة في يوم الغفران الذي احتُفل به في عام 2000، حين دعا إلى الاعتراف بالخطايا التي ارتكبها مسيحيون في سياقات تاريخية مختلفة، وبالشر الذي وقع باسم الدين أو ارتبط بإساءة استخدام السلطة.

  لم يكن المقصود أن تُختزل الكنيسة في أخطائها، ولا أن تُمحى شهادات القداسة والخدمة التي قدمها أبناؤها، بل أن يكون الإيمان بالحقيقة أقوى من الرغبة في الدفاع عن الصورة بأي ثمن.

  فالاعتراف بالخطأ لا يهدم الكرامة، بل قد يكون بداية استعادتها. والمؤسسة التي تستطيع أن تفحص ضميرها لا تصبح بالضرورة أضعف، بل تفتح أمام نفسها طريقًا للنضج والتطهير.

  والإنسان الذي يرفض الاعتراف بأخطائه قد يحافظ على مظهره أمام الآخرين، لكنه يظل أسيرًا لما يخشى مواجهته. أما الذي يتوب، فيعترف بأن الحقيقة أكبر من صورته عن نفسه، وأن الرحمة ليست عدوة العدالة، بل شريكة في استعادة الإنسان.

  وفي هذا المعنى، كان اهتمام يوحنا بولس الثاني بتنقية الذاكرة دعوة إلى أن تتحرر الأجيال من تكرار أخطاء الماضي، لا عن طريق إنكارها، بل عن طريق فهمها والتعلم منها.

خامس عشر:
البابا الذي رأى في الثقافة طريقًا إلى الإنسان

  لم يكن يوحنا بولس الثاني رجل عبادة فقط، بل كان مثقفًا وفيلسوفًا ومهتمًّا بالأدب والمسرح، وقد حملت سنوات شبابه في بولندا صلة واضحة بالفن والثقافة.

  وهذا الجانب مهم لفهم شخصيته؛ لأنه يكشف أن الروحانية لا تعني الانغلاق أمام جمال العالم، وأن الإيمان لا يخاف من السؤال الجاد، ولا من الفكر، ولا من التعبير الفني الذي يحاول أن يفهم التجربة الإنسانية.

  كان يعرف أن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، بل يحتاج أيضًا إلى المعنى، وإلى الكلمة التي تساعده على فهم نفسه، وإلى الجمال الذي يفتح أمامه نافذة على ما يتجاوز المنفعة المباشرة.

  فالفن يستطيع أن يجعلنا نرى ما اعتدنا ألا نراه، وأن نصغي إلى أصوات لم نكن ننتبه إليها، وأن نكتشف في تجربة شخص آخر شيئًا من تجربتنا الخاصة.

  والأدب، عندما يكون أمينًا للحقيقة الإنسانية، لا يقدّم لنا دائمًا أجوبة جاهزة، بل يساعدنا على أن نطرح الأسئلة التي تستحق أن تُطرح.

  لذلك لم تكن الثقافة، في رؤيته، زينة تضاف إلى الحياة الروحية، بل أحد المجالات التي يستطيع الإنسان من خلالها أن يبحث عن الحقيقة، وأن يعبّر عن حريته، وأن يكتشف كرامته.

سادس عشر:
البابا الذي جعل العالم يشعر بالأبوة

  ليس من السهل أن يكون الإنسان أبًا روحيًّا لملايين البشر. فالأبوة ليست مجرد لقب، ولا تنشأ من المنصب وحده، بل من القدرة على أن يشعر الآخر بأن وجوده مهم، وأن أسئلته مسموعة، وأن ضعفه لا يجعله أقل استحقاقًا للمحبة.

  وقد شعر كثيرون بأن يوحنا بولس الثاني قريب منهم، رغم أنهم لم يلتقوه شخصيًّا قط. كانوا يرونه على الشاشات، يسمعون صوته، يتابعون رحلاته، ويرون كيف يخاطب الأطفال والشباب والمرضى، وكيف يحاول أن يجد لغة مشتركة مع أشخاص من خلفيات مختلفة.

  كان في صورته شيء يجمع بين وقار الأب وعفوية الإنسان، وبين جدية المسؤولية وفرح اللقاء.

  ولعل هذا ما يجعل بعض الشخصيات تترك أثرًا يتجاوز حدود المكان والزمان: إنها لا تكتفي بأن تؤدي دورًا رسميًّا، بل تجعل الناس يشعرون بأن وراء الدور إنسانًا يستطيعون أن يقتربوا منه بقلوبهم.

  فالأبوة الحقيقية لا تجعل الآخرين أصغر لكي تبدو هي أكبر، بل تساعدهم على أن ينموا. ولا تجعل الأبناء متعلقين بشخص الأب وحده، بل تعينهم على اكتشاف دعوتهم، وبناء ضمائرهم، والوقوف على أقدامهم.

 ظوإذا كان يوحنا بولس الثاني قد ترك أثرًا في أجيال من المؤمنين، فذلك لأن رسالته لم تكن مجرد مجموعة من الوثائق والخطب، بل تجربة روحية وإنسانية عاشها كثيرون من خلال اللقاء والصلاة والرجاء.

سابع عشر:
فرحه الذي لم تهزمه السنوات

  كان الفرح أحد الملامح التي ارتبطت بصورته العامة؛ ذلك الفرح الذي يظهر في الابتسامة، وفي المزاح، وفي القدرة على التواصل مع الناس.

  لكن الفرح الذي يستحق أن نتأمله ليس الفرح الذي لا يعرف الحزن، بل الفرح الذي لا يترك الحزن يحتكر الحياة كلها.

  هناك ابتسامة تولد من سهولة الظروف، وهناك ابتسامة تولد من عمق الرجاء. الأولى قد تختفي عندما تتغير الأحوال، أما الثانية فتحاول أن تجد سببًا للحياة حتى عندما تصبح الطريق شاقة.

  لم يكن يوحنا بولس الثاني يعيش خارج المآسي الإنسانية، ولم يكن بعيدًا عن أوجاع الشعوب أو آلام جسده. ومع ذلك، ظل فرحه جزءًا من شهادته، لأنه كان مرتبطًا بإيمان يرى في الحياة أكثر من مجموع مصاعبها، وفي الإنسان أكثر من جراحه، وفي التاريخ أكثر من لحظاته المظلمة.

  وهذا الفرح ليس دعوة إلى إخفاء الدموع أو التظاهر بالقوة. فالإنسان يستطيع أن يبكي ويظل مؤمنًا، وأن يتعب ويظل راجيًا، وأن يعترف بضعفه من دون أن يفقد كرامته.

  إن الرجاء المسيحي لا يقول إن كل شيء جميل، بل يقول إن القبح ليس الكلمة الأخيرة؛ ولا ينكر أن الموت حقيقة، بل يعلن أن القيامة أفق يتجاوز الموت.

  ومن هنا، يمكننا أن نفهم ابتسامة البابا في ضوء أعمق من الملامح الشخصية: إنها تذكير بأن الإنسان يستطيع أن يحمل الألم من دون أن يتحول كله إلى ألم، وأن يظل قادرًا على منح الآخرين شيئًا من النور، حتى عندما يحتاج هو نفسه إلى من يسانده.

ثامن عشر:
ماذا بقي منه فينا؟

  رحل يوحنا بولس الثاني في الثاني من أبريل عام 2005، بعد حبريّة امتدت قرابة سبعة وعشرين عامًا. وبقيت صوره وخطبه وكتاباته وذكرياته في ذاكرة الكنيسة والعالم.

لكن السؤال الأهم ليس فقط: ماذا ترك وراءه؟
بل: ماذا بقي منه فينا؟

هل بقيت شجاعته عندما نواجه الخوف؟ هل بقيت محبته عندما نلتقي المختلفين عنا؟ هل بقي اهتمامه بالشباب عندما نصغي إلى أسئلتهم بدلًا من الاكتفاء بإصدار الأحكام عليهم؟ هل بقي احترامه لكرامة الإنسان عندما نتعامل مع الضعفاء والمرضى والمهمشين؟

هل تعلمنا منه أن الاعتراف بالخطأ لا ينتقص من الكرامة، وأن الغفران لا يلغي الحقيقة، وأن الإيمان لا يعفينا من المسؤولية، وأن القداسة ليست ادعاء الكمال، بل مسيرة مستمرة نحو المحبة؟

  إن أخطر ما يمكن أن يحدث للذاكرة هو أن تتحول إلى احتفال بالماضي لا يترك أثرًا في الحاضر. نستطيع أن نضع الصور في الكنائس والبيوت، وأن نستعيد الكلمات الجميلة، وأن نتحدث عن الإنجازات، لكن كل ذلك يفقد شيئًا من معناه إذا لم يتحول إلى حياة.

  فإذا أحببنا يوحنا بولس الثاني حقًّا، فلن يكفي أن نقول إنه كان رجلًا عظيمًا. ينبغي أن نسأل أنفسنا كيف يمكن أن نصير أكثر أمانة للإنجيل الذي بشّر به، وأكثر رحمة بالإنسان الذي دافع عنه، وأكثر استعدادًا للمصالحة التي دعا إليها.

  ليس مطلوبًا أن نصبح جميعًا بابوات، ولا أن نملك قدرة التأثير التي امتلكها، ولا أن نكرر أسلوبه في الكلام أو العمل. المطلوب أن نكتشف مسؤوليتنا الخاصة، وأن نعيشها بإخلاص، في المكان الذي وضعنا الله فيه.

  قد لا نستطيع تغيير العالم كله، لكننا نستطيع أن نغيّر شيئًا في العالم الذي يصل إلينا: كلمة قاسية نستبدل بها كلمة رحيمة، وحكمًا متسرعًا نمنحه وقتًا للفهم، وخصومة نفتح أمامها باب المصالحة، وإنسانًا مهمشًا نعيد إليه الشعور بأنه مرئي ومحبوب.

  وهكذا يصبح إرث القديسين حيًّا، لا لأنهم يظلون في الذاكرة وحدها، بل لأن شيئًا من نورهم ينتقل إلى حياة الآخرين.

تاسع عشر:
لماذا قلنا إنه كان يشبه المسيح؟

  لعلنا نعود هنا إلى إجابة الأطفال البسيطة، فنكتشف أنها كانت تحمل جوهر الحكاية كلها.
  أحببناه لأنه كان يشبهنا، ولكنه، بالأخص، كان يشبه المسيح.

  لم يكن المقصود أنه كان إنسانًا بلا أخطاء، أو أن كل ما قاله أو فعله لا يحتاج إلى قراءة تاريخية أو تمييز. فالبابا، مثل كل إنسان، يبقى إنسانًا محدودًا، مهما كانت عظمة دعوته واتساع مسؤوليته.

  لكننا حين نقول إنه كان يشبه المسيح، فإننا نشير إلى ما حاول أن يشهد له في حياته: إلى الدعوة إلى المحبة، وإلى كرامة الإنسان، وإلى الغفران، وإلى الصلاة، وإلى الرجاء الذي لا يستسلم للموت.

  كان يشبه المسيح عندما جعل من خدمته دعوة إلى العطاء، وعندما لم يسمح للمنصب بأن يمحو إنسانيته، وعندما اقترب من الألم بدلًا من أن يتظاهر بأنه لا يراه، وعندما ذكّر الناس بأن القوة الحقيقية ليست في السيطرة على الآخرين، بل في القدرة على خدمتهم من دون احتقارهم.

  وكان يشبهه، في نظر كثيرين، عندما حمل ضعفه في سنواته الأخيرة أمام أعين العالم، فلم يجعل من المرض سببًا لإنكار كرامته أو التخلي عن رسالته.
  إن التشبه بالمسيح ليس صورة نرسمها على وجوهنا، ولا كلمات نرددها بألسنتنا، بل طريق طويل يتعلم فيه الإنسان أن يحب كما أحب المسيح، وأن يخدم كما خدم، وأن يغفر من دون أن يساوم على الحقيقة، وأن يضع الرجاء فوق اليأس.

  وهذه الدعوة لا تخص البابا وحده. إنها دعوة لكل مسيحي، ولكل إنسان يريد أن يجعل من وجوده فرصة للخير.

  فربما لا يتذكر العالم أسماء كثيرين منا، وربما لا نترك وراءنا كتبًا أو صورًا أو خطبًا، لكننا نستطيع أن نترك في قلب إنسان واحد أثرًا من الرحمة، وأن نمنحه شجاعة للنهوض، وأن نساعده على استعادة ثقته بالحياة.

  وفي النهاية، أليست هذه إحدى الطرق التي يصبح بها الإنسان شاهدًا للمسيح؟
الخاتمة:
  أن يبقى الحب بعد الرحيل

  في نهاية هذه الرحلة مع البابا يوحنا بولس الثاني، نكتشف أن بعض الأشخاص لا تنتهي حكايتهم عندما تُطوى آخر صفحة من حياتهم، لأن ما عاشوه بصدق يستمر في حياة الآخرين، وما زرعوه بمحبة قد ينمو بعيدًا عن أعينهم، وما أشعلوه من رجاء يستطيع أن ينير طرقًا لم يسيروا فيها بأنفسهم.

  لقد رحل البابا، لكن الأسئلة التي أثارتها حياته ما زالت حاضرة: كيف نعيش إيماننا في عالم مضطرب؟ كيف نحافظ على نقاء قلوبنا وسط صراعات الحياة؟ كيف نواجه الشر من دون أن نصبح أسرى للكراهية؟ وكيف نقبل ضعفنا البشري من دون أن نفقد كرامتنا أو نستسلم لليأس؟

  لعل جوابه الأعمق لم يكن في الكلمات التي قالها فحسب، بل في الطريقة التي حاول أن يعيش بها رسالته، حتى عندما صار جسده عاجزًا عن القيام بما اعتاد أن يقوم به. ففي سنواته الأخيرة، حين أثقل المرض خطواته وأضعف صوته، ظل حضوره يذكّر العالم بأن قيمة الإنسان لا تقاس بقوته الجسدية، وأن الكرامة لا تسقط مع الشيخوخة، وأن الرسالة لا تفقد معناها عندما تتغير الوسائل التي نؤديها بها.

  وهنا نلمس شيئًا من سرّ المسيحية: أن الله لا ينظر إلى الإنسان كما ينظر العالم، وأن الضعف ليس نقيض الكرامة، وأن الحب لا يُقاس دائمًا بما نستطيع أن نفعله، بل أيضًا بما نظل نحمله في قلوبنا عندما لا تعود أيدينا قادرة على العطاء كما كانت.

  لم يكن يوحنا بولس الثاني كاملًا لأنه إنسان، لكنه ترك شهادة تستحق التأمل لأنه حاول أن يجعل حياته في خدمة ما آمن به. ولم يكن محبوبًا لأن الجميع اتفقوا معه في كل شيء، بل لأن حضوره ورسـالته تركا في حياة كثيرين أثرًا تجاوز حدود الاختلافات.

  أما نحن، فلا ينبغي أن نجعل من ذكراه مجرد حنين إلى زمن مضى، بل فرصة لمراجعة حياتنا. فكم من إنسان يحتاج اليوم إلى كلمة تشجعه، وكم من قلب ينتظر من يصغي إليه، وكم من شاب يحتاج إلى من يثق به، وكم من مريض يحتاج إلى من يحفظ كرامته، وكم من خصومة تنتظر إنسانًا شجاعًا يفتح لها باب المصالحة!

  قد لا نملك قدرة البابا على مخاطبة العالم، لكننا نملك القدرة على مخاطبة الإنسان الذي وضعته الحياة في طريقنا. وقد لا نستطيع أن نغيّر تاريخ الشعوب، لكننا نستطيع أن نمنع القسوة من أن تصبح لغتنا، واليأس من أن يصبح موقفنا، واللامبالاة من أن تصبح أسلوب حياتنا.
  وهكذا تتحول الذكرى إلى مسؤولية، والإعجاب إلى اقتداء، والمحبة إلى فعل.

لماذا أحببناه كثيرًا؟
  أحببناه لأنه ذكّرنا بأن وراء كل منصب إنسانًا، وأن وراء كل رسالة قلبًا، وأن الإيمان الحقيقي لا يبعدنا عن البشر، بل يجعلنا أكثر قربًا منهم. أحببناه لأنه جمع، في أجمل جوانب شهادته، بين قوة الإيمان وحنان الأبوة، وبين جدية المسؤولية وفرح الحياة، وبين التمسك بالحقيقة واحترام كرامة الإنسان.

  أحببناه لأنه، رغم بلوغه الثالثة والثمانين، ظل في قلوب كثيرين شابًّا لا يشيخ؛ فالشباب الذي نقصده ليس شباب الجسد، بل شباب الروح التي لا تتوقف عن الرجاء، والقلب الذي لا يعتاد القسوة، والإنسان الذي لا يكف عن البحث عن الخير.

  وأحببناه، قبل كل شيء، لأنه أعاد إلى ذاكرتنا تلك الإجابة البسيطة والعميقة التي قالها الأطفال: كان مثلنا، ولكنه، بالأخص، كان مثل المسيح.

  فما أعظم أن يستطيع إنسان، بكل محدوديته البشرية، أن يجعل الآخرين يلمحون من خلال حياته شيئًا من جمال الإنجيل! وما أجمل أن تكون ثمرة سنوات عمره ليست مجرد إنجازات تُسجَّل في التاريخ، بل قلوبًا تتشجع على المحبة، ونفوسًا تستعيد رجاءها، وأشخاصًا يكتشفون أن القداسة ليست حكرًا على أشخاص بعيدين، بل دعوة موجهة إلى كل من يريد أن يعيش مع الله ومن أجل الآخرين.

  وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم هو كم سنة عاش يوحنا بولس الثاني، ولا كم بلدًا زار، ولا كم إنسانًا التقى، بل كم قلبًا ساعده على أن ينهض، وكم نفسًا شجعها على ألا تخاف، وكم إنسانًا ذكّره بأن حياته ثمينة، وأن الله لم يتخلَّ عنه.

  فالعظمة التي تستحق البقاء ليست تلك التي تجعل الناس ينحنون أمام صاحبها، بل تلك التي تساعدهم على الوقوف بكرامة؛ وليست تلك التي تجعل اسم الإنسان أكبر من الآخرين، بل تلك التي تجعل الآخرين أكثر قدرة على اكتشاف ما أودعه الله فيهم من خير وجمال.

  البابا يوحنا بولس الثاني... بابا القلب النقي، ورجل الرجاء، وشاهد المحبة؛ رجل كبر في العمر، لكنه لم يكبر على الحلم، وتعب جسده، لكن رسالته لم تفقد معناها، ورحل عن هذا العالم، لكنه ترك في ذاكرة كثيرين سؤالًا حيًّا: كيف نجعل من حياتنا طريقًا يقود الآخرين إلى الله؟

  رحل جسده، وبقيت شهادته. غابت خطواته، وبقي الطريق الذي دعا إليه. وصمت صوته، لكن كلماته ما زالت تذكّرنا بأن الخوف ليس قدر الإنسان، وأن الألم ليس نهاية الحكاية، وأن المحبة تظل قادرة على فتح أبواب الرجاء حتى في أكثر اللحظات ظلمة.

  ولعل أجمل تكريم نقدمه له ليس أن نقول إننا أحببناه، بل أن نجعل من محبتنا له بداية لمحبة أعمق لله، وللكنيسة، وللإنسان؛ وأن نعيش، كلٌّ في موقعه ودعوته، بروح أكثر تواضعًا، وقلب أكثر نقاءً، وإيمان أكثر حياة، ورجاء لا ينطفئ.

  فإذا سألنا يومًا: ماذا بقي من البابا يوحنا بولس الثاني؟ فلنبحث عن الإجابة في كل قلب يتعلم أن يغفر، وفي كل يد تمتد إلى محتاج، وفي كل إنسان يختار الحقيقة بدلًا من الكذب، والسلام بدلًا من الكراهية، والرجاء بدلًا من اليأس.

  هناك، في تلك اللحظات الصغيرة التي لا تصنع عناوين الأخبار، تستمر رسالة المحبة، ويصبح ذكر الراحلين الصالحين بذرة حياة جديدة.

  فليمنحنا الله نعمة أن نكبر في العمر من دون أن نكبر على المحبة، وأن نتعب من دون أن نفقد الرجاء، وأن نضعف من دون أن نفقد كرامتنا، وأن نعيش كل يوم بطريقة تجعل الآخرين يلمحون فينا شيئًا من نور المسيح.
الأب أغسطينوس؛ بالميلاد:ميلاد سامي ميخائيل بطرس طوس...