القمص يوحنا نصيف 
    يتأمّل القدّيس كيرلّس الكبير في مشهد المسيح المُعَلّق على الصليب (لو23: 32-43)، بكلمات عميقة وجميلة، مُذَكِّرًا إيّانا بالعديد من النبوءات التي تحدّثَتْ تفصيليًّا عن أحداث الصلب. أقتطفُ في هذا المقال من كلماته بعض الفقرات:

    + إنّ الطوباوي بولس يَعتَبِر سِرّ تجسُّد الابن الوحيد جديرًا بكلّ إعجاب. وإن جاز القول فإنّه يُبدي اندهاشه من حكمة وسموّ تدبير الخلاص فيقول: "يا لعمق غِنى الله وحكمتِهِ وعِلمِهِ" (رو11: 33). فانظروا كيف أنّ مُخَلِّص وربّ الكلّ، الذي به أوجَدَ الآبُ كلَّ شيء، يُجَدِّد طبيعة الإنسان ويستردّها إلى ما كانت عليه في البدء، بصيرورته هو نفسه مثلنا، وحَملَهِ لآلامنا من أجلنا.

    + الإنسان الأوّل كان حقًّا في البدء في فردوس البهجة، وقد أنعم الله عليه بغياب كلٍّ من الألم والفساد، ولكن عندما احتَقَر الوصيّة التي أُعطِيَت له، وسقط تحت اللعنة والدينونة وفي فخّ الموت، بأكلِهِ من الشجرة المُحَرَّمة، فإنّ المسيح -كما قُلتُ- رَدَّهُ إلى وضعه الأصلي بواسطة الشجرة (الخشبة، أي بواسطة خشبة الصليب). إذ احتمل الصليب الثمين لأجلنا كي يبيد الموت، الذي بواسطة الشجرة غزا أجساد البشر.

    + احتمل الآلام لكي يخلّصنا من الآلام، وكما هو مكتوب: "اِحتُقِرَ وخُذِلَ من الناس" (إش53: 3 سبعينيّة) لكيما يجعلنا مكرّمين، ولم يَفعل خطيّة لكيما يكلّل طبيعتنا بمجد مشابه.. وهو الذي يُعطِي حياةً للعالم خَضَع للموت بالجسد. أفليس السرُّ عميقًا إذن؟ ألا يلزمنا الاعتراف بأنّ التدبير أعظم مِمّا يمكن لِلُّغة أن تصفه؟ أيّ شكّ يمكن أن يوجَد في هذا؟ لذلك ليتنا عندما نُقَدِّم له التسبيح أن نُكَرِّر ما أنشده المرنّم بقيثارته: "ما أعظم أعمالك.. كلّها بحِكمةٍ صُنِعَتْ" (مز103: 4س).

    + عندما عُلِّق [الربّ] على الصليب الثمين، صُلِبَ معه اثنان من اللصوص.. كان قصد اليهود حقًّا من هذا هو السخرية به إلى أبعد حَدّ ممكن، لكنّه من ناحية أخرى كان تذكيرًا بالنبوّة، لأنّه مكتوبٌ أنّه "أُحصِيَ مع أَثَمَةٍ" (إش53: 12س) لأنّه من أجلنا صار لعنةً، أي ملعونًا، لأنّه مكتوبٌ أيضًا: "ملعونٌ كلُّ مَن عُلِّقَ على خشبة" (تث21: 23). لكن عمله هذا أَبطَلَ اللعنة التي كانت علينا، لأنّنا معه وبسببه نكون مبارَكين، وإذ يُعَلِّم بهذا الطوباوي داود، فإنّه يقول: "مُبارَكون نحن من الربّ الذي خلق السماء والأرض" (مز113: 23س). لأنّ بآلامه حَلَّت علينا البركات.

    + إنّه دفع ديوننا بدلاً عنّا وحمل خطايانا، وكما هو مكتوب: "هو حمَلَ خطايانا وجُلِدَ عِوَضًا عنّا" (إش53: 6س)، "وهو حَمَلَ خطايانا في جسده على الخشبة" (1بط2: 24). حَقًّا إنّنا "بحُبُرِهِ [بكدماته] شُفِينا" (إش53: 5س). هو أيضًا تألّم بسبب خطايانا، وبهذا خلَّصَنا من أمراض النفس.

    + هو احتمل الهُزءَ والازدراء والبَصق، لأنّ رؤساء مجمع اليهود استهزأوا به، وهزّوا رؤوسهم النجسة، وصَبُّوا عليه ضحكهم المرير قائلين: "خلَّصَ آخَرين، فليُخَلِّص نفسَه إن كان هو المسيح". لكن إن كنتم حقًّا لا تؤمنون أنّه هو المسيح، فلماذا قتلتموه كالوريث؟ لماذا ترغبون في الاستيلاء على ميراثه؟ وإن كان قد خَلّص آخَرين، وأنتم تعرفون جيّدًا أنّ الأمر حقًّا هكذا، فكيف تُعوِزُهُ القوّة لأن يُخَلِّص نفسه من بين أيديكم؟!

    + أنتم سمعتم في الهيكل أولئك الذين كانت وظيفتهم أن يُرَتِّلوا وينشِدوا في الخورس، يقولون على الدوام: "ثقبوا يديّ ورِجلَيَّ.. أحصوا كلّ عظامي، وهُم ينظرون ويتفرّسون فيّ، يقسمون ثيابي بينهم، وعلى لباسي يقترعون" (مز21: 16-18س)، وكذلك: "يعطونني علقَمًا لطعامي، ولعطشي يعطونني خَلًّا لأشرب" (مز68: 21س). وحيث أنّكم متمرّسون في الناموس -مثلما تَعتَبِرون أنفسكم هكذا- فكيف يتأتّى لكم أن تتركوا النبوءة دونما فحص؟!

    + كان واجبكم أن تستفهِموا، وتبحثوا عَمَّن قيلَت هذه الأشياء؟ أقصِدُ على أيّ شخص يليق بكم أن تُطَبِّقوا هذه الآيات؟ أنتم سمعتم قائدكم العظيم موسى يُنبِئكم عن وحشيّة هجماتكم، لأنّه قال إنّكم "سوف تُبصِرون حياتكم مُعَلَّقة على خشبة" (تث28: 66س). أي سترون الذي هو عِلّة [مصدر] الحياة، أو بالحريّ مَن هو الحياة ذاتها، مُعَلَّقًا على خشبة، فكيف تتجاهَلون تمامًا نبوءة موسى الذي تفتخرون به جدًّا؟ لأنّنا سمعناكم تُصَرِّحون علانيةً: "نحن تلاميذ موسى" (يو9: 28)!

 [عن تفسير إنجيل لوقا للقدّيس كيرلّس السكندري (عظة 153) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد]
القمص يوحنا نصيف