بقلم : أيمن فايز 
ليس أخطر ما يفعله الفنان أن يرسم إنسانًا على غير حقيقته، بل أن يمنحه في الصورة مكانة لم تثبتها حياته. فقد يستطيع اللون أن يجعل الثوب أكثر مهابة، والتكوين أن يجعل الشخص أكبر من الآخرين، والذهب أن يحيط رأسه بالمجد. لكن شيئًا من ذلك لا يستطيع أن يجعل الإنسان عظيمًا.

ولهذا لا تكفي دراسة الفن المقدس من خلال أسماء الشخصيات والرموز التي تحملها. ينبغي أن نسأل أيضًا: كيف وزّع الفنان الأجساد داخل المساحة؟ أين وضع مركز الثقل؟ ومن الذي جعله فاعلًا، ومن اكتفى بإظهاره حاضرًا؟

فقد يكون أهم إنسان في الصورة هو أقلهم ارتفاعًا.

من بين الصور التي وصلتنا من المسيحية المبكرة، يظل الراعي الصالح من أكثرها إثارة للتأمل. ظهر في مدافن رومانية تحت الأرض، حيث كان الأحياء يأتون لدفن موتاهم وإحياء ذكراهم، وحيث حضرت أيضًا صور يونان ونوح ولعازر، في سياقات مرتبطة بالنجاة والرجاء في الحياة.

لم يكن اختيار هذه المشاهد مجرد رغبة في تزيين مكان الموت. لقد أتاحت الصور للإنسان أن يرى حكايات يعرفها من الإيمان في موضع يواجه فيه هشاشة حياته.

والراعي نفسه لم يكن شكلًا اخترعه المسيحيون من العدم. فقد عرف الفن اليوناني الروماني حامل الكبش قبل المسيحية. لكن الصورة، حين دخلت السياق الجنائزي المسيحي، أصبحت قابلة للقراءة في ضوء المسيح الراعي ونصوص الإنجيل.

والفارق بين معرفة أصل الشكل وفهم استعماله الجديد هو أحد أهم دروس تاريخ الفن: فانتقال الهيئة من ثقافة إلى أخرى لا يعني بالضرورة بقاء معناها كما كان.

في بعض هذه الصور نرى شابًا يحمل خروفًا على كتفيه. لم يصور الفنان القطيع كله، ولا الصحراء التي ضل فيها الخروف، ولا رحلة البحث. لقد اختزل الحكاية في حركة واحدة، وجعل الجسد الإنساني حاملًا لثقل جسد آخر.

الخروف فوق الكتفين، والراعي هو الذي يتحمل وزنه.

إنه ترتيب بصري بسيط، لكنه يقلب العلاقة التي اعتدناها بين صاحب السلطة ومن تقع عليه المسؤولية. فالذي يقود لا يظهر محمولًا على أكتاف الآخرين، بل حاملًا من يحتاج إليه.

وهنا لا نحتاج إلى معرفة اسم الفنان حتى نتعلم من اختياره. فالصورة لا تُظهر الرعاية بالكلمات، بل بتوزيع الوزن. والكتفان لا يحملان علامة السلطة، بل نتيجة المسؤولية.

لكن الخروف في هذه الصورة ليس الخطية نفسها. ففي لوقا 15 هو الضال الذي بحث عنه الراعي حتى وجده وحمله فرحًا. أما في قول يوحنا المعمدان «هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم» (يوحنا 1: 29)، فالحمل هو المسيح. وفي سفر الرؤيا يظهر الحمل المذبوح قائمًا، فتجتمع في صورته الذبيحة والانتصار.

والتمييز ضروري؛ لأن الصورة الواحدة قد تستعمل الشكل نفسه لتعليم حقائق مختلفة. فلا يجوز لكاتب الإِيقونة أن يستبدل معرفة النص بانطباعه عن الرمز.

بل إن سؤالًا آخر يفرض نفسه: لماذا يظهر الراعي في مكان الدفن؟
لا نستطيع أن نجزم بأن كل فنان قصد المعاني اللاهوتية نفسها، لكن وجود صورة الراعي إلى جانب مشاهد الخلاص والحياة يسمح بفهمها ضمن رجاء مسيحي يتجاوز الموت. فالراعي الذي يستعيد الضال هو أيضًا، في إنجيل يوحنا، الذي يبذل حياته عن الخراف.

غير أن البذل هنا لا يعني الاستعباد.

يقول المسيح: «ليس أحد يأخذها مني، بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها، ولي سلطان أن آخذها أيضًا» (يوحنا 10: 18).

إنه لا يقدّم نفسه إنسانًا امتلك الآخرون حق التصرف فيه، بل راعيًا يختار أن يعطي حياته. ومن ثمّ لا يمكن أن تصبح الرعاية المسيحية مبررًا لاستنزاف الراعي، كما لا يمكن أن يصبح السلطان مبررًا لاستغلال القطيع.

وهذا ما يجعل الصورة القديمة أشد عمقًا مما يبدو: فالراعي يحمل الخروف، لكنه لا يصبح ملكًا له، والخروف يُحمل لأنه محتاج، لا لأنه اكتسب حق استعباد من يحمله.

وفي فسيفساء الراعي الصالح بضريح غالا بلاسيديا في رافينا، نرى معالجة فنية أخرى للموضوع.

المسيح جالس وسط ستة خراف، يرتدي الذهب والأرجوان، ويحمل عصًا تنتهي بصليب، ويمد يده نحو خروف قريب.

هنا لم يعد جسد الراعي والخروف كتلة واحدة. لقد أصبح المسيح مركزًا تتوزع حوله الخراف، ويعمل اتجاه رؤوسها على إعادة عين المشاهد إليه.

والتفصيل اللافت أن العصا التي كانت في الحياة الرعوية أداة قيادة وحماية، أصبحت تحمل علامة الصليب. لا نرى المسيح مصلوبًا، بل حيًا وممجَّدًا، يحمل الصليب في هيئة تجمع بين الرعاية والسلطان والانتصار.

والعصا ليست مجرد شارة منصب. ففي المزمور الثالث والعشرين يقول المرنم: «عصاك وعكازك هما يعزيانني». إنها علامة حماية وقيادة. لكن وجود الصليب في نهايتها يضع أمامنا الراعي الذي لم يحمِ خرافه من بعيد، بل بذل حياته من أجلها.

ومع ذلك، لم يجعل الفنان المجد حاجزًا بين المسيح وقطيعه. فهناك يد تمتد لتلمس خروفًا. وإذا كانت العصا تمنح التكوين محورًا مهيبًا، فإن اليد الأخرى تعيد إليه العلاقة الإنسانية القريبة.

لقد استطاع الفنان أن يجمع بين السلطان والحنان دون أن يلغي أحدهما الآخر.

وهنا ينبغي أن نتوقف عند أمر لا يظهر دائمًا في أحاديثنا عن الرعاية: المسيح لم يكن الراعي وحده.

كان المعلم الذي ناقش الكتبة والفريسيين والصدوقيين، وواجه التفسير الذي يفصل الشريعة عن الرحمة. وهو الذي وقف أمام بيلاطس، فلم يجعل سلطان الوالي معيارًا للحقيقة. وهو الذي قبل الموت بإرادته، وقام منتصرًا عليه.

وفي فسيفساء سانتا بودنتسيانا بروما، نرى المسيح معلمًا بين الرسل، يحمل الكتاب وتحيط به الجماعة. لقد تحولت سلطة التعليم إلى تكوين بصري: مركز وحوله أشخاص، لكن وجودهم ليس زخرفة؛ فهم الذين يتلقون الكلمة ويُرسلون ليشهدوا لها.

وهذا يختلف عن صورة الراعي الحامل. فهناك علّمنا الفنان من خلال الثقل، وهنا يعلّمنا من خلال العلاقة بين المركز والجماعة.

لكن الإنجيل يضع المعلم نفسه في هيئة لم يكن من السهل على كل تصور للسلطة أن يقبلها.

«يسوع وهو عالم أن الآب قد دفع كل شيء إلى يديه» قام عن العشاء وغسل أقدام تلاميذه (يوحنا 13: 3–5).

لم ينحنِ لأنه فقد سلطانه، بل وهو يعلم أن كل شيء قد دُفع إلى يديه.

وفي تصوير غسل الأرجل، يستطيع الفنان أن يجعل هذه المفارقة مرئية من خلال ارتفاع الأجساد وانخفاضها. فالمعلم ينحني أمام التلميذ، لكن الانحناء لا يغير حقيقة العلاقة؛ إنه يكشف كيف اختار صاحب السلطان أن يمارسه.

والخدمة هنا ليست مشهدًا يُؤدّى ثم ينتهي. فالمسيح يقول: «أعطيتكم مثالًا حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضًا» (يوحنا 13: 15).

وهذا يجعل غسل الأرجل امتحانًا لكل من يحمل مسؤولية، سواء أكان رجل دين أم علمانيًا. فالذي ينحني في احتفال ثم يرفض الإصغاء، أو يطالب الآخرين بالخدمة بينما يحتفظ لنفسه بكل امتياز، لم يفهم بالضرورة ما مثّله جسده أمام الناس.

لكن النقد لا يجوز أن يتوقف عند أصحاب المناصب.

ففي حزقيال 34، بعد إدانة الرعاة الذين رعوا أنفسهم وأهملوا القطيع، تأتي إدانة أخرى قد تغيب عن قراءاتنا: خراف تأكل المرعى الجيد ثم تدوس ما تبقى، وتشرب الماء الصافي ثم تعكره على غيرها.

إنه نص لا يسمح لنا بتقسيم الجماعة إلى رعاة مذنبين وخراف بريئة دائمًا.

فقد يكون المؤمن العلماني صاحب علم أو مال أو نفوذ، فيجعل مما أُعطي له فرصة لتعليم الشباب أو بناء مؤسسة أو خدمة المحتاجين. وقد يستخدم الإمكانات نفسها لفرض رأيه أو تعطيل مشروع لأنه لا يحمل اسمه.

وقد يكون الاعتراض على قرار كنسي دفاعًا عن الحق، لا تمردًا على السلطة. فالأمانة لا تعني الصمت، كما أن المشاركة لا تعني الاستحواذ.

وفي رسالة بطرس الأولى دعوة إلى الجميع: «ليكن كل واحد بحسب ما أخذ موهبة يخدم بها بعضكم بعضًا، كوكلاء صالحين على نعمة الله المتنوعة» (4: 10).

فالموهبة ليست ملكية مطلقة، والمنصب ليس صكّ امتلاك، والمال الذي يخدم الكنيسة لا يشتري ضمائرها. وكل هؤلاء مدعوون إلى خدمة لا تلغي حرية الإنسان ولا تجعل الآخرين عبيدًا لإرادته.

وقد استطاع الفن أن يصوغ هذه المفارقة في مشهد آخر شديد القوة.

في تصوير حلم البابا إينوسنت الثالث ضمن دورة حياة القديس فرنسيس الأسيزي، المنسوبة تقليديًا إلى جوتّو وورشته، يظهر البابا نائمًا، بينما يرى في حلمه فرنسيس الفقير يسند كنيسة اللاتران التي توشك على السقوط.

هنا ينبغي ألا نتعجل تحويل الصورة إلى إدانة للبابوية أو تمجيد للفقر في ذاته. فالحلم، في الرواية الفرنسيسكانية، يرتبط برسالة فرنسيس في تجديد الكنيسة، لا بإلغاء دور البابا.

لكن الفنان اختار ترتيبًا تشكيليًا يثير التفكير.

البابا حاضر في فراشه، بما يدل على مكانته، أما فرنسيس فلا يحمل تاجًا ولا صولجانًا. إنه يضع جسده تحت البناء المائل ويسنده.
لقد جعل الفنان العمارة عنصرًا فاعلًا في الحكاية. فميلان الجدران يكشف الخطر، ووضعية جسد فرنسيس تجعل فعل الإسناد واضحًا. ولو لم يكن البناء مائلًا لما فهمنا الحركة بالطريقة نفسها.

هنا يعود إلينا الراعي الأول، لا بوصفه صورة مكررة، بل باعتباره مفتاحًا لفهم لغة تشكيلية جديدة.

فالراعي حمل الخروف، وفرنسيس يسند الكنيسة.

وفي الحالتين، لا تُقاس المسؤولية بما يحمله الإنسان من علامات، بل بما يتحمله من ثقل.

لكن ذلك لا يجعل كل صاحب تاج متغطرسًا، ولا كل إنسان بلا منصب خادمًا أمينًا. فالتاج في الفن المسيحي قد يكون علامة مُلك، وقد يكون إكليل مجد أو استشهاد أو انتصار. ولا يصح اختزال كل هذه المعاني في رمز للكبرياء.

المشكلة ليست في العلامة، بل في المسافة التي قد تنشأ بينها وبين حياة حاملها.

وفي مشهد الدينونة في فسيفساء سانت أبوليناري نوفو برافينا، يظهر المسيح بين الخراف والجداء. وقد استطاع الفنان أن يجعل الفصل مرئيًا بمجرد توزيع المجموعتين على جانبيه.

لكن إذا عدنا إلى متى 25، وجدنا أن معيار الدينونة لا يقوم على المظهر أو اللقب، بل على أفعال الرحمة: إطعام الجائع، وسقي العطشان، واستقبال الغريب، وكسوة العريان، وافتقاد المريض والسجين.

إنه أمر بالغ الأهمية لمن يقرأ الفن المقدس.

فالصورة تستطيع أن تُظهر لنا مَن يقف عن اليمين ومَن يقف عن اليسار، لكنها لا تمنحنا حق وضع الأشخاص الذين نعرفهم في أيٍّ من الجانبين.
لقد رسم الفنان الفصل، أما الإنجيل فكشف معيار الحكم.

وهكذا تصبح صورة الدينونة تحذيرًا لمن يستعمل الدين لإدانة الآخرين، مثلما تصبح صورة الراعي امتحانًا لمن يستعمل الرعاية لتبرير سلطانه.

وإذا عدنا إلى بدايات الفن المسيحي، اكتشفنا أن هذه الصور لم تكن مجرد زينة جاءت بعد اكتمال التعليم. فقد حضرت في المدافن، وفي مواضع المعمودية كما في الكنيسة المنزلية بدورا أوروبوس في القرن الثالث، ثم اتسعت برامجها في الكنائس الكبرى.

وكانت وظيفتها أوسع من مجرد تعليم من لا يقرأ. فهي تساعد على التذكر والتأمل، وتربط الحكاية الكتابية بالمكان الذي يعيش فيه المؤمن خبرته.
لكنها لا تستطيع أن تحل محل النص.

ففي سقف الكنيسة السيستينية، جعل ميكيلانجيلو المسافة الصغيرة بين إصبعي الله وآدم مركزًا بصريًا لمشهد الخلق. لم يصف سفر التكوين هذه الحركة، لكنها أصبحت من أشهر الصور التي يتذكر بها الناس قصة خلق الإنسان.

وهنا تظهر قوة الفنان ومسؤوليته في الوقت نفسه. فهو قادر على أن يجعل تفصيلًا من اختياره يعيش قرونًا في الذاكرة، وربما يقود زائرًا جاء من أجل الجمال إلى قراءة النص أو التأمل أو الصلاة.

لكنه لا يملك أن يجعل ما أضافه مساويًا لما قاله الكتاب المقدس.

ومن هنا فإن كاتب الإِيقونة ليس مجرد صاحب يد ماهرة. إنه يحتاج إلى معرفة النص الكتابي، وتاريخ الصورة، واللغة التي يتحدث بها اللون والفراغ والحركة، وإلى تواضع الباحث الذي يميز بين ما يراه في العمل، وما تثبته الوثيقة، وما يقترحه التأمل.

فقد يتعلم الإنسان من عمل فني عمره قرون أكثر مما يتعلم من خطاب طويل، لا لأن الصورة ألغت الكلمة، بل لأنها جعلته ينتبه إلى ما اعتاد المرور عليه دون أن يراه.

وأعود أخيرًا إلى الشاب الذي يحمل خروفًا فوق كتفيه.

لم يمنحه الفنان تاجًا، ولم يجعله على عرش، ولم يحتج إلى تصوير جمهور يصفق له. كانت الحركة وحدها كافية لكي نرى معنى الرعاية.

لكن الإنجيل يحمينا من أن نحول هذا المشهد إلى مطالبة لا تنتهي بأن يحمل إنسان أعباء الجميع. فالمسيح الذي بذل حياته قال أيضًا إنه وضعها من ذاته.

بين هذين المعنيين تقوم مسؤولية الكنيسة كلها: راعٍ لا يتخذ المنصب امتيازًا، ومؤمن لا يتخذ احتياجه ذريعة لاستعباد من يخدمه، وصاحب موهبة لا يجعل عطاءه وسيلة لامتلاك الآخرين.

وربما كانت أكثر الصور التي تحتاج إليها الكنيسة اليوم ليست صورة جديدة لكرسي أو تاج أو احتفال، بل صورة تستطيع أن تكشف ما تخفيه المظاهر:
مَن الذي يحمل فعلًا؟ ومَن الذي يثقل على أكتاف الآخرين؟