مدحت قلادة
ليس من السهل أن يجمع الإنسان بين قوة الموقف ونُبل الخُلُق، وبين الإخلاص لقضية يؤمن بها والتواضع في خدمتها. فهناك من يلفت الأنظار بما يقول ويكتب، وهناك من يترك أثرًا أعمق بما يفعله، وبما يمنحه للآخرين من فرص، وبما يبذله من جهد بعيدًا عن الأضواء.

ومن بين هذه النماذج يبرز الدكتور إبراهيم حبيب، الطبيب والناشط الحقوقي القبطي المقيم في بريطانيا، الذي أرى فيه نموذجًا متميزًا للإنسان الذي جعل من الدفاع عن حقوق الأقباط رسالة مستمرة، ومن خدمة القضية مسؤولية أخلاقية، ومن التواضع منهجًا في التعامل والعمل.

إن الكتابة عنه ليست مجرد إشادة بناشط حقوقي، بل شهادة شخصية في حق إنسان أدرك أن قيمة العمل لا تُقاس بمدى ظهور صاحبه، وإنما بما يحققه من أثر، وبقدرته على جمع الطاقات وتشجيع الآخرين على المشاركة.

التواضع.. جوهر القيادة الحقيقية
أبرز ما يلفت الانتباه في شخصية الدكتور إبراهيم حبيب هو تواضعه. فهو يتعامل مع الآخرين بودّ وترحاب، ويمنحهم الشعور بالثقة، ويشجعهم على المشاركة وتحمل المسؤولية، دون أن يجعل من مكانته أو خبرته حاجزًا بينهم وبينه.

وهذه سمة مهمة في العمل الحقوقي؛ فالقضايا الكبرى لا يستطيع فرد واحد أن يحملها وحده، مهما امتلك من معرفة أو خبرة أو علاقات. إنها تحتاج إلى تعاون، وإلى أشخاص يؤمنون بالهدف المشترك، وإلى قيادة تعرف كيف تتيح المجال للآخرين بدلًا من احتكار الأدوار.

والقائد الحقيقي ليس بالضرورة من يتصدر كل مشهد أو ينسب كل نجاح إلى نفسه، بل قد يكون من يساعد الآخرين على اكتشاف قدراتهم، ويفتح أمامهم أبواب المشاركة، ويسعد بما يحققونه من نجاح.

هذا ما لمسته في الدكتور إبراهيم: اهتمامه بالعمل نفسه أكثر من اهتمامه بالظهور، وحرصه على أن تكون القضية محور الجهد، لا الأشخاص القائمون عليها. وهو ما يجعل تواضعه، في تقديري، ليس مجرد صفة شخصية محببة، بل عنصرًا أساسيًا في أسلوبه في العمل العام.

شهادة شخصية.. من التعارف إلى الاقتناع
بدأ تعارفي بالدكتور إبراهيم حبيب خلال المؤتمر القبطي الذي عُقد عام 2004 تحت عنوان «أقلية تحت الحصار». ومنذ ذلك اللقاء، أخذت تتكون لديّ قناعة متزايدة بأنني أمام شخصية تستحق التقدير، ليس فقط بسبب نشاطها في مجال حقوق الأقباط، بل أيضًا لما تتمتع به من صفات إنسانية وأخلاقية.

ومع مرور الوقت، ازدادت قناعتي به من خلال مواقفه وطريقته في التعامل مع الآخرين. فقد وجدته إنسانًا محبًا، ذكيًا، مشجعًا، وحريصًا على منح غيره فرصًا حقيقية للمشاركة في العمل الحقوقي.

ومن المواقف التي أعتز بها أن الدكتور إبراهيم كان له فضل في إتاحة الفرصة لي للمشاركة في مؤتمر حقوقي عُقد في جنيف في نوفمبر 2012. ولم تكن أهمية هذه المشاركة بالنسبة إليّ مقتصرة على حضور مؤتمر دولي، بل تمثلت أيضًا في دلالتها الإنسانية: أن هناك من يؤمن بقدرات الآخرين، ويسعى إلى مساعدتهم على إيصال أصواتهم والمساهمة في القضايا التي يؤمنون بها.

إن منح شخص فرصة للمشاركة قد يبدو أمرًا بسيطًا، لكنه قد يفتح أمامه آفاقًا جديدة، ويعزز ثقته بقدرته على الإسهام. والأجمل أن يتم ذلك دون منّة أو استعراض، بل انطلاقًا من إيمان بأن نجاح العمل الجماعي يتطلب توسيع دائرة المشاركة.

ولهذا، فإن تقديري للدكتور إبراهيم لا يستند إلى مجاملة عابرة، وإنما إلى تجربة شخصية ومتابعة لمسيرته، وإلى ما رأيته من انسجام بين مبادئه وسلوكه.

مسيرة حقوقية تتجاوز حدود الكلام
بدأ اهتمام الدكتور إبراهيم حبيب المنظم بحقوق الأقباط في منتصف التسعينيات، في أعقاب زيارة اللورد ألتون إلى مصر عام 1994، وما ارتبط بها من اهتمام بأوضاع الأقباط، ومنه التقرير المعروف بعنوان Tightening the Noose on Egypt.

ومنذ ذلك الوقت، انخرط في أنشطة حقوقية متعددة، شملت المشاركة في المناقشات البرلمانية في بريطانيا حول حقوق الأقباط، والتعاون مع منظمات معنية بحرية الدين وحقوق الأقليات، وإعداد الدراسات والتقارير، والمشاركة في المؤتمرات الدولية.

كما أسهم في تأسيس منظمة «الأقباط المتحدون» لحقوق الإنسان في بريطانيا، بهدف مساندة الأقباط الذين يتعرضون للاضطهاد في مصر، وتسليط الضوء على أوضاعهم أمام الرأي العام العالمي. وتولى كذلك مسؤوليات في العمل الحقوقي القبطي، من بينها رئاسة جمعية الأقباط المتحدون لحقوق الإنسان في بريطانيا، وشغل منصب نائب رئيس اتحاد المنظمات القبطية الأوروبية لحقوق الإنسان.

وقد امتد نشاطه إلى المؤسسات الأوروبية والدولية، حيث عمل على إيصال قضايا الأقباط إلى أعضاء في البرلمان الأوروبي ومجلس اللوردات البريطاني، وبناء علاقات تساعد على إبقاء هذه القضايا حاضرة في النقاشات السياسية والحقوقية.

وقد شاركتُ معه في لقاءات عُقدت في البرلمان الأوروبي، وشهدت حرصه على متابعة الاتصالات مع أعضاء البرلمان بعد الاجتماعات، مستفيدًا من إجادته للغة الإنجليزية وقدرته على عرض القضية والتواصل المباشر مع المسؤولين.

وهذا الجانب من العمل يحتاج إلى صبر ومثابرة؛ فالقضايا الحقوقية لا تجد طريقها إلى الاهتمام الدولي من خلال لقاء واحد أو تقرير واحد، بل تتطلب متابعة مستمرة، وتوثيقًا للوقائع، وعلاقات مهنية، وقدرة على إعادة طرح المطالب أمام الجهات المعنية.

ومن المحطات المهمة في مسيرته تقديم دراسة إلى مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالأقليات عام 2005، تناولت المادة الثانية من الدستور المصري وما أثارته من إشكاليات تتعلق بالمساواة والحقوق الأساسية للأقباط.

وتكشف هذه المسيرة عن إيمان بأن الدفاع عن الحقوق لا ينبغي أن يتوقف عند التعبير عن المواقف أو إدانة الانتهاكات، بل يجب أن يتواصل عبر العمل المؤسسي، وتقديم المعلومات، والتواصل مع أصحاب القرار، والسعي إلى تحويل الاهتمام بالقضية إلى خطوات عملية.

طبيب المهنة.. وحقوقي الرسالة
وُلدت مسيرة الدكتور إبراهيم المهنية في المجال الطبي؛ فقد حصل على شهادته الطبية عام 1976، وواصل تطوير مؤهلاته المهنية، ثم عمل في بريطانيا طبيبًا منذ فبراير 1992، واستقر عمله في مقاطعة ستافوردشاير. كما حصل على مؤهلات إضافية، من بينها دبلوم في الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية عام 2008.

إن الجمع بين العمل الطبي والنشاط الحقوقي يعكس قدرة الإنسان على توظيف خبرته ووقته في مجالات متعددة من خدمة الآخرين. فالطب يسعى إلى تخفيف الألم وصون الحياة، والعمل الحقوقي يسعى إلى حماية الكرامة والحريات الأساسية. وعلى اختلاف أدوات المجالين، يظل الإنسان محور الاهتمام فيهما.

ولم يكن نشاط الدكتور إبراهيم الحقوقي عملًا عابرًا على هامش حياته المهنية، بل مسارًا امتد سنوات طويلة، بالتوازي مع مسؤولياته الطبية والأسرية. وهذه الاستمرارية تستحق التقدير؛ لأن الحماسة قد تدفع الإنسان إلى بداية قوية، أما مواصلة العمل على مدى عقود فتحتاج إلى إيمان راسخ بالقضية واستعداد لتحمل أعبائها.

العمل الحقوقي مسؤولية مشتركة
من الأخطاء الشائعة اختزال النشاط الحقوقي في الظهور الإعلامي أو كتابة المقالات أو المشاركة في المؤتمرات، وكأن من لا يتصدر المشهد لا يؤدي دورًا حقيقيًا.

والواقع أن العمل الحقوقي أوسع من ذلك بكثير. فهناك من يوثق الانتهاكات، ومن يعدّ التقارير، ومن يتواصل مع المؤسسات، ومن ينشر الوعي، ومن يترجم المعلومات، ومن يساعد على إيصال صوت المتضررين إلى الجهات القادرة على التأثير.

ليس مطلوبًا من الجميع أن يؤدوا الدور نفسه؛ فلكل شخص إمكاناته وخبراته ووسائله. قد يكتب أحدهم مقالًا يشرح قضية غائبة عن الرأي العام، ويسهم آخر في نشره، بينما يرسله ثالث إلى مؤسسة معنية أو إلى مسؤول يستطيع الاطلاع عليه.

وقد تبدو رسالة إلكترونية واحدة أو مشاركة مقال أمرًا محدودًا، لكنها قد تصبح جزءًا من جهد متراكم يلفت الانتباه إلى قضية أو يدفع جهة ما إلى طلب معلومات أو مراجعة موقف.

ومن هنا، يمكن النظر إلى أثر العمل الحقوقي من زاويتين متكاملتين: اتساع دائرة الوعي كلما وصل الخطاب إلى عدد أكبر من الناس، وعمق التأثير حين تصل القضية إلى شخص أو مؤسسة قادرة على اتخاذ قرار أو التأثير في السياسات.

وتجربة الدكتور إبراهيم تبرز أهمية الجمع بين هذين المسارين: توسيع دائرة التعريف بقضية حقوق الأقباط، والعمل على إيصالها إلى المؤسسات والدوائر التي يمكنها التأثير في أوضاعهم.

جمع الطاقات بدلًا من استنزافها
من الصفات التي أقدّرها في الدكتور إبراهيم حبيب حرصه على جمع الناس حول القضية، بدلًا من تحويل الاختلافات الشخصية إلى حواجز تعطل العمل المشترك.

ولا يعني ذلك أن العمل العام يجب أن يخلو من النقد أو الاختلاف؛ فالنقد الموضوعي ضروري لتصحيح الأخطاء وتطوير الأداء. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين اختلاف يسعى إلى تحسين العمل، وخلاف يستنزف الطاقات بعيدًا عن الهدف الأساسي.

إن الدفاع عن حقوق الإنسان يتطلب القدرة على التعاون مع أشخاص متنوعين في الخبرات والآراء، والتمييز بين ما يستحق النقاش وما ينبغي توحيد الجهود بشأنه. كما يتطلب الإيمان بأن نجاح الآخرين لا ينتقص من قيمة ما ننجزه، وأن القضية تصبح أقوى كلما اتسعت دائرة المشاركين فيها.

وهنا تتجلى قيمة التواضع في العمل العام: أن يفسح الإنسان المجال لغيره، وأن يعترف بجهود الآخرين، وأن يدرك أن خدمة القضية أهم من المنافسة على الأضواء.

لماذا أكتب عنه؟
أكتب عن الدكتور إبراهيم حبيب لأنني أؤمن بأن من واجبنا أن نشهد بالحق لمن يستحق التقدير، وأن نسلط الضوء على النماذج التي تقدم معنى عمليًا للإخلاص والتواضع.

فالكتابة عن شخصية عامة لا تعني تقديمها بوصفها إنسانًا لا يخطئ، ولا مطالبة القارئ بتبني رأي دون تفكير، بل تعني تقديم شهادة تستند إلى تجربة ومعرفة، وشرح الأسباب التي تجعل هذه الشخصية جديرة بالاهتمام.

ومن واقع معرفتي بالدكتور إبراهيم ومشاركتي معه في بعض اللقاءات والأنشطة، أرى أن ما يميزه هو اجتماع العمل الحقوقي الجاد مع صفات إنسانية تجعل التعاون معه أمرًا مريحًا ومثمرًا. فهو لا يكتفي بالإيمان بالقضية، بل يسعى إلى خدمة أهدافها، ولا يكتفي بالمشاركة بنفسه، بل يشجع الآخرين على المشاركة أيضًا.

وفي زمن قد يتقدم فيه الظهور على الإنجاز، تزداد أهمية النماذج التي تذكرنا بأن العمل الجاد لا يحتاج إلى ضجيج دائم، وأن التأثير الحقيقي لا يرتبط بالشهرة وحدها، بل بما يتركه الإنسان من أثر في الآخرين وفي القضية التي يخدمها.

خاتمة.. حين يصبح التواضع عنوانًا للعظمة
إن الدكتور إبراهيم حبيب، في تقديري، نموذج يستحق التقدير لما قدمه من جهود ممتدة في الدفاع عن حقوق الأقباط، ولقدرته على الجمع بين عمله الطبي ومسؤوليته الحقوقية، ولما لمسته فيه من تواضع وحرص على تشجيع الآخرين وإتاحة الفرص أمامهم.

فالعظمة لا تكمن في أن يكون الإنسان حاضرًا في كل صورة، أو صاحب الكلمة الأخيرة في كل اجتماع، بل قد تظهر في فرصة يمنحها لغيره، وفي جهد يواصل بذله بصبر، وفي قضية يصر على إبقائها حاضرة رغم صعوبة الطريق.

ومن أهم الدروس التي تقدمها سيرته أن الإخلاص للقضية لا يتعارض مع التواضع، وأن قوة الموقف لا تستلزم التعالي، وأن القيادة لا تُقاس فقط بما يحققه صاحبها بنفسه، بل أيضًا بما يساعد الآخرين على تحقيقه.

إننا بحاجة إلى نماذج تجمع بين وضوح الموقف ونُبل الوسيلة، وبين الشجاعة في الدفاع عن الحقوق واحترام الآخرين، وبين الإيمان بالقضية والاستعداد للعمل من أجلها بعيدًا عن الاستعراض.

ولذلك أكتب هذه الشهادة تقديرًا للدكتور إبراهيم حبيب، واعترافًا بجهوده في خدمة قضية يؤمن بها، وإيمانًا بأن من حق النماذج الجادة أن تنال التقدير الذي تستحقه.

فالعطاء يمنح العمل قيمته، والإخلاص يمنحه استمراريته، والتواضع يمنحه نُبله الإنساني.