مدحت قلادة
شهادة وفاء واعتراف بالجميل لرجل جعل من توثيق معاناة الأقباط رسالة، ومن الإعلام جسرًا إلى العالم، ومن استقلال الضمير مبدأ لا يساوم عليه.

ليست كل الشخصيات التي تستحق التكريم هي الأكثر ظهورًا، وليست كل الإنجازات العظيمة هي التي تحظى بما يناسبها من تقدير. فثمة رجال يكرسون سنوات من أعمارهم لقضايا يؤمنون بعدالتها، ويبذلون من وقتهم ومالهم وفكرهم ما يتجاوز حدود الواجب المعتاد، ثم يمضون في طريقهم دون أن ينالوا دائمًا ما يستحقونه من مساندة أو اعتراف.

وحين أكتب عن الدكتور وليم ويصا، فإنني لا أكتب عن اسم في تاريخ الإعلام القبطي فحسب، بل عن تجربة أعتز بها، وعن رجل أعدّه أخًا وصديقًا ومرشدًا، وعن مسيرة أرى أن من حقها أن تُروى بإنصاف يليق بحجم ما بذله صاحبها.

أكتب عنه لأن بيني وبينه علاقة إنسانية أعتز بها، ولأن معرفتي به جعلتني أرى وراء الإنجاز الإعلامي إنسانًا يحمل قضية في ضميره، ويؤمن بأن معاناة الناس لا ينبغي أن تُترك للنسيان، وأن الدفاع عن الحقوق لا يكتمل بمجرد إدانة الظلم، بل يحتاج إلى توثيق الوقائع، وكشف السياقات، وإيصال الحقيقة إلى من يستطيعون فهمها والتفاعل معها.

إن تقديري للدكتور وليم لا يقوم على الصداقة وحدها، وإن كانت الصداقة تمنح شهادتي معناها الإنساني، بل يقوم كذلك على ما أراه في تجربته من جهد حقيقي لتوثيق قضايا الأقباط، ومن محاولة جادة لبناء منبر إعلامي يتجاوز الحدود، ومن إصرار على أن تظل هذه القضايا حاضرة في الوعي العام.

«الكشح والحقيقة الغائبة».. حين يرفض التوثيق أن يموت الضحايا مرتين
ثمة فرق عميق بين أن تقع مأساة، وأن تبقى حقيقتها حاضرة في الذاكرة. فقد يشهد الناس الحدث، وقد تتناقله الصحف أيامًا أو أسابيع، ثم تنشغل الحياة بأحداث جديدة، وتخفت الأصوات، ويصبح ما جرى مجرد خبر قديم. لكن التوثيق الجاد يقاوم هذا المصير؛ لأنه يحاول أن ينقل الواقعة من لحظتها العابرة إلى سجل يمكن الرجوع إليه وفحصه ومناقشته.

ومن هنا تنبع أهمية كتاب الدكتور وليم ويصا «الكشح والحقيقة الغائبة»، الذي تناول واحدة من أكثر المحطات إيلامًا في تاريخ العنف الطائفي الحديث في مصر.

إن قيمة هذا العمل، في تقديري، لا تكمن فقط في تناوله مأساة الكشح، بل في سعيه إلى تجاوز حدود سرد الوقائع نحو تحليل خلفياتها وطرح الأسئلة المتعلقة بالبيئة التي سمحت بوقوعها، وبأوضاع الأقباط، وبالمسؤولية عن حماية حقوق المواطنين وضمان العدالة لهم.

فالحدث المأساوي لا ينتهي بانتهاء أيامه؛ إذ تبقى وراءه أسئلة عن الضحايا، وعن الحقيقة، وعن المساءلة، وعن قدرة المجتمع ومؤسساته على منع تكرار ما حدث. وإذا لم تُحفظ الوقائع وتُدرس، فإن النسيان قد يحجب الدروس، وقد تظل الأسباب التي تستدعي المعالجة قائمة دون نقاش كافٍ.

لقد أدرك الدكتور وليم أهمية أن تكون للقضية مادة مكتوبة تتجاوز الانفعال الآني. فالكتاب، بخلاف الخبر العابر، يتيح مساحة للتفصيل والتحليل وربط الوقائع بسياقها، ويمنح الأجيال اللاحقة فرصة للعودة إلى القضية بدلًا من الاعتماد على ذاكرة متفرقة أو روايات تتناقص تفاصيلها مع مرور الزمن.

ولهذا أرى أن «الكشح والحقيقة الغائبة» ليس مجرد عنوان في سجل الكتابة القبطية، بل تعبير عن ضرورة إنسانية وحقوقية: ألا تُترك معاناة الضحايا بلا توثيق، وألا تصبح الجرائم التي هزت المجتمع مجرد ذكريات يبتلعها الزمن.

إن من يوثق مأساة لا يعيد كتابة الماضي فحسب، بل يساعد على تحديد ما ينبغي أن يتعلمه الحاضر، وما يجب ألا يتكرر في المستقبل. وهذه مسؤولية ثقيلة، لأنها تتطلب دقة في نقل الوقائع، وشجاعة في طرح الأسئلة، وصبرًا على عمل قد لا يحقق لصاحبه مكاسب مباشرة، لكنه يضيف إلى الذاكرة العامة مادة ذات قيمة.

ومن هذا المنطلق، أرى أن الدكتور وليم ويصا يستحق التقدير بوصفه أحد الذين سعوا إلى نقل قضية الكشح من مساحة الألم المتداول إلى مساحة التوثيق والتحليل، وإلى ترك أثر مكتوب يمكن العودة إليه عند مناقشة هذه المرحلة من تاريخ الأقباط في مصر.

لم يكتفِ بنقل الحقيقة.. بل سعى إلى إيصالها للعالم
إذا كان الكتاب يوثق الحدث ويحفظه، فإن الإعلام يمنح المعلومات القدرة على الانتقال والوصول إلى جمهور أوسع. وقد أدرك الدكتور وليم ويصا أن قضايا مسيحيي المشرق تحتاج إلى أكثر من كتاب أو مقال منفرد؛ إنها تحتاج إلى تدفق مستمر للمعلومات، وإلى وسيلة إعلامية متخصصة تستطيع متابعة الأخبار وإتاحتها بلغات مختلفة.

ومن هنا جاءت مبادرته بتأسيس وكالة أنباء تُعنى بمسيحيي المشرق، وتعمل باللغتين العربية والإنجليزية، لتكون مصدرًا للمعلومات والأخبار أمام المواقع والصفحات والصحف، في مصر وخارجها.

وأهمية هذه المبادرة، في تقديري، أنها حاولت معالجة مشكلة تتجاوز مجرد نقص الأخبار: مشكلة وصول القضايا إلى المجال العام أصلًا. فكم من أحداث تمس حياة جماعات كاملة لا تجد طريقها إلى الاهتمام الدولي، وكم من معاناة تظل محصورة في نطاق جغرافي أو لغوي، فلا يعرف عنها الآخرون إلا القليل؟

إن إنشاء منصة إعلامية متخصصة يعني العمل على سد هذه الفجوة، وتوفير المعلومات لمن يبحث عنها، ومساعدة الصحفيين والباحثين والمهتمين على متابعة ما يجري، بدلًا من ترك القضية رهينة المصادفة أو التغطيات الموسمية.

كما أن العمل باللغتين العربية والإنجليزية منح المشروع قدرة على مخاطبة جمهورين مختلفين، وربط ما يجري في المنطقة بالنقاشات الإعلامية والحقوقية خارجها. فالقضية التي تصل إلى جمهور بلغته، وتُعرض في صورة معلومات واضحة، تكون أقدر على تجاوز حدود المكان، وأكثر قابلية للفهم والمتابعة.

لقد حاول الدكتور وليم أن يجعل من الإعلام أداة لخدمة القضية، لا مجرد وسيلة للتعبير عن موقف شخصي. وهذه نقلة مهمة في التفكير؛ فهناك فرق بين أن يتحدث الإنسان عن ضرورة الاهتمام بقضايا الأقباط، وبين أن يتحمل مسؤولية إنشاء وسيلة إعلامية تتابع هذه القضايا بصورة مستمرة.

إن المبادرة في حد ذاتها تستحق التقدير، لأنها نقلت الفكرة من دائرة الأمنيات إلى دائرة العمل. ولم يكن المطلوب مجرد إطلاق اسم أو إنشاء صفحة، بل تحمل مسؤولية مشروع يحتاج إلى متابعة يومية، وإلى جمع المعلومات وتحريرها وترجمتها ونشرها، وإلى المحافظة على استمراريته في ظروف ليست سهلة.

وهنا ينبغي أن نتوقف عند حجم العمل الذي لا يظهر عادة أمام القارئ. فالمتلقي يرى الخبر المنشور، لكنه قد لا يرى الساعات التي استغرقها الوصول إليه، ولا الجهد اللازم للتحقق منه وصياغته، ولا التكاليف التي يتطلبها استمرار المنصة. ومع ذلك، فإن هذه التفاصيل هي التي تحدد ما إذا كان المشروع يستطيع البقاء وأداء رسالته.

تضحية فردية تكشف مسؤولية جماعية غائبة
من أكثر الجوانب التي تستحق الاعتراف في تجربة الدكتور وليم اعتماده على موارده الشخصية في تمويل المشروع الإعلامي الذي أراد له الاستمرار.

إن وضع الإنسان من ماله وجهده في مشروع عام يؤمن بأهميته يكشف عن مستوى من الالتزام يتجاوز إعلان التأييد أو التعبير عن الإعجاب. فالتأييد قد لا يكلف صاحبه شيئًا، أما تحمل النفقات والمسؤوليات فيجعل الإيمان بالفكرة التزامًا عمليًا له ثمن واضح.

وقد بذل الدكتور وليم من إمكاناته الشخصية لدعم وكالته الإعلامية، في محاولة للحفاظ على استمرارية خدمة رأى أنها ضرورية لقضايا مسيحيي المشرق. لكنه لم يجد، بحسب تجربته، القدر الكافي من المساهمة من بعض الذين وعدوا بالمشاركة في دعم المشروع، رغم استفادتهم من المواد التي كان يوفرها.

وأقول ذلك بأسف، لا رغبة في توجيه اللوم إلى أشخاص بأعيانهم، بل لأن هذه التجربة تكشف خللًا متكررًا في العمل العام: نريد مؤسسات قوية، ونحتاج إلى إعلام مستقل، ونطالب بوجود منصات توثق قضايانا، لكننا لا نتحمل دائمًا نصيبنا من تكلفة استمرارها.

إن المؤسسة لا تُبنى بالنوايا الحسنة وحدها، ولا يمكن أن يستمر مشروع إعلامي على أكتاف فرد واحد إلى ما لا نهاية. فالعمل الذي ينتفع به كثيرون ينبغي أن تقوم مسؤوليته على مشاركة عادلة وواضحة، حتى لا يتحول الإخلاص الشخصي إلى عبء يستنزف صاحبه.

وهنا أجد أن من واجب الإنصاف الاعتراف بأن الدكتور وليم لم يكتفِ بالاستفادة من جهود الآخرين، بل تحمل بنفسه جانبًا من الأعباء التي يتطلبها وجود المنصة التي أرادها. وهذه حقيقة تستحق التقدير، حتى لو لم تخلُ التجربة من الصعوبات أو لم تستمر وفق الصورة التي كان يتمناها.

إن العبرة ليست في الادعاء بأن كل مشروع ينجح بالضرورة، بل في الاعتراف بمن حاول بناءه، وبما قدمه من موارد وجهد، وبالدروس التي تفرضها التجربة على كل من يتحدث عن أهمية العمل المؤسسي.

وإذا كنا نريد مستقبلًا أفضل للإعلام القبطي والحقوقي، فإن الوفاء الحقيقي للدكتور وليم لا ينبغي أن يقتصر على الإشادة بما فعله؛ بل ينبغي أن يدفعنا إلى التفكير في كيفية بناء مشروعات مستدامة، تقوم على تقاسم المسؤولية، وتحويل التضامن المعلن إلى مساهمة فعلية.

استقلال الفكر.. وشجاعة طرح الأسئلة
في العمل الإعلامي والحقوقي، لا تكفي القدرة على نقل المعلومات؛ إذ يحتاج الصحفي والباحث إلى استقلال في التفكير، وإلى استعداد لطرح الأسئلة التي قد يتجنبها الآخرون، مع التزام الدقة والتحقق والتمييز بين الوقائع والتفسيرات.

وهذه من الصفات التي أقدّرها في الدكتور وليم ويصا. فهو، كما عرفته، يحرص على الاحتفاظ باستقلاله في التفكير والاختيار، ولا يرى أن الانتماء إلى قضية يفرض على صاحبها أن يتخلى عن حقه في النقد أو أن يجامل على حساب ما يعتقد أنه الحقيقة.

ومن المواقف التي أتذكرها تصريحه من داخل مصر، في أعقاب مذبحة نجع حمادي، بأن عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك كان من أسوأ العهود في ما يتعلق باضطهاد الأقباط. وقد عبّر بذلك عن تقييمه لأوضاع الأقباط في تلك المرحلة، في وقت كانت فيه القضية تتطلب نقاشًا جادًا حول حماية المواطنين والمساواة وسيادة القانون.

إن أهمية مثل هذا الموقف لا تنبع من العبارة وحدها، بل من طرح القضية في المجال العام وعدم التعامل معها بوصفها موضوعًا ينبغي تجنبه بسبب حساسيته السياسية.

فمحبة الوطن لا تعني تجاهل أوجه القصور فيه، والدفاع عن حقوق فئة من المواطنين ليس عداءً للوطن. بل إن المطالبة بالمساواة وحماية المواطنين يمكن أن تكون تعبيرًا عن الإيمان بأن الدولة تصبح أقوى حين يشعر جميع أبنائها بأن القانون يحميهم على قدم المساواة.

وبالنسبة إلى الدكتور وليم، فإن هذا المبدأ ارتبط بمحاولته إبقاء قضايا الأقباط في دائرة الاهتمام، سواء من خلال كتاباته أو مشروعه الإعلامي أو مواقفه المعلنة.

ولا يعني استقلال الفكر أن يُعفى صاحبه من ضرورة التحقق أو أن تصبح كل آرائه فوق النقد؛ بل يعني أن يكون النقاش مفتوحًا، وأن تُفحص الوقائع، وأن يستطيع الإنسان التعبير عن تقييمه دون أن يُطلب منه الصمت لمجرد أن القضية تثير الحرج.

وهذا، في تقديري، جزء من قيمة العمل الإعلامي الذي يسعى إلى خدمة المجتمع: أن يفتح مساحة للأسئلة التي تساعد على فهم الواقع، وأن يربط حرية التعبير بالمسؤولية، وأن يجعل كرامة الإنسان وحقه في المعرفة في صميم اهتمامه.

من الأكاديمية إلى الإعلام.. عقل يبحث عن الجذور
يحمل الدكتور وليم ويصا خلفية أكاديمية ارتبطت بدراسته في السوربون، وهو ما يضيء جانبًا من اهتمامه بالنظر إلى القضايا في سياقاتها الأوسع، لا الاكتفاء بعرض أحداثها المتفرقة.

فالعنف الطائفي لا يمكن فهمه من خلال واقعة منفردة فقط، كما أن التمييز لا يُعالج بالاكتفاء بوصف نتائجه. هناك دائمًا أسئلة تتعلق بالبيئة الاجتماعية والقانونية، وبطبيعة الخطاب السائد، وبمدى قدرة المؤسسات على حماية الحقوق، وبكيفية التعامل مع الشكاوى والانتهاكات.

إن الربط بين الخبر والتحليل يساعد على تجاوز ردود الفعل المؤقتة، ويفتح الباب أمام نقاش أكثر عمقًا حول الأسباب والنتائج وسبل المعالجة. وقد كان هذا البعد حاضرًا في طبيعة عمل الدكتور وليم، سواء في كتابه عن الكشح أو في اهتمامه الإعلامي بقضايا مسيحيي المشرق.

وهنا تتجلى أهمية المثقف الذي لا يتعامل مع المعرفة باعتبارها زينة شخصية، بل أداة لفهم الواقع وخدمة الناس. فالقيمة الحقيقية للعلم لا تكتمل بمجرد امتلاك الشهادات، وإنما تظهر حين يوظف الإنسان معرفته في طرح أسئلة مفيدة، وتقديم معلومات دقيقة، والمساهمة في نقاش عام أكثر وعيًا.

ومن هذا المنطلق، أرى أن تجربة الدكتور وليم تجمع بين مسارين متكاملين: مسار التوثيق الذي يحفظ الوقائع، ومسار الإعلام الذي يساعد على تداولها والوصول بها إلى جمهور أوسع. وكلاهما ضروري حتى لا تبقى القضية حبيسة الوثائق، أو تتحول في المقابل إلى أخبار متفرقة بلا سياق يحفظ معناها.

مصر التي نحبها لا تخاف من الحقيقة
إن اهتمام الدكتور وليم بقضايا الأقباط ومسيحيي المشرق يتجاوز، في نظري، مجرد الدفاع عن جماعة بعينها. فهو يطرح سؤالًا أوسع يتعلق بمعنى المواطنة، وبقدرة المجتمعات على الاعتراف بالتنوع وحماية الحقوق المتساوية.

فمصر التي نحبها هي التي يستطيع جميع أبنائها أن يشعروا فيها بأنهم شركاء في الوطن، وأن حقوقهم لا تتوقف على انتمائهم الديني، وأن المطالبة بالعدالة ليست سببًا للريبة أو الإقصاء.

والأقباط جزء أصيل من تاريخ مصر وحاضرها، والدفاع عن حقوقهم لا ينتقص من وطنية أحد، بل يذكّر بأن المواطنة لا تكون كاملة إلا حين يتمتع الناس بالحماية والكرامة والمساواة أمام القانون.

ومن هنا، فإن توثيق ما يتعرض له الأقباط من انتهاكات أو تمييز، وإيصاله إلى الرأي العام، لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تشويهًا للوطن، بل باعتباره دعوة إلى مواجهة المشكلات بجدية، وحماية المجتمع من تكرارها.

إن الإعلام الذي يخدم الإنسان لا يختار الصمت كي يحافظ على صورة مريحة، ولا يلجأ إلى المبالغة كي يلفت الأنظار؛ بل يسعى إلى نقل الوقائع بدقة، وإتاحة المعلومات، وفتح المجال للنقاش المسؤول.

وهذا هو المعنى الذي أراه حاضرًا في مشروع الدكتور وليم: أن تكون قضايا الأقباط معروفة خارج حدودها، وأن يجد المهتمون بها مصادر للمعلومات، وأن تصبح معاناة الناس موضوعًا للنقاش العام بدلًا من أن تظل بعيدة عن الأنظار.

شهادتي في حق أخي وصديقي ومرشدي
بعد الحديث عن الكتاب والعمل الإعلامي والاستقلال الفكري، يبقى الجانب الذي لا يمكن اختزاله في قائمة من الإنجازات: علاقتي الشخصية بالدكتور وليم ويصا.

إنه بالنسبة إليّ أخ وصديق ومرشد، وأعتز بهذه العلاقة اعتزازًا لا أريد أن أختصره في عبارات المجاملة. فقد كان لوجوده في حياتي أثر إنساني وفكري أقدّره، وأجد أن من حقه عليّ أن أعبّر عنه بوضوح.

والصداقة الحقيقية لا تلغي موضوعية الشهادة، بل تمنحها بُعدًا آخر؛ فهي تجعل الإنسان أكثر إدراكًا لما وراء العمل الظاهر، وأكثر شعورًا بالواجب حين يرى صديقًا بذل الكثير من أجل قضية يؤمن بها.

وأنا أكتب عنه اليوم لأنني لا أريد أن يظل تقديري له أمرًا أعرفه في نفسي فقط. أريد أن أقول علنًا إنني أرى في تجربته عملًا يستحق الاعتراف، وإنني أقدّر ما تحمله من أعباء في سبيل مشروع إعلامي أراد له أن يخدم مسيحيي المشرق، وإنني أعتز بما قدمه من توثيق وكتابة وجهد.

ولا أحتاج، لكي أعبّر عن امتناني له، إلى أن أدعي الكمال لأي إنسان أو أن أضعه فوق النقد. يكفيني أن أشهد بما أعرفه وأقدّره: أن الدكتور وليم حاول أن يفعل شيئًا ملموسًا لقضية آمن بها، وأنه لم يكتفِ بالدعوة إلى وجود منبر إعلامي، بل تحمل بنفسه مسؤولية تأسيسه ودعمه، وأن جهده يستحق أن يُذكر بإنصاف.

إن الاعتراف بالجميل لا يعني المبالغة، بل أن نعطي كل جهد حقه، وألا نسمح لغياب الشهرة أو ضعف المساندة بأن يمحوا قيمة ما قدمه صاحبه.

ولذلك فإنني أقول للدكتور وليم، من موقع الأخ والصديق: إنني أعتز بك وبمسيرتك، وأقدّر ما بذلته من أجل توثيق معاناة الأقباط وإيصال قضاياهم إلى العالم، وأشكرك على ما منحته لي من أخوة ونصح وإرشاد. وهذه ليست كلمة عابرة، بل شهادة أكتبها عن قناعة وامتنان.

الإنصاف الذي لا ينبغي أن يتأخر
قد تختلف تقييمات الناس للمواقف السياسية، وقد تتباين الآراء حول تفسير الأحداث، لكن ذلك لا يمنع من الاعتراف بقيمة العمل الذي يهدف إلى التوثيق والإعلام وإتاحة المعلومات.

إن الدكتور وليم ويصا يستحق أن يُذكر في سياق تجربة الإعلام القبطي والحقوقي بوصفه صاحب مبادرات وجهد شخصي واضح، وبوصفه من الذين حاولوا الجمع بين الكتابة التحليلية وإنشاء منصة إعلامية متخصصة، وتحملوا في سبيل ذلك أعباء لم يكن من العدل أن تبقى غير مرئية.

إن الوفاء له لا ينبغي أن يقتصر على مقال إشادة، مهما كان صادقًا؛ بل يجب أن يمتد إلى الاستفادة من الدروس التي تقدمها تجربته: ضرورة توثيق الأحداث، وأهمية الإعلام المستقل، وقيمة التحليل الأكاديمي، والحاجة إلى مؤسسات لا تعتمد على تضحية فرد واحد، بل على مشاركة حقيقية ومسؤولية جماعية.

فالمشروعات التي تخدم قضايا الناس لا ينبغي أن تُترك لمؤسسيها وحدهم، كما أن أصحاب المبادرات لا ينبغي أن يُستحضروا فقط عندما نحتاج إلى ما يقدمونه، ثم يُنسوا حين يحتاج عملهم إلى المساندة.

إنني أكتب هذه الشهادة لأنني أؤمن بأن الاعتراف بالجميل حق أخلاقي، وأن الإنصاف يبدأ حين نرى الجهد كما هو، ونعترف بتكلفته، ونحفظ لصاحبه مكانته دون تهويل أو انتقاص.

إلى الدكتور وليم ويصا: شكرًا لأنك جعلت من التوثيق عملًا، ومن الإعلام رسالة، ومن إيمانك بالقضية دافعًا إلى المبادرة. شكرًا على ما بذلته من جهد ومال وفكر، وعلى ما قدمته لي من أخوة وإرشاد.

قد لا تستطيع شهادة واحدة أن تحيط بكل ما قدمته، لكنها تستطيع أن تقول ما يجب ألا يُترك للصمت: إن عملك محل تقدير، وإن تجربتك تستحق أن تُروى، وإن هناك من يعرف فضلك ويعتز بك.

فالأحداث تصنع صفحات التاريخ، لكن الذين يوثقونها يحمونها من النسيان. ومن واجبنا أن ننصف أصحاب هذا العمل في حياتهم، وأن نعترف بجميلهم قبل أن تتحول شهادات الامتنان إلى كلمات متأخرة في ذاكرة الراحلين