(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
إليكَ، أيّها الأخ الإرهابيّ القاتل، 
أكتبُ هذه السطور الحزينة الموجزة؛ وهي ممتلئةٌ بالمفارقات الواضحة والفاضحة. 
 
بدايةً، لا تتعجّب أنّني أدعوكَ "الأخ"؛ فأنتَ أخٌ في البشريّة التي تشملنا وتسعنا جميعًا نحن البشر القابعين في أرجاء المعمورة، وإن كنتَ –من دون أدنى شكّ– قد تجرّدتَ منها وتنكّرتَ لها بشكلٍ صريح. كما أنّكَ أخٌ، لأنّنا أبناءُ إلهٍ واحد قد خلقنا، ونتعبّد له بطرقٍ ومناهج متنوّعة.
 
وهو أبونا كلّنا، وإن قد ننسى أو نتناسى هذه الحقيقة. فأُبوّةُ الله لنا ليستْ مجرّد أمرٍ سيكولوجيّ وعاطفيّ؛ إنّها أمرٌ جوهريّ.
 
فكلمةُ "أب" تعني أنّه مصدرنا ونبعنا، وإن كنتَ انفصلتَ بإردتكَ عن هذا النبع والمصدر الإلهَيْن، في اللحظة التي قرّرتَ فيه طوعًا أن تتّخذ الأصوليّة طريقًا، والكراهيّة أسلوبًا، والعنف منهجًا. ومن ثمّ، فعبدتَ الشيطان إلهًا خاصًّا بكَ، ونهجتَ نهجه؛ إذ إنّه «كانَ مُنذُ البَدءِ قَتَّالًا لِلنَّاس، ولَم يَثبُتْ على الحَقّ، لِأَنَّه ليسَ فيه شَيءٌ مِنَ الحَقّ» (يوحنّا 8: 44).
 
وعلى هذا النحو، لا أدري إن كانتْ كلمةُ "أخ" مدحًا أم قدحًا في حقيقكَ. فإنّكَ قد تجرّدتَ من بشريّتكَ (ولا أقول "إنسانيّتكَ"، فهي مرتفعاتٌ شاهقة لم تتدرّب عليها طوال حياتكَ الأرضيّة، ولم تبلغ إليها إطلاقًا). كما أنّكَ قد تنكّرتَ لبُنوّتك لله الواحد الأحد. إنّني أقول لكَ هذا ليس كتنظيرٍ مجرّد، بل انطلاقًا من إيماننا –نحن المسيحيّين– بالإله الواحد الأحد الثالوث، الذي جاء إلينا متجسّدًا ومتأنّسًا في ابنه. فبواسطة ابنه المتجسّد والمتأنّس قد تعلّمنا أن ندعو الله الواحد الأحد "أبانا"، بل قد اختبرنا أُبوّته لنا وبنوّتنا له. كما أنّه، من خلال تجسُّد ابن الله –"وحيد الجنس"– وتأنُّسه، قد كُشِفتْ لنا إنسانيّتنا الأصيلة، وأبعادها العميقة. إنّها إنسانيّةٌ جديدة قد بزغتْ من البشريّة العتيقة؛ فهذا الابن عينه هو هذه الإنسانيّة الجديدة، لأنّه آدم الجديد.
 
من جهةٍ أخرى، دعنى أسألكَ، مِن أين تعلّمتَ هذا "العقل" التكفيريّ، الذي يدعو إلى العنف ضدّ الآخر، وإلى قَتْله ونَحْره؟ وهل هذا يمتّ إلى الدين والتديُّن بصلة؟ وهل يمكن لدينٍ حقيقيّ أن يدعو إلى الكراهيّة المكروهة، ويحرّض على العنف المقيت؟ إنّ العنف باسم الدين لهو إهانةٌ للدين عينه وللإله الذي ينادي به هذا الدين. «ومن يستخدم اسم الله لتبرير الإرهاب أو العنف أو الحرب يخون صورة الله: فالقتال باسم الدِّين يعني، في الواقع، الإساءة إلى الدِّين نفسه» (البابا لاوُن الرابع عشر).
 
يوجد أمرٌ آخر مهمّ للغاية: لماذا هذا الإصرار على قَتْل المشركين والكُفّار، على حدّ زعمكَ؟ ألم تدرك بَعدُ، أو ألم يعلّمكَ أحدٌ، بأنّنا نعيش في زمن الحريّات؛ فلكلّ إنسانٍ الحريّةُ الكاملة في أن يؤمن أو أن يلحد، أو أن يختار دينًا دون سواءه، أو معتقدًا بدلًا من آخر؟ أم أنّكَ قادمٌ من عصر الجاهليّة أو من عصور أخرى غابرة؟ ولكن، حتّى الذين يُطلق عليهم "وثنيّون"، كانت لديهم سعةُ صدرٍ فاقتْ بمراحل مخيّلتكَ المريضة؟ إنّ الذين يُطلق عليهم "وثنيّون" قد قبلوا بتعدُّد الآلهة أنطولوجيًّا، وإن كان هذا أحدَ أخطاء الوثنيّة. ومع ذلك، إنّني أدعوكَ، ومن خلالكَ أدعو آخرين، إلى قبول "تعدُّد الآلهة" تاريخيًّا ووجوديًّا واجتماعيًّا؛ ففي فضاء التاريخ والوجود والمجتمع، ينبغي أن تكون الحريّةُ مكفولةً للجميع ولكلّ أحدٍ، ليؤمن كما يشاء، ويعتقد كما يستحبّ. أليستْ هذه الآيةُ: «وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ»، هي جزءٌ من الآية التاسعة والعشرين من سورة الكهف؟
 
وثمّة أمرٌ آخر ذو مغزى: لماذا قَتْلُ المشرك أو الكافر أو الملحد، وفقًا لمعتقدكَ الضيق؟ ولماذا تُرسِل إلى الله –جلّ جلاله– هؤلاء الأشخاص الأبراء، وهُم –على حدّ زعمكَ– على شركهم وكفرهم وإلحادهم؟ أليس من الأفضل بالحريّ –جدلًا، إن كنتَ تعتقد أنّ دينكَ الخاصّ صحيحٌ ومعتقدكَ الخاصّ مستقيمٌ، أن تعظه بالحُسنى، وأن تقنعه بصحّة دينكَ الخاصّ واستقامة معتقدكَ الخاصّ، وأن تريه حُسنَ سلوككَ ورِفعة أخلاقكَ؟ أليس من المفترض أن يكون الدينُ معاملاتٍ حسنة وأسلوبَ حياةٍ صالح؟ وبكلماتٍ أخرى، أليس من الأجدر بأن تترك المشرك والكافر والملحد –وفقًا لزعمكَ– على قيد الحياة، حتّى يكتشف تدريجيًّا الإلهَ الحقيقيّ، ويهتدي إليه ويتوب له؟ وهل أَمرَكَ الله أن ترسل له الأحياء أموتًا أفواجًا أفواجًا، أم أن تجعلهم يتقرّبون إليه أحياء؟ 
 
ألا تكفي مآسي الدنيا وأحزانها، حتّى تجلب إلى أُسر الشهداء الأبرياء مآسي وأحزانًا متفاقمة أخرى؟ ألا يكفي دمار الحروب وخرابها، حتّى تستخدم الأعيرة الناريّة لمزيد من الدمار والخراب؟ ألا يكفي أنّ الموت، عدونا القديم اللدود، يقتطف بنهمٍ شديد براعمَ أطفالنا وزهور شبابنا وثمار شيوخنا، حتّى تأتي أنتَ لصًّا سارقًا وقاتلًا لأطفالنا وشبابنا وشيوخنا؟ أنتَ، أيّها الإرهابيّ القاتل، لستَ مائتًا فقط، بل أنتَ الموت عينه أيضًا؛ وعقيدتكَ الخاصّة بكَ عقيدةُ موتٍ وفناء؛ وإلهكَ الخاصّ بكَ إلهُ أمواتٍ وليس إله أحياء حيّ، أي أنّه إلهٌ زائف ووثنيّ. فإنّ إلهًا غير "إله الحياة" ليس بإلهٍ!
 
أجل، لقد صَدقَ مَن قال: لقد ماتوا الذين يستحقّون الحياة على أيادي الذين يستحقّون الموت! ولكن، أيّها الإرهابيّ القاتل، قبل أن أترككَ مع ضمير جحيمكَ وجحيم ضميركَ، أريد أن أخبركَ شيئًا –مُفرِحًا لنا ومُفحِمًا لكَ– عن هؤلاء الشهداء الأطهار، شهداء الكنيسة والوطن، الذين طالتهم رصاصتُكَ الآثمة وغدرُكَ المقيت: 
 
إنّهم مِثل هابيل البار، الذي قِيل عنه: «وبالإِيمان ما زالَ يَتَكَلَّمُ بَعدَ مَوتِه» (عبرانيّين 11: 4). وإنّهم ضِمْن الذين كُتِب عنهم: «رَأَيتُ بَعدَ ذٰلِكَ جَمعًا كَثيرًا لا يَستَطيعُ أَحَدٌ أَن يُحصِيَه، مِن كُلِّ أُمَّةٍ وقَبيلَةٍ وشَعبٍ ولِسان، وكانوا قائمينَ أَمامَ العَرشِ وأَمامَ الحَمَل، لابِسينَ حُلَلًا بِيْضًا، بِأَيديهم سَعَفُ النَّخلِ، وهم يَصيحونَ بِأَعْلى أَصْواتِهم فيَقولون: "الخَلاصُ لإِلٰهِنا الجالِسِ على العَرشِ ولِلحَمَل!" [...] فخاطَبَني أَحَدُ الشُّيوخِ قال: "هٰؤُلاءِ اللَّابِسونَ الحُلَلَ البِيْض، مَن هم ومِن أَينَ أَتَوا؟". فقُلتُ لَه: "يا سَيِّدي، أَنتَ أَعلَم".
 
فقالَ لي: "هٰؤُلاءِ هُمُ الَّذينَ أَتَوا مِنَ الشِّدَّةِ الكُبْرى، وقَد غَسَلوا حُلَلَهم وبَيَّضوها بِدَمِ الحَمَل. لِذٰلك هم أَمامَ عَرشِ اللهِ يَعبُدونَه نَهارًا ولَيلًا في هَيكَلِه، والجالِسُ على العَرشِ يُظَلِّلُهم، فلَن يَجوعوا ولَن يَعطَشوا ولَن تَلفَحَهمُ الشَّمسُ ولا الحَرّ، لِأَنَّ الحَمَلَ الَّذي في وَسَطِ العَرشِ سيَرْعاهم وسيَهْديهم إِلى يَنابيعِ ماءِ الحَياة، وسيَمسَحُ اللهُ كُلَّ دَمعَةٍ مِن عُيونِهم"» (رؤيا 7: 9-10 و13-17).
 
وإذا شيئتَ، وحتّى تفهم المغزى وراء هذه الكلمات كلّها، تذكّر هذا الآية: «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» [آل عمران: 169].
 
وأخيرًا، هذه رسالةٌ صادقة –من خلال جبران خليل جبران، أتوجّه بها إلى كلّ مؤمنٍ بالله جلّ جلاله، وإلى كلّ متديُّن حقيقيّ، وإلى كلّ إنسانٍ أصيل؛ وأتوجّه بها إلى كلّ واحدٍ أيًّا كان دينه ومعتقده وفكره، على سبيل التسامح وقبول الآخر وروح الإنسانيّة، لا على سبيل انصهار الأديان وذوبانها، ولا على سبيل القبول بوحدة الوجود وتهميش الأديان: «أنت أخي وأنا أحبّك. أحبّك ساجدًا في جامعك وراكعًا في هيكلك ومصلّيًا في كنيستك، فأنت وأنا أبناء دين واحد هو الروح، وزعماء فروع هذا الدين أصابع ملتصقة في يد الألوهية المشيرة إلی كمال النفس». 
 
مع صلاتي الحارّة لأُسر الشهداء الأبرياء والأطهار، طالبًا لهم تعزيات الروح القدس، 
 
وصلاتي الجادّة لكَ أنتَ أيضًا، أيّها الإرهابيّ القاتل، لعلّكَ تشعر بشناعة الجُرم الذي ارتكبتَه في حقّ الشهداء وأُسرهم ومسيحيّتهم وكنسيتهم ووطنهم والإنسانيّة جمعاء!