بقلم: بروفيسور دكتور طلعت مليك
شهدت الساحة الدولية خلال الأيام الأخيرة ثلاثة تطورات مهمة، تتعلق بجهود التهدئة الإنسانية في الحرب الروسية الأوكرانية، وأعمال الشغب والتخريب التي شهدتها مدينة برشلونة الإسبانية، والتحركات السياسية لحزب التجمع الوطني الفرنسي بقيادة مارين لوبان وجوردان بارديلا.

أولًا: ميلانيا ترامب وجهود التوصل إلى هدنة في أوكرانيا
أعلن البيت الأبيض، يوم 23 أكتوبر الجاري، التوصل إلى اتفاق لوقف مؤقت للعمليات العسكرية في مدينة أوليشكي الأوكرانية، الواقعة تحت السيطرة الروسية، على أن يبدأ سريان الهدنة في 29 أكتوبر، وفقًا للإعلان الأمريكي.

وجاء الاتفاق بهدف السماح بإدخال المساعدات الإنسانية إلى المدينة، وتسهيل إجلاء المدنيين الراغبين في المغادرة عبر ممر آمن، في ظل الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يعيشها السكان، وما يعانونه من نقص في الغذاء والدواء والمياه النظيفة.

ونسب البيت الأبيض دورًا أساسيًا في التوصل إلى الاتفاق إلى السيدة ميلانيا ترامب، زوجة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي قالت إنها أجرت اتصالات مع الجانبين الروسي والأوكراني للمساعدة في تحديد شروط الهدنة وترتيبات تنفيذها.

كما أشاد الرئيس دونالد ترامب بجهود زوجته، فيما أكدت موسكو تعاونها بشأن الترتيبات الخاصة بالهدنة والإجلاء.

وتظل الأهمية الحقيقية لهذا الاتفاق مرتبطة بمدى الالتزام به على الأرض، وقدرته على حماية المدنيين وإيصال المساعدات إليهم.

ونحن، من جانبنا، نتمنى أن تكون هذه الخطوة بداية لمزيد من الجهود الجادة لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، وأن ينتصر صوت السلام على صوت السلاح، وأن يعود الأمن والاستقرار إلى الشعبين الروسي والأوكراني.

ثانيًا: أعمال شغب ونهب في مدينة برشلونة الإسبانية
شهدت مدينة برشلونة الإسبانية، مساء السبت 24 أكتوبر، أعمال شغب وتخريب ونهب طالت عددًا من المتاجر في محيط ساحة كاتالونيا، بالتزامن مع احتجاجات مناهضة للنظام القائم.

وبحسب تقرير لوكالة رويترز، أوقفت السلطات الإسبانية نحو مائة شخص على خلفية الأحداث، التي تضمنت إشعال أكثر من 30 حريقًا وتخريب أو نهب 14 متجرًا.

وأظهرت مقاطع مصورة متداولة متظاهرين ملثمين وهم يحطمون واجهات المحال ويسرقون بضائع، فيما اضطرت بعض المتاجر إلى إغلاق أبوابها لمنع دخول المخربين وحماية العاملين والمتسوقين.

وأدانت السلطات المحلية أعمال العنف والتخريب، مؤكدة ضرورة محاسبة المتورطين وفقًا للقانون.

وتعيد هذه الأحداث طرح قضية مهمة تتعلق بضرورة حماية الممتلكات العامة والخاصة، وضمان حق المواطنين في ممارسة حياتهم اليومية بأمان، مع التمييز بين الاحتجاج السلمي وأعمال العنف والاعتداء على حقوق الآخرين.

فحرية التعبير والتظاهر لا تعني إباحة النهب أو إحراق الممتلكات، كما أن مواجهة الفوضى ينبغي أن تتم في إطار القانون واحترام الحقوق الأساسية للجميع.

ثالثًا: مؤتمر حزب التجمع الوطني الفرنسي وعودة مارين لوبان إلى واجهة المشهد السياسي
في فرنسا، عقد حزب التجمع الوطني، الذي تتزعمه مارين لوبان ويترأسه جوردان بارديلا، مؤتمره العام التاسع عشر في مدينة أورليان يومي 24 و25 أكتوبر الجاري، في إطار استعداداته للاستحقاقات السياسية المقبلة، وعلى رأسها الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027.

وشهد المؤتمر إعادة انتخاب جوردان بارديلا رئيسًا للحزب، بنسبة بلغت 98.98% من الأصوات، وفقًا لما أوردته صحيفة «لوموند» الفرنسية.

ويأتي المؤتمر في وقت يسعى فيه الحزب إلى تعزيز حضوره السياسي وتوسيع قاعدته الانتخابية، مستندًا إلى خطاب يركز على الأمن والهجرة والهوية الوطنية، إلى جانب انتقاد سياسات خصومه السياسيين.

وخلال المؤتمر، برزت قضايا الأمن الداخلي ودور الشرطة الفرنسية في حماية مؤسسات الدولة ومواجهة العنف، فضلًا عن الدعوات إلى منح الأجهزة الأمنية إمكانات وصلاحيات أوسع، وهي مطالب تطرح في فرنسا نقاشًا مستمرًا بشأن كيفية تحقيق التوازن بين الأمن العام والحريات المدنية.

كما تمسكت مارين لوبان بخطابها المتشدد تجاه الهجرة، داعية إلى تشديد شروط الحصول على الجنسية الفرنسية، ومؤكدة أن حزبها يسعى إلى استعادة الأمن والاستقرار وتعزيز قدرات الجيش الفرنسي.

وفي السياسة الخارجية، قدمت لوبان توجهًا يركز على المصالح الوطنية الفرنسية، مع التأكيد على تجنب الانخراط في حروب لا تخدم المصالح المباشرة لفرنسا.

وفي المقابل، تثير مواقف الحزب بشأن الهجرة والإسلام السياسي والهوية الوطنية خلافات واسعة داخل المجتمع الفرنسي، بين مؤيدين يرون فيها استجابة لمخاوف تتعلق بالأمن والسيادة، ومعارضين يحذرون من آثارها على التعددية والمساواة وحقوق الأقليات.

وتعكس هذه التحركات أن المشهد السياسي الفرنسي يدخل مرحلة مهمة من الاستعداد للانتخابات المقبلة، وسط تنافس على قضايا الأمن والهجرة والاقتصاد ومستقبل الدور الفرنسي في أوروبا والعالم.

كلمة أخيرة
على اختلاف هذه الأحداث، فإنها تجمع بين ثلاثة تحديات رئيسية تواجه العالم اليوم: الحاجة إلى السلام وحماية المدنيين، وضرورة فرض سيادة القانون في مواجهة العنف والتخريب، وتصاعد التنافس السياسي حول الأمن والهوية الوطنية.

ويبقى الأمل أن تسهم الجهود الدبلوماسية في وقف الحروب، وأن تتمكن المؤسسات القانونية والأمنية من حماية المجتمعات دون انتهاك الحقوق، وأن تظل المنافسة السياسية وسيلة لخدمة المواطنين، لا مدخلًا للانقسام والكراهية.