القس رفعت فكري سعيد 
refaatfikry@gmail.com 

في عالمٍ لا تزال فيه الهوية الدينية والنوع الاجتماعي يُستخدمان أحيانًا لتحديد فرص الإنسان في الوصول إلى مواقع السلطة، تبرز تجربة كوسوفو لتطرح سؤالًا جوهريًا حول معنى المواطنة وحدود تأثير الانتماءات الشخصية في الحياة السياسية. فتولّي امرأة مسيحية رئاسة دولة ذات أغلبية مسلمة ليس مجرد حدث سياسي، بل مناسبة لإعادة التفكير في معايير الأهلية للمسؤولية العامة: هل تُقاس الأمور بديانة الإنسان وجنسه، أم بكفاءته ونزاهته وقدرته على خدمة المواطنين؟ إن جوهر الدولة الحديثة لا يكمن في تطابق هويات من يحكمون مع هوية الأغلبية، بل في ضمان تكافؤ الفرص، واحترام التعددية، وترسيخ مبدأ أن المواطنة هي أساس الحقوق السياسية، وأن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى حاجز أمام المشاركة أو تولي المسؤولية.

امرأة، ومسيحية، في دولة يشكّل المسلمون نحو 93% من سكانها. ثلاثة عناصر قد ينظر إليها البعض باعتبارها عقبات أمام الوصول إلى أعلى منصب سياسي، لكنها تفتح الباب أمام سؤال أعمق: هل ينبغي أن يكون جنس الإنسان أو انتماؤه الديني عاملًا في تحديد أهليته لتولي المسؤولية العامة؟
إن تجربة كوسوفو، مع وصول جوستينا شيروكا بولا إلى رئاسة الجمهورية، تقدم مناسبة مهمة للتأمل في العلاقة بين الهوية والمواطنة، وبين التركيبة الدينية للمجتمع وطبيعة المشاركة السياسية فيه. فالمسألة لا تتعلق بمجرد وصول امرأة إلى الرئاسة، ولا بمجرد انتمائها إلى أقلية دينية، وإنما بما يحمله المشهد من دلالة على ضرورة ألا تتحول الاختلافات الشخصية إلى أحكام مسبقة على الكفاءة والأهلية.

ففي الدولة الحديثة، لا ينبغي أن يكون الدين وحده معيارًا للحكم على صلاحية المرشح لمنصب عام، كما لا ينبغي أن يكون النوع الاجتماعي عائقًا أمام المشاركة السياسية. المعيار الحقيقي هو الكفاءة والنزاهة والخبرة والقدرة على تحمل المسؤولية، في إطار الدستور والقانون.

إن المواطنة ليست مجرد انتماء قانوني إلى دولة، بل هي أساس المساواة في الحقوق والواجبات، وضمانة أساسية لعدم التمييز بين المواطنين بسبب الدين أو الجنس أو الأصل الاجتماعي.

ومن هذا المنطلق، لا ينبغي أن يُنظر إلى تولي شخص من أقلية دينية منصبًا عامًا باعتباره استثناءً يحتاج إلى تبرير، أو تنازلًا من الأغلبية عن حق حصري مفترض. فالمناصب العامة ليست ملكًا لجماعة دينية بعينها، وإنما هي مسؤوليات تُمارس باسم الدولة ولخدمة جميع المواطنين.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الدين في حياة الأفراد والمجتمعات، بل يعني التمييز بين حرية الإنسان في الاعتقاد والانتماء الديني من جهة، وحقوقه السياسية والمدنية من جهة أخرى. فالإيمان حق أصيل، والمواطنة إطار جامع، ولا ينبغي أن يتحول الاختلاف في المعتقد إلى سبب للإقصاء أو الانتقاص من الحقوق.

إن الدولة التي تحترم مواطنيها لا تطلب من صاحب المنصب أن يتخلى عن هويته، ولا تمنحه المنصب لمجرد انتمائه إليها؛ بل تتيح فرصًا عادلة للجميع، ثم تحاسب المسؤول على أدائه وقراراته ومدى التزامه بالقانون وتحقيقه للصالح العام.

أما وصول امرأة إلى رئاسة الجمهورية، فيعيد طرح قضية مشاركة المرأة في الحياة السياسية، ويكشف عن استمرار الحاجة إلى مراجعة التصورات التقليدية التي تربط القيادة بالرجال، أو تتعامل مع وصول المرأة إلى مواقع السلطة باعتباره أمرًا استثنائيًا.

فالكفاءة لا ترتبط بالنوع الاجتماعي، والقدرة على القيادة ليست حكرًا على الرجال. ومن ثم، فإن حق المرأة في تولي المناصب العامة ليس منحة اجتماعية، بل امتداد طبيعي لمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص.

ولا تتحقق العدالة بمنح المرأة أفضلية لمجرد كونها امرأة، كما لا تتحقق بحرمانها من الفرصة للسبب نفسه. وإنما تتحقق بإزالة الحواجز غير العادلة، وإتاحة المجال أمام المنافسة النزيهة، بحيث يكون الاختيار قائمًا على الكفاءة والخبرة والرؤية والقدرة على تحمل المسؤولية.

إن المجتمعات التي تستثمر طاقات جميع مواطنيها، رجالًا ونساءً، تكون أكثر قدرة على الاستفادة من مواردها البشرية، وأكثر اتساعًا في خياراتها السياسية والإدارية. أما إقصاء المرأة بسبب تصورات مسبقة عن دورها، فيعني حرمان المجتمع نفسه من طاقات وخبرات يمكن أن تسهم في تقدمه.

من الأخطاء الشائعة افتراض أن الأغلبية الدينية ينبغي أن تكون صاحبة الحق الحصري في تولي المناصب العليا، أو أن وصول شخص من أقلية دينية إلى موقع قيادي يمثل تهديدًا لهوية المجتمع.

فالديمقراطية ليست حكم الأغلبية بلا ضوابط، وإنما نظام يستند إلى إرادة المواطنين، وتضبطه المؤسسات الدستورية، وتحميه ضمانات الحقوق والحريات. للأغلبية حق المشاركة في تشكيل السلطة، لكن هذا الحق لا يلغي حقوق الأقلية، ولا يجعل المواطنة امتيازًا متفاوتًا بحسب الانتماء الديني.

وفي المقابل، لا يعني وصول شخص من أقلية إلى منصب رفيع أن المجتمع قد تجاوز جميع أشكال التمييز، أو أن المساواة أصبحت واقعًا مكتملًا. فالحكم على أي تجربة سياسية يحتاج إلى النظر في القوانين والممارسات الفعلية، ومدى احترام الحقوق والحريات، وتكافؤ الفرص في مختلف مجالات الحياة.

لكن الدلالة المهمة تظل قائمة: لا ينبغي أن يُغلق باب المشاركة السياسية مسبقًا أمام مواطن بسبب دينه أو جنسه، ما دام مستوفيًا للشروط الدستورية والقانونية اللازمة لتولي المنصب.

إن قيمة التجارب الديمقراطية لا تُقاس فقط بمن يصل إلى السلطة، وإنما أيضًا بالقواعد التي تنظم الوصول إليها، والمؤسسات التي تضبط ممارستها، والضمانات التي تحمي المواطنين من التعسف والتمييز.

فالديمقراطية الحقيقية تجمع بين إرادة الأغلبية واحترام حقوق الجميع، وبين حق المواطنين في اختيار حكامهم وحقهم في مساءلتهم. ولا يجوز أن تتحول الأغلبية العددية إلى مبرر لحرمان الآخرين من حقوقهم، كما لا ينبغي أن يكون الاختلاف الديني أو الثقافي سببًا في التشكيك في الولاء الوطني.

ومن هنا، فإن نجاح أي تجربة سياسية لا يتوقف على هوية المسؤول وحدها، بل يرتبط بمدى التزامه بالدستور، واحترامه للتعددية، وقدرته على إدارة الاختلاف، وخضوعه للمساءلة، وحرصه على حماية حقوق جميع المواطنين دون تمييز.

فالمسؤول الذي يتولى منصبه في مجتمع متعدد لا يمثل أبناء دينه أو جماعته وحدهم، وإنما يتحمل مسؤولية عامة تجاه المواطنين جميعًا. وهذه هي إحدى أهم ركائز الدولة الحديثة: أن تكون السلطة مسؤولية مشتركة في إطار القانون، لا امتيازًا لفئة بعينها.

تكتسب هذه التجربة أهمية خاصة في مجتمعات لا تزال بعض النقاشات فيها أسيرة أسئلة الهوية الدينية، وكأن الانتماء إلى دين بعينه شرط مسبق لتولي المسؤولية العامة.

إن وصول امرأة مسيحية إلى رئاسة دولة ذات أغلبية مسلمة يفتح المجال أمام مراجعة هذه التصورات، ويؤكد أهمية التمييز بين معتقد الشخص وأهليته السياسية. فالمواطن المسيحي لا يحتاج إلى إثبات ولائه لوطنه أكثر مما يُطلب من المواطن المسلم، كما أن المواطن المسلم لا ينبغي أن يُختزل في دينه عند تقييم قدرته على القيادة.

المعيار هو الكفاءة والنزاهة والالتزام بالقانون والقدرة على خدمة الصالح العام. أما الدين والجنس، فلا ينبغي أن يتحولا إلى أحكام مسبقة تحرم الإنسان من فرصته في المشاركة.

ولا يعني ذلك أن نُحمّل تجربة كوسوفو أكثر مما تحتمل، أو أن نعتبر حدثًا سياسيًا واحدًا دليلًا كافيًا على اكتمال المساواة في المجتمع؛ بل يعني أن نستفيد من دلالته في طرح أسئلة ضرورية حول طبيعة الدولة التي نريدها، والمعايير التي ينبغي أن تحكم المشاركة في إدارتها.

فالمجتمع الواثق من نفسه لا يخشى اختلاف مواطنيه، والدولة العادلة لا تقيس حقوق الإنسان بحجم الجماعة التي ينتمي إليها، وإنما تضمن أن تكون المواطنة أساسًا للمساواة أمام القانون.

إن الرسالة الأهم في هذا المشهد تتجاوز حدود كوسوفو والبلقان، وتمتد إلى كل مجتمع يسعى إلى بناء دولة حديثة تقوم على المواطنة والعدالة واحترام التعددية.

فلا ينبغي أن يكون الدين حاجزًا أمام تولي المسؤولية، ولا أن يكون الجنس سببًا للتمييز، ولا أن تتحول هوية الأغلبية إلى معيار لقياس استحقاق الآخرين لحقوقهم.

إن قوة الدولة لا تُقاس بمدى تشابه مواطنيها، وإنما بقدرتها على إدارة اختلافاتهم في إطار من القانون والعدالة. والمجتمع الذي يحترم التعددية لا يرى في وصول المختلف تهديدًا له، بل يتعامل معه باعتباره مواطنًا له الحقوق نفسها وعليه الواجبات نفسها.

ثلاثة أمور قد يراها البعض عقبات: امرأة، ومسيحية، وأغلبية مسلمة. لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه ليس كيف وصلت إلى السلطة رغم هذه الاختلافات، بل لماذا يمكن أن تُعد هذه الاختلافات عقبات من الأساس؟

فالدولة الحديثة لا تسأل المواطن أولًا عن دينه أو جنسه، وإنما تتيح له فرصة عادلة وفق الدستور والقانون، ثم تحاسبه على أدائه وكفاءته والتزامه بمسؤولياته.

وفي النهاية، ليست القضية أن امرأة مسيحية تتولى رئاسة دولة ذات أغلبية مسلمة فحسب، بل أن نعيد النظر في المعايير التي نحكم بها على أهلية الإنسان للمسؤولية العامة.

فالمواطنة الحقيقية لا تعني أن يكون الجميع متشابهين، بل أن يكون المختلفون متساوين في الحقوق والفرص والكرامة الإنسانية. والدولة القوية ليست التي يحكمها من يشبه أغلبيتها بالضرورة، بل التي تضمن أن يكون القانون فوق الجميع، وأن تكون أبواب المشاركة مفتوحة أمام كل مواطن مؤهل، دون تمييز بسبب الدين أو الجنس.