بقلم: عيسى ناصر
إحنا المسيحيين في الأردن مش ضيوف عند حدا، ولا عايشين تحت حماية أو وصاية حدا. إحنا أبناء هالأرض، وجزء أصيل من تاريخها وحاضرها ومستقبلها، وحقنا في المواطنة والكرامة والأمان مش منّة من أحد، بل حق أصيل لا يقبل الانتقاص.

بعد الجريمة التي شهدتها الكرك واستهدفت كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس، خرجت أصوات تتحدث عن سماحة الإسلام وحمايته للمسيحيين، وكأن وجودنا في هذا البلد قائم على سماح الآخرين لنا بالبقاء فيه، أو كأن حقوقنا تستمد شرعيتها من حماية تمنحها لنا الأغلبية.

لكن الحقيقة التي يجب التأكيد عليها هي أن المسيحيين في الأردن ليسوا ضيوفًا على أحد، ولا وجودهم في هذه الأرض منّة من أحد. فالمسيحية متجذرة في أرض الأردن منذ قرون طويلة، وتعود جذورها إلى ما قبل ظهور الإسلام بمئات السنين. وقد أسهم المسيحيون، عبر أجيال متعاقبة، في بناء المجتمع الأردني والمشاركة في نهضته، وكانوا ولا يزالون جزءًا من نسيجه الوطني والاجتماعي والثقافي.

نحن لا نتحدث عن تاريخنا لنطالب بامتيازات إضافية، ولا لنقول إن الأسبقية التاريخية تمنحنا حقوقًا أكثر من غيرنا، بل لنؤكد أن انتماءنا إلى هذا الوطن ليس أمرًا طارئًا، وأن وجودنا فيه ليس وضعًا استثنائيًا يحتاج إلى تبرير أو إذن من أحد.

الأردن وطن لجميع أبنائه، والمواطنة ليست فضلًا تمنحه الأغلبية للأقلية، بل حق متساوٍ لكل مواطن، بصرف النظر عن دينه أو معتقده. فلا يجوز أن يصبح حق الإنسان في الحياة والأمان والكرامة موضوعًا للنقاش على أساس انتمائه الديني، ولا أن يُختزل وجود المواطنين المسيحيين في معادلة الحماية والوصاية.

إن الحديث عن حماية المسيحيين، رغم ما قد يحمله من نوايا طيبة لدى البعض، يحتاج إلى مراجعة في لغته ومضمونه. فالمطلوب ليس أن يعيش مواطن تحت حماية مواطن آخر بسبب اختلاف الدين، وإنما أن يعيش الجميع في ظل دولة تحمي حقوقهم بالتساوي، ويضمن القانون أمنهم وكرامتهم، وتكون المواطنة أساس العلاقة بينهم.

فالمسيحي الأردني لا يحتاج إلى أن يمنحه أحد حقه في وطنه، كما أن المسلم الأردني لا يحتاج إلى من يمنحه حقه في وطنه. كلاهما مواطن، وكلاهما شريك في المسؤولية، وكلاهما يستحق الحماية القانونية ذاتها، ويتمتع بالحقوق نفسها، ويلتزم بالواجبات نفسها.

ومن منطلق إيماننا المسيحي، فإن كرامة الإنسان ليست منحة من البشر، ولا تتوقف على موقف جماعة أو رضا أغلبية، بل تنبع من كونه مخلوقًا على صورة الله، كما جاء في سفر التكوين:

«فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ» (تكوين 1: 27).

وهذه الكرامة الإنسانية هي الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه علاقتنا ببعضنا البعض، وهي التي تجعل الاعتداء على أي إنسان بسبب دينه أو معتقده اعتداءً على مبدأ إنساني وأخلاقي قبل أن يكون جريمة يعاقب عليها القانون.

إن الجريمة التي شهدتها الكرك تفرض علينا جميعًا أن نتوقف أمام خطورة التطرف والعنف، وأن نرفض كل خطاب يحرض على الكراهية أو يبرر الاعتداء على دور العبادة أو يستهدف الناس بسبب إيمانهم. كما تفرض علينا أن نميز بين التضامن الحقيقي الذي يقوم على الاعتراف بالمساواة، والخطاب الذي يُبقي طرفًا في موقع الحامي وطرفًا آخر في موقع المحمي.

نحن نقدر كل موقف صادق يدين الاعتداءات، وكل تضامن إنساني يقف إلى جانب أسر الشهداء والمصابين، وكل جهد يحمي المجتمع من التطرف والكراهية. لكن التضامن لا يكتمل إلا عندما يستند إلى مبدأ واضح: لا مواطن أعلى من مواطن، ولا دين يمنح أتباعه حق الوصاية على أتباع دين آخر.

فالعيش المشترك لا يعني أن تسمح جماعة لجماعة أخرى بالوجود، بل أن يعترف الجميع بأنهم متساوون في الانتماء إلى الوطن، وأن اختلاف العقيدة لا ينتقص من حقوق الإنسان ولا من مكانته الوطنية.

إننا لا نريد لغة الحماية والوصاية، بل لغة المواطنة والحقوق والكرامة المتساوية. ولا نريد أن يُنظر إلينا باعتبارنا جماعة تحتاج إلى إذن كي تعيش بأمان، بل باعتبارنا مواطنين أصيلين في وطننا، نشارك في بنائه، ونتحمل مسؤولية مستقبله، ونتمسك بحقه علينا كما نتمسك بحقوقنا فيه.

نحن لسنا تحت حماية دين، ولسنا ضيوفًا عند أتباع دين آخر. نحن مواطنون أردنيون، لنا الحقوق نفسها وعلينا الواجبات نفسها.

ومن يريد الدفاع عن السلام الحقيقي، فليبدأ بالاعتراف بالمساواة، وترسيخ سيادة القانون، ومواجهة خطاب الكراهية، لا بالتذكير بمن يحمي من، وكأن حقوق الإنسان تتوقف على هوية من يتولى حمايته.

فالأوطان لا تُبنى بالوصاية، ولا تستقر بالامتنان على الحقوق، وإنما تُبنى بالمواطنة العادلة، والاحترام المتبادل، والإيمان بأن كرامة الإنسان وحقه في الحياة والأمان لا يحتاجان إلى إذن من أحد.