أكرم ألفي
في سبتمبر 2024، كتبت عن انكماش سكان كوريا الجنوبية وتحولها إلى مجتمع "فائق الشيخوخة"، وكيف أنه لا بديل عن استقدام الأجانب لسد العجز الرهيب في القوى الشابة والعاملة.

وقتها، دخلت في نقاش مع صديق افتراضي طرح رؤية مفادها أن الكوريين لن يقبلوا الأجانب، وأن الذكاء الاصطناعي هو البديل، وأن ما أتحدث عنه هو "محض هراء". 

بطبيعتي، لم أتعصب، فدائمًا، كما نقول، فإن رهان الديموجرافيا في كسب النقاشات هو الزمن، وليس الجدل والبحث عن انتصار في اللحظة.

واليوم، تذكرت هذا النقاش وابتسمت مع إصدار كوريا الجنوبية تقريرًا رسميًا عن ارتفاع عدد السكان ذوي الخلفيات المهاجرة إلى 2.8 مليون نسمة، يمثلون 5.4% من السكان، أغلبهم في العشرينيات من عمرهم، في أعلى نسبة للأجانب في تاريخ كوريا الجنوبية على الإطلاق!

بحسب بيان وزارة البيانات والإحصاء الكورية الجنوبية، فقد ارتفع عدد المهاجرين بنحو 100 ألف خلال عام واحد. وللعلم، استقبلت كوريا الجنوبية خلال 30 عامًا، من 1970 إلى 2000، أقل من 100 ألف اجنبي!

الرأسمالية الكورية خضعت لأحكام الديموجرافيا، ولم تستمع إلى أصدقائي الذين يتحدثون عن أن كوريا لا يمكن أن تقبل مهاجرين، أو اتبعت نصائحهم بأن الذكاء الاصطناعي سيحل الأزمة. الرأسمالية الكورية تعرف أنه بدون بشر لا ربح، وبدون شباب لا أمل في تحقيق المليارات؛ فهم وقود الأرباح، وليس الذكاء الاصطناعي. وتدرك أيضًا أن ارتفاع نسب كبار السن في المجتمع هو «كارثة» اقتصادية على أرباحها، قبل أن يكون أزمة اجتماعية.

انتصرت الديموجرافيا، وأصبح المهاجرون يمثلون أكثر من 5% من سكان كوريا الجنوبية، في دراما لم يكن أحد يصدقها قبل ربع قرن. ولكوريا ميزة رئيسية، وهي أنها تستقطب المهاجرين رجالًا وإناثًا، فنسبة الذكور من المهاجرين لا تزيد على 52.5%، مقابل 47.5% للإناث، حتى تتجنب الخلل الجندري في الدول التي تستقبل عمالة أجنبية.

وبلغت نسبة المهاجرين في سن العمل (15-65 عامًا) نحو 90% من إجمالي المهاجرين، وجاء الأشخاص في الثلاثينيات من عمرهم في المرتبة الأولى بنسبة 23.7%، يليهم الأشخاص في العشرينيات بنسبة 21.6%، أما الأشخاص في الأربعينيات، فقد بلغت نسبتهم 15.6% من الإجمالي. وقد سجلت الفئة العمرية في العشرينيات أكبر زيادة بين جميع الفئات العمرية، حيث ارتفع عدد أفرادها بمقدار 36 ألف نسمة خلال عام واحد.

وبالطبع، فإن المهاجرين الجدد قادمون من دول قريبة جغرافيًا من كوريا الجنوبية، وبها فائض شبابي، وهي، دون تفكير، فيتنام؛ إذ مثّل الفيتناميون نحو 28.1% من المهاجرين الجدد، وتلاهم الصينيون بنحو 15.7%، ومن هم من أصول كورية ويحملون الجنسية الصينية بنسبة 11.4%. أما الباقون، فهم من أوزبكستان والفلبين وكمبوديا ومنغوليا ونيبال.

أصدقائي، قد ينتقد البعض التقرير ويتحدث عن ضرورة الحفاظ على الثقافة الكورية الجنوبية، وأن الذكاء الاصطناعي سيحل الأزمة الديموجرافية في دولة تنكمش سكانيًا، وأن البشر يمكن الاستغناء عنهم. وهنا لن أناقش، بل سأنتظر عامًا لتظهر أرقام 2026 للمهاجرين في كوريا الجنوبية، وربما لن أنتظر كثيرًا ليظهر تقرير العمالة الأجنبية في اليابان!