بقلم نادر شكري 
لا تزال التحركات الأخيرة في سعر الدولار أمام الجنيه المصري تثير تساؤلات بشأن أسباب هذا الارتفاع، ومدى ارتباطه بالتطورات الاقتصادية والمالية، رغم تعدد مصادر النقد الأجنبي التي تعتمد عليها مصر، وفي مقدمتها عائدات السياحة، وتحويلات المصريين بالخارج، والتمويلات الخارجية، والصفقات الاستثمارية الكبرى التي تضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد.
 
ويبقى السؤال الأهم: ما الأسباب الحقيقية وراء تراجع الجنيه؟ ولماذا لا تنعكس هذه الموارد بصورة أكثر استقرارًا على سوق الصرف؟
 
هل يرتبط الأمر بمتطلبات صندوق النقد الدولي المتعلقة بمرونة سعر الصرف؟ أم أن التطورات الإقليمية والسياسية، وما تثيره من مخاوف بشأن حركة الاستثمارات الأجنبية والأموال الساخنة، تلعب دورًا في هذه التحركات؟ أم أن أعباء الدين الخارجي، من أقساط وفوائد، تزيد الضغوط على موارد الدولة من العملة الأجنبية؟
 
هذه تساؤلات مشروعة تحتاج إلى إجابات واضحة من الخبراء الاقتصاديين، تستند إلى بيانات دقيقة وتحليل موضوعي، بعيدًا عن التكهنات. ففهم حركة سعر الصرف يتطلب النظر إلى حجم المعروض من العملات الأجنبية، والطلب عليها، والتزامات الدولة الخارجية، وتدفقات الاستثمار، ومدى استدامة مصادر النقد الأجنبي.
 
ولا تتوقف المسألة عند المؤشرات الاقتصادية، بل تمتد آثارها إلى حياة المواطنين اليومية، الذين تحملوا على مدار سنوات أعباء برنامج الإصلاح الاقتصادي، على أمل أن تسهم إجراءاته في تحقيق الاستقرار وتحسين الأوضاع المعيشية.
 
فقد ارتفعت أسعار العديد من السلع والخدمات إلى مستويات تفوق قدرة شرائح واسعة من المواطنين، وأصبح تدبير احتياجات الأسرة الأساسية أكثر صعوبة، حتى بالنسبة لمن يعملون في أكثر من وظيفة لتوفير متطلبات المعيشة. ومع كل موجة ارتفاع جديدة في الأسعار، تتراجع القدرة الشرائية للدخول، وتزداد صعوبة وضع ميزانية واضحة للأسرة.
 
وفي المقابل، يواجه المستثمرون تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف الإنتاج، وتغير أسعار الوقود والكهرباء، والأعباء الضريبية، وتقلبات سعر الصرف، وهي عوامل تجعل إعداد دراسات الجدوى وتحديد تكاليف المشروعات المستقبلية أكثر صعوبة، وتؤثر في قرارات التوسع والاستثمار.
 
ولا شك أن الاقتصاد المصري تأثر، شأنه شأن اقتصادات العالم، بتداعيات جائحة كورونا والحروب والتوترات الإقليمية، لكن التعامل مع الأزمات الخارجية يتطلب أيضًا سياسات اقتصادية قادرة على الحد من آثارها، وتعزيز مرونة الاقتصاد، وتنويع مصادر الدخل من النقد الأجنبي، بما يدعم الاستقرار ويحمي المواطنين والأنشطة الإنتاجية من الصدمات المتكررة.
 
ومن هنا، فإن المطلوب ليس مجرد تفسير لحظي لارتفاع الدولار، وإنما تقديم قراءة اقتصادية واضحة تكشف أسباب التحركات الأخيرة، وتحدد العوامل الداخلية والخارجية المؤثرة فيها، وتوضح انعكاساتها المتوقعة على الأسعار والاستثمار والدين العام.
 
نحن جميعًا نتمنى الأفضل لبلادنا، وندرك حجم التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري، لكن الأمل في تحسن الأوضاع لا يتعارض مع حق المواطنين في الحصول على تفسير واضح لما يحدث، ومعرفة السياسات التي يمكن أن تسهم في تحقيق استقرار اقتصادي حقيقي ومستدام.
 
ويبقى السؤال مطروحًا أمام الخبراء والمسؤولين: ما أسباب الارتفاع الأخير في سعر الدولار؟ وما الإجراءات المطلوبة للحد من تقلبات سوق الصرف، واستعادة القدرة على التخطيط للمستقبل، سواء بالنسبة للمواطن الذي يسعى إلى تأمين احتياجات أسرته، أو المستثمر الذي يبحث عن بيئة اقتصادية مستقرة؟