القمص يوحنا نصيف
حديث يسوع المصلوب مع اللص التائب وإظلام الشمس
يتابع القدّيس كيرلّس الكبير تعليقه على الأحداث التي يَنفرد بذكرِها القدّيس لوقا (لو23: 32-43)، خصوصًا الحديث الذي دار مع اللص الذي تاب وآمَن واعترف بالمسيح وطلب ملكوته؛ فيقول:
كما قلتُ، صُلِبَ معه لصّان من باب السخرية على تلك الآلام التي تجلب الخلاص لكلّ العالم، ولكن أحد هذين اللصّين شابَهَ في سلوكِهِ عقوق اليهود، إذ قذف بقوّة نفس كلماتهم، وتفوّه بسهولة بتعبيرات تجديفيّة، فقال: "إن كنتَ أنت المسيح، فخَلِّصْ نفسك وإيّانا". أمّا الآخَر فقد اتّبَعَ مسلكًا مُخالِفًا، وهو جدير عن حقّ بإعجابنا، لأنّه آمَنَ به!
بينما كان يُكابِد أقصى عقوبة، وَبَّخَ صرخات اليهود المتهوّرة، وكذلك كلمات اللص الآخَر الذي كان مصلوبًا معه. إنّه اعترف بخطاياه لكيما يتبرّر (إش43: 26 سبعينيّة)، وصار لائمًا لطُرُق نفسه الخاطئة، لكيما يبرّره الله من ذنبه، كما هو مكتوب: "قُلتُ أعترفُ للربّ بإثمي، وأنت صفَحتَ لي عن نِفاقات قلبي" (مز31: 5س). وهو شهد للمسيح بالبراءة، ووبّخ افتقار اليهود لمحبّتهم لله، وأدان حُكمَ بيلاطس، إذ قال عن المسيح: أمّا هذا فلم يفعل شيئًا مكروهًا.
كم هو جميلٌ هذا الاعتراف! كم هي حكيمة تعليلاته! كم هي سامية أفكاره! لقد صار مُعتَرِفًا بمجد المخلّص، ولائمًا لكبرياء الذين صلبوه. فأيّة مكافأة نالها؟ وأيّ كرامات كان هو جدير بها؟ وأيّة منفعة عادت على هذا اللصّ الذي كان أوّل مَن يُعلِن الإيمان؟ فهو عَثَرَ على كنز جدير بالامتلاك، وصار غنيًّا على غير توقُّع، واقتنى كلّ بركة، وفاز بميراث القدّيسين، وصار اسمه مكتوبًا فوق في السموات، والذي كان يُكابِد حكم الموت صار اسمه في سفر الحياة، وأصبح في عداد سُكّان المدينة السماويّة.
فلنتطلّع إلى اعترافه الإيماني الجميل جدًّا، إذ قال ليسوع: "اذكرني يارب متى جئتَ في ملكوتك". أنت تراه مصلوبًا وتدعوه مَلِكًا! وذاك الذي كان يُكابِد العذاب والاستهزاء أنت تتوقّع مجيئه في مجد إلهيّ! أنت تراه مُحاطًا بجموع اليهود وزُمرة الفرّيسيّين الأشرار وعسكر بيلاطس، وهؤلاء جميعًا يسخرون به، وليس بينهم واحد يعترف به!
(لو23: 44، 45): "وكان نحو الساعة السادسة، فكانت ظُلمة على الأرض كلّها إلى الساعة التاسعة. واظلمّت الشمس، وانشقّ حجاب الهيكل من وسطه".
ذاك الذي يفوق كلّ المخلوقات، ويُشارِك في عرش الآب، وضَع ذاته إلى درجة الإخلاء، واخذ شكل العبد، واحتمل حدود الطبيعة البشريّة، لكيما يوفِي بالوعد الذي أعطاه الله لأجداد اليهود، لكنّهم كانوا في منتهى العناد وعدم الطاعة إلى درجة أن يثوروا على سيّدهم!
إنّهم جعلوا جُلّ شغلهم الشاغِل هو أن يُسَلِّموا رئيس الحياة للموت، وأن يصلبوا ربّ المجد؛ لكنّهم لمَا ثبّتوا ربّ الكلّ على الصليب، انسحَبَتْ الشمس من على رؤوسهم، وتدثَّرَ النور بالظلام في منتصف النهار، مثلما أنبأ عاموس النبيّ (عا5: 18)، لأنّه كانت هناك ظُلمة من الساعة السادسة إلى الساعة التاسعة، وهذه كانت علامة واضحة لليهود أنّ أذهان الذين صلبوه قد تغلّفَتْ بظُلمة روحيّة، لأنّ العَمَى والقساوة قد حصلَت جزئيًّا لإسرائيل (رو11: 25)، وداود في محبّته لله يلعنهم قائلاً: لتُظلِمْ عيونهم لكي لا يُبصِروا (مز68: 32س).
+ نعم! الخليقة ذاتها ندبَت ربّها، لأنّ الشمس أظلمَت والصخور تشقّقَت؛ والهيكل ذاته ارتدى ثياب النائحين، إذ انشقّ حجابه من أعلى إلى أسفَل. وهذا ما يُشير به الله إلينا بفم إشعياء قائلاً: أُلبِسُ السمواتِ ظلامًا، وبالمسح أُغطّيها (إش50: 3).
+ بمجرّد أن كابد آلامه على الصليب لأجلنا، حتّى ابتدأ في اكتساب الكثيرين إلى معرفة الحقّ، إذ يقول النصّ إنّه لمّا رأى قائد المئة ما حدثَ مَجَّدَ الله قائلاً: بالحقيقةِ كان هذا الإنسان بارًّا، وبعض اليهود أيضًا قرعوا صدورهم، إذ -بدون شَكّ- قد وخَزَتهم ضمائرهم، وتطلّعوا بأعين أذهانهم إلى الربّ.. لذلك قال ربّنا عن حقٍّ: "وأنا إن ارتفعتُ عن الأرض أجذب إليّ جميع الناس" (يو12: 32).
[عن تفسير إنجيل لوقا للقدّيس كيرلّس السكندري (عظة 153) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد]





