د.عايدة نصيف

لم تعد العدالة الاقتصادية مجرد قضية تتعلق بتوزيع الدخول والثروات، أو بتقديم الدعم للفئات الأكثر احتياجًا، بل أصبحت سؤالًا جوهريًا يرتبط بمستقبل المجتمعات واستقرار الدول وقدرتها على تحقيق تنمية حقيقية ومستدامة، فليس كل نمو اقتصادي دليلًا على العدالة، وليست كل زيادة في الناتج المحلي انعكاسًا لتحسن مستوى معيشة المواطنين.

 

ومن هنا يبرز التساؤل: هل آن الأوان لإعادة تعريف العدالة الاقتصادية بما يتناسب مع التحولات التي يشهدها العالم، وبما يحقق التوازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي وحقوق الإنسان في حياة كريمة؟

 

لقد اعتدنا لعقود طويلة أن نقيس نجاح السياسات الاقتصادية بمؤشرات النمو والاستثمار وحجم المشروعات ومعدلات الإنتاج، وهي بلا شك مؤشرات مهمة تعكس جانبًا من قوة الاقتصاد، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على مدى نجاح التنمية، فالمعيار الأكثر ارتباطًا بحياة الإنسان هو مدى انعكاس هذه المؤشرات على دخله الحقيقي، وقدرته الشرائية، وفرص حصوله على تعليم جيد ورعاية صحية مناسبة وسكن ملائم، فضلًا عن شعوره بالأمان الاقتصادي والاجتماعي.

 

وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية؛ فقد تحقق الدولة معدلات نمو إيجابية، بينما تظل بعض الفئات غير قادرة على تلبية احتياجاتها الأساسية، وقد تتوسع الاستثمارات دون أن تتوزع عوائدها بصورة متوازنة بين المناطق والطبقات الاجتماعية. وعندئذ تصبح العدالة الاقتصادية قضية تتجاوز الأرقام إلى طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن، وبين النمو الاقتصادي والإنصاف الاجتماعي.

 

وفي الحالة المصرية، تكتسب هذه القضية أهمية خاصة في ظل ما شهده الاقتصاد خلال السنوات الماضية من تحديات وضغوط مرتبطة بالتضخم وتقلبات أسعار الصرف وارتفاع تكاليف المعيشة، فضلًا عن التأثيرات المتلاحقة للأزمات الإقليمية والدولية. وقد فرضت هذه الظروف أعباء متفاوتة على المواطنين، وأثارت تساؤلات مشروعة حول كيفية توزيع تكاليف الإصلاح الاقتصادي وعوائده، ومدى قدرة السياسات العامة على حماية الفئات الأكثر تأثرًا بهذه التحولات.

 

ولعل من أهم القضايا التي تستحق إعادة النظر مفهوم العدالة في تحمل الأعباء الاقتصادية. فالعدالة لا تعني أن يتحمل الجميع الأعباء ذاتها، وإنما أن تتناسب المسؤوليات مع القدرات والإمكانات. وليس من المنطقي أن تكون آثار ارتفاع الأسعار على محدود الدخل مماثلة لآثارها على أصحاب الدخول المرتفعة، أو أن تتحمل الطبقة الوسطى والتى يتأكل وجودها ضغوطًا متزايدة دون أن تتوافر أمامها فرص حقيقية للحفاظ على استقرارها الاقتصادي والاجتماعي.

 

فالطبقة الوسطى ليست مجرد شريحة اجتماعية بين الأغنياء والفقراء، بل تمثل ركيزة أساسية للاستقرار المجتمعي، ومصدرًا مهمًا للكفاءات المهنية والعلمية والإدارية، وقوة محركة للاستهلاك والإنتاج. ومن ثم فإن حماية قدرتها على الاستمرار والنمو ليست ترفًا اجتماعيًا، وإنما ضرورة اقتصادية وتنموية.

 

كما أن إعادة تعريف العدالة الاقتصادية تقتضي الانتقال من مفهوم المساواة الشكلية إلى مفهوم تكافؤ الفرص الحقيقي. فليس كافيًا أن نعلن أن فرص العمل والاستثمار والتعليم متاحة للجميع، بينما تختلف القدرة الفعلية على الوصول إليها نتيجة التفاوت في الإمكانات المادية أو الموقع الجغرافي أو العلاقات الاجتماعية. إن العدالة تبدأ حين يمتلك المواطن فرصة عادلة للنجاح اعتمادًا على كفاءته وجهده، لا على قدرته المالية أو شبكة علاقاته.

 

ومن هنا تبرز أهمية الربط بين العدالة الاقتصادية والعدالة المؤسسية؛ فلا يمكن بناء اقتصاد أكثر إنصافًا في غياب الشفافية وتكافؤ الفرص ووضوح معايير الاختيار والتعيين والترقي وتخصيص الموارد. فحين يشعر المواطن بأن الكفاءة والعمل والإبداع هي المعايير الحقيقية للتقدم، تتعزز ثقته في المؤسسات، وتزداد رغبته في المشاركة والإنتاج والاستثمار في مستقبله.

 

كذلك لا ينبغي اختزال العدالة الاقتصادية في برامج الحماية الاجتماعية، رغم أهميتها وضرورتها للفئات الأولى بالرعاية. فالدعم يمثل إحدى أدوات الحماية، لكنه لا يمكن أن يكون البديل الدائم عن توفير فرص العمل المنتجة وتحسين الأجور ورفع جودة الخدمات العامة. والهدف الأعمق للعدالة الاقتصادية هو تمكين الإنسان من الاعتماد على قدراته، لا إبقاؤه معتمدًا بصورة مستمرة على المساعدات.

 

وهنا يصبح الاستثمار في التعليم والصحة والتدريب المهني أحد أهم أشكال العدالة الاقتصادية، لأنه يمنح الإنسان الأدوات التي يستطيع من خلالها تحسين ظروفه والمشاركة في التنمية. كما أن توجيه الاستثمارات إلى المحافظات والمناطق الأقل استفادة من فرص النمو يسهم في الحد من الفجوات الجغرافية، ويعزز مبدأ أن التنمية حق لجميع المواطنين، وليست امتيازًا يرتبط بمكان الإقامة.

 

ولا يمكن أن اتجاهل قضية العدالة الضريبية، التي ينبغي أن تقوم على التوازن بين تمويل الخدمات العامة وتشجيع النشاط الاقتصادي ومراعاة القدرة على الدفع. فالسياسة الضريبية العادلة ليست بالضرورة تلك التي تفرض أعباء أكبر بصورة مطلقة، وإنما التي توزع المسؤوليات بصورة منصفة، وتحد من التهرب، وتضمن كفاءة استخدام الموارد العامة، مع الحفاظ على بيئة جاذبة للاستثمار والإنتاج.

 

وفي المقابل، فإن تحقيق العدالة الاقتصادية لا يعني معاداة الثروة أو تقييد النجاح الفردي أو إضعاف القطاع الخاص؛ فالمجتمع يحتاج إلى المستثمر والمبدع ورائد الأعمال بقدر حاجته إلى العامل والموظف والباحث. وإنما تقوم العدالة على أن تكون المنافسة نزيهة، والفرص متاحة، والقواعد واضحة، وأن يرتبط تحقيق الأرباح بمسؤولية قانونية واجتماعية تحمي حقوق العاملين والمستهلكين والمجتمع.

 

ومن الضروري أيضًا ألا تتحول الدعوة إلى العدالة الاقتصادية إلى شعارات منفصلة عن الواقع المالي للدولة؛ إذ إن توسيع الإنفاق الاجتماعي دون موارد مستدامة قد يؤدي إلى اختلالات اقتصادية تنعكس بدورها على الفئات المراد حمايتها. ولذلك فإن التحدي الحقيقي يتمثل في الجمع بين الانضباط المالي وكفاءة الإنفاق والحماية الاجتماعية، وبين تشجيع الاستثمار وضمان توزيع أكثر إنصافًا لفرص التنمية.

 

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغل صانعي السياسات الاقتصادية اليوم ليس فقط: كم حققنا من نمو؟ بل أيضًا: من استفاد من هذا النمو؟ وكم فرصة عمل منتجة أوجدنا؟ وهل تحسنت القوة الشرائية للمواطن؟ وهل أصبح الحصول على الخدمات الأساسية أكثر عدالة؟ وهل اتسعت فرص الحراك الاجتماعي أمام الشباب والمرأة وأبناء المحافظات المختلفة؟

 

إن الإجابة عن هذه التساؤلات تتطلب تطوير أدوات تقييم السياسات العامة، بحيث لا تقتصر على المؤشرات الكلية، بل تشمل مؤشرات واضحة لقياس جودة الحياة، وتفاوت الدخول، وتكافؤ الفرص، ومستوى الخدمات، وقدرة الأسر على مواجهة الأزمات.

 

فالعدالة الاقتصادية ليست أن يحصل الجميع على القدر نفسه، وإنما أن يمتلك الجميع فرصة منصفة، وأن تُوزع الأعباء وفق القدرة، وأن تصل ثمار التنمية إلى الإنسان الذي يمثل غايتها الأولى والأخيرة.

 

 

ويبقى السؤال الأهم: هل نكتفي بإدارة نتائج السياسات الاقتصادية، أم نمتلك الشجاعة لإعادة النظر في معايير نجاحها، بحيث يصبح المواطن شريكًا في التنمية ومستفيدًا حقيقيًا من عوائدها.

نقلا عن فيتو