خالد منتصر
بلغت سينما كوريا الجنوبية ذروة تاريخية مع فيلم «طفيلى» Parasite لبونج جون هو الذي فاز بالسعفة الذهبية في كان عام 2019، ثم بأربع جوائز أوسكار عام 2020، بينها أفضل فيلم، ليصبح أول فيلم بغير الإنجليزية يفوز بهذه الجائزة، وهذا اختراق استثنائي يحدث لأول مرة لحاجز اللغة أمام السينما العالمية، لكن كيف وصلت السينما الكورية لهذا المستوى المتقدم والذي جعلها منافساً شرساً لهوليوود؟ لا بد أن نبحث في الأسباب لعل فيها بعض المنشطات للسينما المصرية، التي تعاني هذه الأيام بشكل كبير، وصلت السينما الكورية إلى مكانتها لأنها بنت صناعة متكاملة ترتكز على الموهبة أولاً، أدواتها الحرية والتمويل والتدريب وحماية السوق والتوزيع.
وكان التحول الأكبر منذ أواخر الثمانينات وخلال التسعينات، بداية وسّعت مساحة الحرية أمام المخرجين، مع التحول الديمقراطي، تصاعدت مقاومة الرقابة، وفي أكتوبر 1996 قضت المحكمة الدستورية هناك بعدم دستورية نظام المراجعة المسبقة للأفلام، ثم استمرت إصلاحات أخرى، ساعد ذلك على توسيع الموضوعات الممكن تناولها، مثل التسلط، والفساد، والتفاوت الطبقي، والتاريخ المؤلم، لم تختفِ القيود دفعة واحدة، لكن مساحة التعبير اتسعت.
أدخلت كوريا تمويلاً مؤسسياً وإدارة محترفة، سمحت لشركات كبرى، مثل سامسونج، دخول مجال تمويل الأفلام في التسعينات، ثم توسعت صناديق الاستثمار وشركات التوزيع، أصبح الفيلم مشروعاً يبدأ بالتطوير والتخطيط، وتُحسب له الميزانية والجمهور والتسويق وحقوق الاستغلال، وشمل الاستثمار تطوير الأفكار منذ مراحلها الأولى، بما أتاح تجارب وأنواعاً سينمائية أكثر تنوعاً، طبّقت نظام «حصة العرض»، الذي يُلزم دور السينما بتخصيص جزء من أيامها للأفلام الكورية، بلغت الحصة 146 يوماً سنوياً، ثم خُفضت إلى 73 يوماً عام 2006، منح ذلك الإنتاج المحلي مساحة لمواجهة المنافسة الأجنبية وبناء جمهوره.
أُعيد تنظيم مجلس السينما الكوري KOFIC عام 1999 بهدف تعزيز سياسات دعم السينما واحترام حرية العاملين فيها، وساهم في آليات تمويل تجمع المال العام والاستثمار الخاص، ظهر منتجون محترفون وشركات جديدة، وأُتيحت فرص لمخرجين جدد. وانطلق مهرجان بوسان عام 1996 ليعرّف العالم بالسينما الكورية، ثم تطورت حوله منصات لدعم المشروعات وربط أصحابها بشركاء الصناعة، ومزج صناعها الجريمة بالكوميديا السوداء، والرعب بالدراما الاجتماعية، وقدّموا مشكلات كورية في حكايات مشوّقة يفهمها جمهور خارج كوريا، وأصبح هذا المزج بين الأنواع من علامات جاذبيتها الدولية، الموهبة تحتاج إلى حرية، وتمويل يصبر على تطوير الفكرة، وشاشة تتيح للفيلم مقابلة جمهوره، وتوزيع يحملها إلى الخارج.
نقلا عن الوطن





