عادل نعمان

ليتك أيها الأخ المتدين بطبعه، الكيّس الفطن، تهتم بحياتك وبنفسك وأهل بيتك، فكل راع مسؤول عن رعيته، وهؤلاء رعاياك من خلق الله دون غيرهم، ولا يخدعك مخادع باسم الدين واهمًا إياك أن الله قد اختصّك بمحبته فقط، وفضلك على غيره من خبراء وعلماء ومكتشفين، إلا بعملك وعلمك الذى يخدم البشرية جمعاء، أو يوهمك واهم أنك وحدك القائم على إصلاح أمور الناس وتقويم المعوج والطالح من خلقه، أو تغيير المنكر بيدك إذا وقعت عيناك عليه دون تكليف ولى الأمر أوالقانون، أو يغرنك مغرور أنك أفضل وأجدى وخير خلقه، إلا إذا كان هذا فى العدل والخير وليس بالتقوى وإقامة الشعائر فقط (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) أو يفتنك فتان فى مقامك فيرفع مقامك ومنزلتك على مقام ومنازل الناس إلا بما تتحمله من مسؤولية والتزام أمام رب الناس، أو أن يغوينك ويزين لك غاوٍ أن دمك هو الأعلى شأنًا على دماء خلقه بسبب عرق أو دين، فكل الدم الإنسانى معصوم ومحرم ولا يجوز إراقته إلا بالحق والعدل والقصاص العادل.

 

واعلم أيها المتدين بطبعه أن الله لا يتخذ له أنصارًا وأعوانًا إلا أنصار الحق وأعوان الخير والسلام، وأن الجنة ليست إلا للمتقين والصالحين والعاملين والمساعدين والمتضامنين والمؤازرين الخير والرحماء، وليست حكرًا على أحد أو ملة أو مذهب أو معتقد أو متدين فاز بها دون عمل أو فضيلة أو علم انتفع به الناس.

 

ليتك أيها الأخ المتدين بطبعه تحترم مشاعر الآخرين ولا تشمت فى مصائب الناس، فهى يوم لك ويوم عليك، فلا المصائب والمحن تتبع رائحة العصاة البغاة المذنبين أو الكفرة الملحدين وتذيقهم سوء العذاب، ولا تتحسس رائحة التقاة الطيبين المتدينين فتجنبهم وبال أمرها، وتميل عنهم ميلًا شديدًا، ظواهر الكون يا أخى ليست انتقامًا وعقابًا من الله، فمصائبنا وكوارثنا أكثر مئات المرات من مصائب وكوارث الكرة الأرضية كلها مجتمعة، وليس سقوط الصليب على القس

 

باترسيو فى كنيسة الإكوادور وموته المفاجئ رهانًا وبرهانًا على هداك وضلاله، أو مصير المضل الضال، فلم يكن سقوط الرافعة فى الحرم المكى منذ أعوام وموت عشرات المعتمرين والزوار رهانًا على هدى دين وضلال الآخر، ولم يكن تدافع الحجاج فى منى وموت الآلاف من الحجاج مرة واحدة فى مشهد مأساوى، اختبارًا لقدرة الله على حماية زواره، أو بركة السبق واللحاق والقبر فى البقيع فى صحبة الخلفاء والتقاة، بل هى أسباب وتقصير وإهمال لا تعفى تقيًّا من الكارثة، وتصيب الكافر الظالم، والأسباب لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم، تسير مسارها دون أن تترقب أو تترصد أو تتجسس على عباد الله تصيب من تشاء من عباده وتعفو عن المؤمنين، المعادلة يا سيدى لا تميل ولا تحيد عن الهدف إن كان مؤمنًا ورعًا أو كافرًا داعرًا، تصيب من كان فى طريقها غافلًا أو يقظًا، قائمًا يصلى فى مسجد أو يحرس حدودًا أو سكيرًا يرتاد حانة من الحانات.

 

وليست مظاهرات فرنسا وحرق فرنسا واحة الحرية هو مصير المفتونين والمتخاصمين مع منهج الله، أو عقابًا من الله على الفساد والانحلال، فلو كان الأمر كذلك لما أصابنا من الفساد معظمه، وما نالنا من الفقر والجهل ما يقوس ويحنى ظهورنا، وما كانت هذه الحروب التى تملأ بلادنا من أفغانستان إلى إيران ودول الخليج والعراق واليمن والسودان وليبيا والبقية تأتى، حتى تهللوا وتكبروا، فهى محنة واختبار للمجتمع الحر، الذى استقر فى يقينه أن التظاهر أحد مظاهر الحرية وأدوات التعبير عن الرأى، وهذه الخروقات هى أحد تداعياته ومسالبه وآثاره، ولم يجرؤ أحد منهم رغم هذه المحن وهذه الكوارث أن ينادى بإلغاء الحريات أو تقييد حرية الرأى، وكلها مكاسب تتضاءل أمام هذه الخروقات، هذه مجتمعات ذاقت حلاوة الحرية فلا تتنازل عنها لعبث قلة أو خروج عصبة عن خط الدولة وإساءة التعبير والتصرف، بل إنهم قد حمَّلوا أجهزة الشرطة جزءًا من المسؤولية لحملهم على المتظاهرين بأكثر مما يجب، وليس الأمر فى مجمله هكذا.

 

السيد المتدين بطبعه، إياك أن تنتظر معجزة خارقة لناموس الحياة تنتشلك من مرض أو فقر أو جهل، فهو زمن قد ولى إلى حال سبيله، خرافات وحكايات قد عفا عليها الزمن ومال عنها، فلا دليل عليها ولا شاهد سوى المستفيدين من رواياتها وتأكيدها، تمسك بالأسباب، فلن تبرأ من المرض إلا بالعلاج والدواء، ولن تنجو من الفقر إلا بالبحث العلمى والدراسة والعمل، ولن ترفع غطاء الجهل عنك إلا بالتعليم والثقافة، والتفاعل مع العالم وتبادل الخبرات والعلوم والثقافات، وإياك أن تظن أن مخاصمة العالم واستعداءه والبعد عنه نجاة لك فى الدنيا والآخرة، الاستغناء يعنى الموت، والبعد يعنى الجفاف والجدب، كن فاعلًا ومتفاعلًا مع المجتمع العالمى، فلن ينصلح حالك إلا إذا كنت عضوًا فاعلًا فيه.

 

«الدولة المدنية هى الحل».

نقلا عن المصرى اليوم