كتب - محرر الاقباط متحدون
أثارت المناظرة التي أدارها الفنان عمرو عبد الجليل، بين الداعية الإسلامي هيثم طلعت وشخص ملحد، الغضب في مصر، حيث وصف طلعت الديانات الأخرى بـ"الزبالات"،وقال نصا: "الإسلام هو الدين الوحيد في الأرض، والباقي شوية زبالات وشرك ووثنيات وإلحاد".
وفي هذا الصدد، وجه دياكون ديسقوروس، رسالة عبر حسابه على فيسبوك، حملت عنوان "هذا إيماني وأفتخر.. المسيحية ليست دين «زبالات ووثنيات»"، وجاء بنصها:
حين يخرج الداعية هيثم طلعت في لقاء إعلامي مع الممثل عمرو عبد الجليل، ويصف الأديان الأخرى بأنها «زبالة شرك بالله ووثنية وإلحاد»، فإننا لا نكون أمام دفاع عن الدين، بل أمام خطاب يخلط بين قوة العقيدة وقسوة الإهانة، ويتصور أن احتقار معتقدات الآخرين يمكن أن يكون دليلًا على بطلانها.
وأقول له من البداية: أنا لا أكتب معتذرًا عن مسيحيتي، ولا طالبًا منك الاعتراف بها، ولا خائفًا عليها من كلماتك. فأنت لم تكن أول من هاجم المسيحية، ولن تكون آخرهم، وقد واجهت كنيستنا عبر تاريخها ما هو أقسى بكثير من هذه التصريحات.
أنا أكتب لأن المسيحية التي تصفها بالوثنية ليست عقيدة مجهولة حتى تعرّفها أنت للناس، ولا فكرة هشة حتى تهدمها بعبارة في برنامج تلفزيوني.
أولًا: هل تعرف العقيدة التي تهاجمها؟
قبل أن تصف المسيحية بالوثنية، عليك أن تثبت أنك تفهم عقيدتها.
فالمسيحية لا تؤمن بثلاثة آلهة، ولا تعبد إنسانًا منفصلًا عن الله، ولا تؤله الأخشاب والأحجار.
نحن نؤمن بإله واحد، واحد في الجوهر، مثلث الأقانيم، ونؤمن بأن المسيح هو كلمة الله الأزلي الذي تجسد دون أن يفقد لاهوته.
يقول الكتاب المقدس:
«اسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ» (مرقس 12: 29).
ويقول:
«لَيْسَ إِلهٌ آخَرُ إِلاَّ وَاحِدًا» (1 كورنثوس 8: 4).
فأين تعدد الآلهة الذي تتحدث عنه؟
قد ترفض عقيدة الثالوث، وهذا شأنك، لكن رفضك لها لا يمنحك الحق في تحريفها.
وهنا أضع أمامك سؤالًا فلسفيًا محددًا: هل تستطيع إثبات أن التمييز بين الأقانيم داخل الجوهر الإلهي الواحد يستلزم بالضرورة تعدد الآلهة؟
إن كنت تستطيع، فقدم البرهان. أما تكرار الاتهام فليس برهانًا.
ثانيًا: ألفا عام من الفكر لا تهدمها شتيمة
حين كان القديس أثناسيوس الرسولي يدافع عن ألوهية المسيح، وحين كان القديس كيرلس الكبير يشرح الاتحاد الأقنومي، وحين كان آباء الكنيسة يناقشون قضايا الجوهر والأقنوم والتجسد، كانوا يؤسسون لتراث لاهوتي وفلسفي بالغ العمق.
المسيحية ليست أسطورة بلا تاريخ.
لدينا أسفار العهد الجديد، وكتابات الآباء الرسوليين، وشهادات تاريخية من خارج المسيحية، ومخطوطات ووثائق ومجامع ومدارس لاهوتية.
ولدينا مدرسة الإسكندرية التي كانت واحدة من أعظم مراكز الفكر المسيحي في العالم القديم.
هذا التراث ليس فوق النقد، لكنه يستحق أن يُناقش بعلم.
فمن أراد أن يهدم عقيدة عمرها ألفا عام، فعليه أن يقدم علمًا يوازي حجم ادعائه، لا ألفاظًا تكشف عجزه عن المناقشة.
والقاعدة العقلية واضحة: لا تستطيع إثبات بطلان قضية بإهانة المؤمنين بها. فالشتيمة تعبر عن موقف قائلها، ولا تقدم دليلًا على صحة هذا الموقف.
ثالثًا: الصليب الذي تهاجمونه هو موضع افتخارنا
نحن لا نخجل من صليب المسيح، ولا نعبد خشبته، بل نعبد المسيح الذي صُلب عليه وقام من الأموات.
يقول الرسول بولس:
«وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (غلاطية 6: 14).
والتجسد في إيماننا ليس تحول الله إلى مخلوق، بل اتحاد الكلمة الأزلي بطبيعتنا الإنسانية دون تغيير في لاهوته.
هذه عقيدتنا كما تسلمناها من الآباء، لا كما يصورها خصومها.
وإن كنت ترفضها، فناقشها من مصادرها، لأن من يصنع لعقيدة خصمه صورة مشوهة ثم يهدمها، لم يهزم خصمه، بل هزم الصورة التي صنعها بنفسه.
رابعًا: نحن أبناء كنيسة الشهداء
أنا قبطي أرثوذكسي، ابن كنيسة قدمت عبر تاريخها شهداء ومعترفين، وحفظت إيمانها رغم الاضطهادات والنفي والسجون والموت.
كنيسة أثناسيوس وكيرلس، كنيسة مدرسة الإسكندرية، كنيسة الرهبنة والشهداء.
فهل يتصور هيثم طلعت أن كنيسة واجهت كل هذا التاريخ يمكن أن تهتز أمام تصريح إعلامي؟
إن الإيمان الذي لم تستطع السيوف انتزاعه من قلوب الشهداء، لن تنتزعه كلماتك من قلوب أبنائهم.
خامسًا: إلى هيثم طلعت مباشرة
من حقك أن تعتقد أن دينك وحده هو الحق، ومن حقك أن ترفض كل عقائد المسيحية، لكن ليس من حقك أن تتصور أن إهانتها أصبحت دليلًا على بطلانها.
وإذا كنت تريد مناقشة علمية، فهذه كتبنا، وهذه عقائدنا، وهذه نصوصنا، وهذا تاريخنا.
ناقش الثالوث، والتجسد، والصليب، والقيامة، وقدم أدلتك، وسنرد عليها.
أما أن تصف معتقدات الملايين بألفاظ الإهانة، ثم تقدم ذلك على أنه دفاع عن الدين، فهذه ليست شجاعة فكرية، ولا انتصارًا عقائديًا.
وليعلم هيثم طلعت وغيره أن محبة الأقباط لوطنهم، وتمسكهم بالسلام، ورفضهم الانجرار إلى الفتن، ليست خوفًا ولا ضعفًا ولا عجزًا عن الرد، بل هي تعبير أصيل عن إيمانهم المسيحي. فنحن أبناء المسيح الذي قال: «طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ» (متى 5: 9)، والكتاب المقدس يأمرنا: «اطْلُبُوا سَلاَمَ الْمَدِينَةِ» (إرميا 29: 7). لقد تعلمنا أن محبة الوطن واجب، وأن السلام قوة أخلاقية، وأن الاختلاف في العقيدة لا يلغي الشراكة في الوطن.
وأخيرًا.. هذا إيماني وأفتخر
نعم، أنا مسيحي قبطي أرثوذكسي.
أؤمن بإله واحد، الآب والابن والروح القدس.
أؤمن بالمسيح الإله المتجسد، وبصليبه وقيامته، وبالكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية.
أفتخر بإيمان أثناسيوس وكيرلس، وبكنيسة الشهداء، وبالإنجيل الذي أعلن الرسول بولس عنه:
«لأَنَّنِي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ» (رومية 1: 16).
لا أخجل من الثالوث، ولا أعتذر عن التجسد، ولا أستحي من الصليب، ولا أنتظر شهادة من هيثم طلعت أو غيره بصحة إيماني.
لقد كانت المسيحية قائمة قبل أن يولد هيثم طلعت، وستبقى بعد أن تُنسى تصريحاته.وأقولها: نحن لا نطلب منك أن تؤمن بما نؤمن به، لكننا لن نقبل أن يتحول ازدراء إيماننا إلى بطولة دينية.
هذا إيماني وأفتخر.. مسيحيتي ليست «زبالات ووثنيات»، بل هي إيماني بالمسيح الإله الحقيقي، الذي أعبده وأفتخر بصليبه وأشهد لقيامته.





