الإيبوذياكون د. بولا وجيه يكتب: صاحب شجرة الطاعة.. الأنبا يحنس القصير 

في قرية "بتسا" بصعيد مصر، حيث كانت الثروة والجاه هما معيار الحياة، كان هناك قلب صغير في الثامنة من عمره يزن العالم كله فلا يجده يعادل لحظة في حضرة الله. ترك الصبي "يحنس" نعيم عائلته الثرية، وانسلّ بهدوء نحو "برية شيهيت" القاحلة، باحثاً عن كنز لا تفنيه الأيام.

هناك في صمت الصحراء، التقى بالشيخ المجرب "الأنبا بمويه"، الذي أراد أن يختبر صلابة هذا العود الغض. حذره من قسوة البرية وجوعها وعطشها، لكن الصبي أجاب بدموع الرجاء: "لا تردني يا أبي، فإني أؤمن أن الرب سيطيب قلبك عليّ". وبإعلان سماوي، قَبِل الشيخ تلميذه، لتبدأ ملحمة من النسك والتجرد سطرها التاريخ الرهباني بحروف من نور.

لم تكن مدرسة الصحراء عادية؛ ففي أحد الأيام، طرده الأنبا بمويه من قلايته ليختبر تواضعه. مكث يحنس سبعة أيام بلياليها أمام الباب المغلق، وكلما خرج معلمه ليقرعه بجريدة نخل، كان يسجد حتى يلامس وجهه التراب هامساً: "أخطأت يا أبي". وفي اليوم السابع، انفتحت بصيرة الشيخ ليرى السماء تشارك في هذا الاختبار؛ سبعة ملائكة ينزلون ليضعوا سبعة أكاليل مضيئة على رأس التلميذ المنسحق، ليتحول الطرد المذل إلى أعظم تتويج.

لكن الدرس الخالد الذي قدمه يحنس للبشرية كان في "العود اليابس". أعطاه معلمه عصا جافة وأمره بغرسها وسقيها. كان ينبوع الماء يبعد مسيرة اثني عشر ميلاً في قلب الرمال الحارقة، ومع ذلك، ظل يحنس يحمل الماء ذهاباً وإياباً كل يوم بلا كلل أو ملل. وبعد ثلاث سنوات من الطاعة الصامتة والجهد المضني العجيب، دبت الحياة في الخشب الميت، وأورق العود وصار شجرة مثمرة. قطف معلمه من ثمارها وطاف بها على شيوخ البرية قائلاً بتهلل: "خذوا وكلوا من ثمرة الطاعة".

مضت الأيام، وصار التلميذ "الأنبا يحنس القصير". خدم معلمه المريض اثنتي عشرة سنة كاملة كظل لا يفارقه، حتى أسلم الشيخ روحه وهو يمسك بيد تلميذه ويوصي الشيوخ قائلاً: "احتفظوا به، فإنه ملاك وليس إنساناً". وحين وضع البطريرك يده عليه ليرسمه قمصاً، شق صوت سماوي صمت الكنيسة مرتين هاتفاً: "مستحق، مستحق!". بلغت شفافيته الروحية حداً جعل البطريرك ثاؤفيلس يرسله محمولاً على سحابة إلى بابل الكلدانيين، في مهمة مقدسة ليعود ببركة أجساد الفتية الثلاثة.

ورغم كل هذا المجد الروحي، والكرامات التي توجت حياته، ظل قلبه يفيض بالحب العميق، حتى لمن يعاديه. فحين أغار البربر المتوحشون على البرية، حمل عصاه وهرب. وحين تعجب البعض وسألوه: "أتهرب خوفاً من الموت يا أبانا؟"، أجاب بإنسانية فائقة الوصف: "لا، بل هربت لئلا يقتلني بربري فيذهب إلى الجحيم بسببي.. فهو وإن كان مقاوماً وشرساً، إلا أنه أخي في الصورة". لم يشأ أن يشتري إكليل الاستشهاد بثمن هلاك إنسان آخر.

وفي جبل القلزم، حيث استقر في أواخر أيامه، حانت ساعة اللقاء المشتتهى. مرض قليلاً، وفي ليلة الأحد، انحنى ساجداً يصلي كعادته. وفي لحظة السجود تلك، انطلقت روحه الطاهرة بسلام، فرآها خادمه في رؤيا تخطف الأبصار؛ تصعد إلى السماء تحيط بها كوكبة من قديسي البرية يرتلون فرحاً، يتقدمهم كوكب منير يتلألأ كالشمس.. لم يكن ذلك الكوكب سوى "الأنبا أنطونيوس" أب الرهبان، جاء بنفسه ليستقبل "ملاك البرية" الذي زرع طاعته في الأرض، فأثمرت شجرة تظلل الكنيسة إلى الأبد.