ماجد سوس

بين حكمة الاحتياط وقوة الإيمان
كم من إنسان أطفأ فرحته بيده، وأخفى نجاحه، وخاف أن يتحدث عن نعم الله عليه، لا لأن أحدًا هدده، بل لأنه يخشى عينًا قد تحسده! وكم من إنسان عاش أسيرًا لفكرة أن وراء كل تعثّر حاسدًا، ووراء كل خسارة عينًا، حتى تحوّلت النعمة في حياته من سبب للشكر إلى مصدر للقلق!

فهل يريدنا الله أن نعيش خائفين من عيون الناس، أم واثقين في عنايته؟
‎كان البابا كيرلس السادس يردد الحكمة 

الشعبية: «داري على شمعتك». ومعناها أن الحكمة تقتضي ألا نكشف كل تفاصيل حياتنا لكل إنسان، وألا نستعرض نجاحاتنا أمام الجميع بلا داعٍ. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تداري على شمعتك حكمةً، وأن تطفئها خوفًا من الحسد! الحكمة تحمي خصوصيتك، أما الخوف فيسرق سلامك.

والمسيحي لا يتباهى بنفسه وكأنه مصدر نجاحه، لكنه أيضًا لا يخجل من عطايا الله فيه. يقول الرسول: «مَنْ افْتَخَرَ فَلْيَفْتَخِرْ بِالرَّبِّ» (1 كورنثوس 1: 31). أي إن افتخاري ليس بأنني أقوى أو أذكى من غيري، بل بأن نعمة الله ساندتني وأعانتني. أستطيع أن أفرح بنجاحي وأشكر الله عليه، دون كبرياء أو استعراض، ودون أن أعيش مختبئًا خوفًا من عيون الآخرين.

‎تأملوا معي: لو كان مجرد أن يعرف الناس 
نجاحك كافيًا لإسقاطك بالحسد، فكيف استمرت شركات عملاقة مثل تسلا وآبل ومايكروسوفت وتويوتا، رغم شهرتها وملايين العيون التي تتابعها؟ وكيف ظل اسم أم كلثوم وعبد الوهاب خالدًا، وكيف وصل عادل إمام إلى هذه الشهرة الواسعة، وكيف يواصل ميسي مسيرته تحت أنظار العالم كله؟ هل يعني هذا أن أحدًا لم يحسدهم؟ بالطبع لا نستطيع أن نعرف ذلك. لكنه يعني أن وجود الحاسدين لا يجعل النجاح مستحيلًا، وأن شهرة الإنسان ليست حكمًا بفشله أو زوال نعمته. فلا تجعل احتمال الحسد قانونًا يحكم حياتك، ولا تمنح الخوف سلطة أكبر من حجمه.

وفي صلاة الشكر التي نرفعها كل يوم، نطلب 
من الله أن يحفظنا من كل حسد وكل تجربة وكل فعل الشيطان. والحسد في هذا السياق هو الشر الذي نلتمس من الله أن يحمينا منه، وليس دعوة إلى الشك في كل إنسان ينظر إلينا. أما التجربة فهي ما يختبر إيماننا وقد يدفعنا إلى السقوط، ونطلب من الله أن يسندنا فيها ويحفظنا من الشر. والكتاب يقول: «الله غير مجرَّب بالشرور، وهو لا يجرِّب أحدًا» (يعقوب 1: 13). فالله ليس مصدر الإغواء بالشر، بل هو ملجؤنا في التجارب. والشيطان، الذي يحارب الإنسان ويقاوم خلاصه، لا ننتصر عليه بالخوف من عيون الناس، بل بالالتصاق بالمسيح.

ولا يعني هذا أن كل مرض أو خسارة أو تعثّر سببه عين إنسان، أو أن مجرد نظرة شخص تمنحه قوة خفية لإيذائنا. نحن نصلي طالبين حماية الله، لكننا لا نتهم أحدًا بلا دليل، ولا نفسر كل ما يحدث لنا تفسيرًا غيبيًا.

‎فكيف ننتصر على الخوف من الحسد؟ نشكر 
بدلًا من أن نقلق، ونتصرف بحكمة بدلًا من أن نختبئ، ونفرح بنعمة الله بدلًا من أن نعتذر عن نجاحنا. لا تتباهَ بنفسك، لكن لا تحتقر عطايا الله فيك. لا تكشف كل أسرارك، لكن لا تجعل الخصوصية سجنًا. ولا تسمح للخوف أن يحرمك من مشاركة فرحتك مع من يحبونك بصدق.

وأخيرًا، اجعل لك حصنًا روحيًا حقيقيًا: ردّد اسم يسوع باستمرار، لا كتعويذة سحرية، بل كصلاة حب واتكال وتسليم. قل من قلبك: «يا ربي يسوع المسيح، ارحمني، واحفظ قلبي في سلامك». واحرص على التناول المنتظم من الأسرار المقدسة، مرة كل شهر على الأقل، مع التوبة الصادقة والاستعداد الروحي وإرشاد الروح القدس؛ فالتناول ليس وسيلة سحرية تمنع كل أذى، بل شركة حقيقية مع المسيح، مصدر حياتنا وقوتنا وثباتنا فيه.

‎يا صديقي، لا تطفئ شمعتك خوفًا من عيون 
الناس؛ احرسها بالحكمة، وأبقِها مضيئة بالشكر، وانسب نورها إلى الله.
المسيحي لا يعيش مهزومًا أمام الحسد، بل يعيش منتصرًا بالمسيح، فرحًا بنعمته، مطمئنًا في محبته. ليس مشغولًا بمن يحسده، بل مشغولًا بمن يحتاج إلى تعزيته؛ لا يزرع الخوف في القلوب، بل يزرع الفرح والسلام، ولا ينشغل بإطفاء شموع الآخرين، بل يساعدهم أن يضيئوا.

عِشْ، واشكر، ونجح، وأحبّ، وأكمل طريقك. لا تجعل الحاسد محور حياتك، بل اجعل المسيح مركزها. فالمؤمن لا يعيش متأكدًا أن أحدًا لن يحسده، بل يعيش واثقًا أن الخوف من الحسد لن يسلبه حرية الحياة مع الله.
‎ماجد سوس