د. رامي عطا صديق
فى ٥ نوفمبر المقبل يكون قد مرت سنة على رحيل الدكتور أحمد شوقى حسن (١٩٤٢-٢٠٢٥م)، بعد مسيرة حافلة بالعطاء العلمى والإسهام الثقافى، حيث ترك خلفه العديد من الأبحاث والمؤلفات القيّمة فى مجالات علم الوراثة والثقافة العلمية، وعشرات المقالات فى الصحف المصرية التى اقترب من خلالها بالقراء من مختلف مستويات الثقافة والتعليم، مؤمنًا بضرورة وصول العلم إلى الناس بلغتهم البسيطة.

كان الدكتور أحمد شوقى نموذجًا للأكاديمى الفاعل والنشيط، الذى عمل داخل الجامعة، بين الطلاب والباحثين فى المدرجات وقاعات الدرس والمعامل، فى الندوات والمؤتمرات العلمية، كما عمل أيضًا خارج أسوار الجامعة فى المجال العام، فى المنتديات واللقاءات الثقافية، وقد أنجز ونجح فى كليهما، ومن ذلك مثلًا أنه أسس شعبة الوراثة والهندسة الوراثية بكلية الزراعة جامعة الزقازيق، ورفض مغادرتها طوال عمره المهنى، كما أسهم فى تطوير برامج علم الوراثة بكليات الزراعة، فكان صاحب مدرسة علمية مُتميزة ورائدة فى مصر والعالم العربى، ومن أنشطته عضوية لجنة المستقبليات بأكاديمية البحث العلمى، ولجنة الثقافة العلمية بالمجلس الأعلى للثقافة، وكان مديرًا لوحدة تنسيق العلاقات الخارجية بالمجلس الأعلى للجامعات فى تسعينيات القرن الماضى. ومن هنا فقد مثل الدكتور أحمد شوقى نموذجًا للمثقف العضوى، الذى ارتبط بقضايا المجتمع وجماعته الأكاديمية والفكرية.

تعرفت إليه فى منتدى حوار الثقافات بالهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، حيث كان عضوًا استشاريًا فى كثير من لجان المنتدى وبرامجه الخاصة بالقيادات الدينية وشباب الأكاديميين والإعلاميين والمجتمع المدنى، وقد استفدت كثيرًا من الأفكار والرؤى التى كان يطرحها.

تخرج الدكتور أحمد شوقى فى كلية الزراعة جامعة الزقازيق فى الستينيات، وبُعث إلى لينينجراد (سانت بطرسبرج حاليًا) فى الاتحاد السوفيتى سابقًا لدراسة علم الوراثة، ثم عاد إلى مصر ليؤسس مدرسة علمية وراثية بارزة، ولعب دورًا فاعلًا ورئيسًا فى تأسيس وتطوير علم الوراثة فى الجامعات المصرية.

وقد اتسم بصفات كثيرة طيبة منها العطاء والتواضع والتسامح والهدوء، إلى جانب اهتمامه بتشجيع الباحثين وتحفيزهم، وعنايته بنشر الثقافة العلمية وتشجيع الدراسات المستقبلية والقراءة والترجمة، وترسيخ العلاقة بين المجتمع والعلم.

من بين مؤلفاته وإسهاماته الفكرية كتابه «علم الوراثة: نحو تعريف جديد»، حيث قدّم للقراء رؤية مُيسّرة لمفهوم الوراثة وتحوّلاته، وكيف أصبح هذا العلم بوابةً لفهم الحياة والأمراض والغذاء والمستقبل، يحتاج إلى رؤية تتجاوز دراسة الجينات والصفات الموروثة إلى فهم العلاقات التى تربط الكائنات الحية ببيئاتها، وتربط المعرفة الوراثية بتاريخ الإنسان وثقافته ومجتمعه، وبالإجمال تقديم تصور أوسع لعلم الوراثة، باعتباره مجالًا يُسهم فى فهم الحياة، ويتصل بالعلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية، من خلال رؤية متجددة للمفاهيم الجينية الحديثة فى ضوء التطورات البيولوجية السريعة.

وكتابه «ثلاث قصص علمية: البيولوجيا. التطور. الوراثة»، يبسط فيه للجمهور العام مبادئ علم الأحياء ونظريات التطور الجزيئى وقوانين الوراثة الحاكمة للكائنات الحية. وكتاب «قصة الوراثة من الفطرة إلى الهندسة» الذى يستعرض تطور علم الوراثة من الملاحظات البدائية البسيطة وصولًا إلى الثورة التكنولوجية المعاصرة فى الهندسة الوراثية. وكتابه «علم وحلم» الذى يجمع بين الفلسفة العلمية والتطلعات المعرفية للمستقبل العلمى العربى.

وكان يرى أن «حالة الثقافة العلمية عندنا لا ترضى أحدًا، سواء من حيث الكم أو الكيف. ولعل مطالبة الناشرين بتحكيم ما يعتزمون نشره من كتب علمية، ومراجعة ما يترجم منها، والإعداد الجيد المدعوم بالاستشارة العلمية للمواد التليفزيونية التى تدعى مناقشة العلم والعلماء، ووجود مرصد لكشف اللاعقلانية والخرافة فى برامج الطالع وقراءة الكف وتفسير الأحلام، واللاعلمية فى الدعوة إلى بعض الممارسات الضارة بالصحة بعيدًا عن الضبط والتقنين، كل ذلك يُعد خطوة أساسية منهجية لتهيئة المناخ لصياغة الإستراتيجية المنشودة وتفعيلها».

أتمنى تكريم سيرة ومسيرة الدكتور أحمد شوقى بإطلاق اسمه على أحد شوارع مدينة الزقازيق، حيث مقر الجامعة التى علم طلابها وباحثيها، أو فى محافظة الجيزة حيث كان يسكن، أو على واحدة من المدارس والمكتبات العامة، وإعلان جائزة باسمه فى مجال الثقافة العلمية، فهو يستحق كل تكريم واحتفاء بقدر ما أعطى للبحث العلمى والثقافة العامة.
نقلا عن المصرى اليوم