منى أبوسنة
نستكمل فى الحلقة الثانية بعض الذكرى عن الفيلسوف الأممى «مراد وهبة»، وتأسيسه جمعية فلسفية أفرو-آسيوية، وسبق أن ذكرنا أول مؤتمرين لها.. أما المؤتمر الثالث فقد عُقد فى نيودلهى عاصمة الهند وكان بعنوان «العلمانية والتنوير»، وقد شارك فيه معظم فلاسفة الهند مرحبين بمضمون عنوان المؤتمر، بيد أن البحوث التى قُدّمت كانت فى الأغلب الأعم تحتوى على الفكر الأسطورى الهندى، مما أكد لى مرة أخرى أهمية تأسيس الحركتين المذكورتين وضرورتهما. تأسست الجمعية الفلسفية الأفرو- آسيوية بشكل رسمى فى مؤتمر الاتحاد الدولى للجمعيات الفلسفية الذى عُقد فى برايتون بإنجلترا عام ١٩٨٨. وبعد ذلك انتُخب بالإجماع الفيلسوف الأممى عضواً فى المكتب التنفيذى للاتحاد الدولى للجمعيات الفلسفية جنباً إلى جنب مع فلاسفة العالم؛ بيد أنه فى تقديرى يتميز عنهم بشىء جوهرى، وهو التوجه الأممى الذى ينطلق من رسالة حضارية إنسانية يلتزم بنشرها على مستوى كوكب الأرض من أجل تغيير نوعية الحياة لكافة البشر، والصفة الأخرى المميزة للفيلسوف الأممى هى أنه «وحيد بذاته»، لا ينتمى إلى أى جماعة أو مجموعة فلسفية مثل تلك التى أسست التيارات الفلسفية؛ فهو يعمل بمفرده، بمجهوده الخاص، وبقدراته الفردية المتميزة.
كان أعضاء الاتحاد الدولى فى البداية متحمسين لضم الجمعية إلى عضويته، بيد أن ذلك الحماس سرعان ما تلاشى بعد عقد المؤتمر الثانى والثالث ووضوح الرسالة الكامنة والهدف من تأسيس تلك الجمعية الفلسفية؛ فقد بات واضحاً أن للجمعية هدفاً سياسياً يتجاوز الهدف الفلسفى، وهو الانتقال بدول العالم الثالث وشعوبه من مرحلة التفكير الأسطورى إلى التفكير العقلانى، بحيث يتم الارتقاء بمستوى الفكر مما يؤهل تلك الشعوب والدول لأن تكون ندّاً لشعوب ودول العالمين الأول والثانى. وكان ذلك خطراً يهدد العالم الأول، وتحديداً العالم الرأسمالى الذى طالما حرص على إبقاء تلك الشعوب والدول ضعيفة كى يُستثمر مواردها من أجل بقاء قوته وسيطرته على مسار الحضارة الإنسانية. فبدأت المؤامرات تُحاك لإسقاط الجمعية وتدميرها، ومنع أى فرص تؤدى إلى عقد مؤتمرات جديدة. وتضافرت الظروف الاقتصادية العالمية فى تقليل الفرص لعقد أى مؤتمرات حتى حُوصِرت الجمعية فى المجال الإقليمى ثم المحلى فى القاهرة.
وفى عام ١٩٩٤ عقدت الجمعية مؤتمراً دولياً عن «ابن رشد والتنوير»، وفى ذلك المؤتمر تفرعت «جمعية ابن رشد والتنوير» عن «الجمعية الفلسفية الأفرو-آسيوية»، وتم انتخاب مكتب تنفيذى جديد مكوّن من فلاسفة آسيا وإفريقيا وأوروبا وأمريكا وكندا ومصر. وعقدت تلك الجمعية ثلاث مؤتمرات: «ابن رشد والتنوير»، و«الإبداع وسلام العالم»، و«الإرهاب وتدريس الفلسفة»، ثم انقطعت فرص أى تمويل واضطُر الفيلسوف إلى العمل فى الداخل المحلى، بينما كانت القوى الدولية قد قضت تماماً على الجمعية الفلسفية الأفرو- آسيوية؛ حيث قدم الفيلسوف استقالته من رئاسة الجمعية، وقدمتُ أنا استقالتى أيضاً من رئاسة سكرتارية الجمعية، وتم انتخاب فيلسوف هندى أصولى معروف عنه أنه لا ينجز أى شيء، وكان ذلك فى عام ٢٠١٠. أما آخر مؤتمر عُقد فى القاهرة فكان عام ٢٠٠٢ بمشاركة مكتبة الإسكندرية عن «الثقافات وصورة العدو».
وفى عام ٢٠٠١ تأسس «منتدى ابن رشد» فى القاهرة، وبدأ التركيز على ابن رشد وفلسفته باعتبارها المعبر إلى تأسيس الإصلاح الدينى والتنوير، وكان ذلك ملائماً تماماً لمرحلة العمل الإقليمى والمحلى. ظل الفيلسوف الأممى يسعى إلى نشر فكرته على الرغم من الدسائس المحلية والدولية، إلى أن جاء عام ٢٠١٩ ومن بعده عام الكورونا ٢٠٢٠؛ إذ قرر وهبة إغلاق منتدى ابن رشد، وتم بالفعل إنهاء أعمال المنتدى بعد ٢٠ عاماً من العمل الدؤوب فى اللقاء الأسبوعى وعقد ٦ مؤتمرات ونشر أعمالها. فى يوليو ٢٠١٩ أعلن الفيلسوف نهاية منتدى ابن رشد وتوقفه عن العمل دون أن يسفر عن أى نتائج ملموسة، وكان الهدف تأسيس تيار رشدى من خلال ذلك المنتدى، بيد أن ذلك لم يحدث! وانعزل الفيلسوف الأممى، وأغلب الظن أنه لم يكن سعيداً؛ فربما تركت تلك الرحلة الطويلة غصة لديه، وهذا يذكرنا بمقولته التى أدلى بها لمجلة الاتحاد الدولى للجمعيات الفلسفية حين سُئل: «ما هى فلسفتك فى الحياة؟»، فأجاب قائلاً: «أنا كفيلسوف متشائم، وكمناضل متفائل». ظل ذلك التناقض سائداً فى حياة الفيلسوف الأممى حتى آخر يوم فى حياته.
ختاماً، أود أن أوجه كلامى إلى من يرغب فى الكتابة عن الفيلسوف الأممى: إن فكرة تأسيس الرشدية العربية كانت هى النهاية وليست البداية، فلا يصح أن تنسينا النهاية البدايات. البداية أكبر وأعظم وأكثر أممية من فكرة تأسيس منتدى ابن رشد؛ هى دعوة أممية لشعوب العالم لإحياء وتأسيس حركتى الإصلاح الدينى والتنوير، وشعارها: «كن جريئاً فى إعمال عقلك دونما معونة من الآخرين».
نقلا عن المصرى اليوم





