حنان فكري
للكراهية لغة تفضحها مهما اجتهد أصحابها في تجميلها، تبدأ بكلمة، وتكبر بنظرة، وتجد في الصمت طريقًا إلى العقول. لا تحتاج دائمًا إلى إعلان صريح. يكفي أن تُجرد جماعة من احترامها، وأن تقدم أتباع عقيدة باعتبارهم أقل شأنًا، حتى يصبح احتقارهم أمرًا عاديًا، لدى من تغسل أدمغتهم، ويبدو الانتقاص من كرامتهم كأنه حق مكتسب.
هكذا يبدأ التحريض أحيانًا. لا يرفع سلاحًا، ولا يوزع أوامر مباشرة. يزرع فكرة، ويكرر وصفًا، ويضع المختلف في موضع الاتهام. ثم يترك للكلمات تأثيرها، وللجموع أن تكمل ما بدأه اللسان.
خطاب يرتدي ثوب الدين. فيحول الدعوة إلى منصة للإزدراء، ويصبح إيمان الإنسان ذريعة لانتقاص إيمان غيره، كأن إثبات الحق لا يكتمل إلا بإهانة الآخرين. فترى الباطل مرتديًا ثوب الحق والكراهية تعظ بلسان البر!
لهذا توقفت أمام التصريح الذي أطلقه أحد الدعاة، واصفًا الأديان الأخرى بألفاظ مهينة. مانحا الإهانة شرعية الكلام باسم الدين؟ إنه جوهر أزمة تتكرر كلما اعتقد أحدهم أن الطريق إلى إثبات صحة عقيدته يمر عبر إهانة عقائد الآخرين.
تصريح صادم لأحد الدعاة، هيثم طلعت، خلال مناظرة تليفزيونية على مرآى ومسمع من الملايين، أدارها الفنان عمرو عبد الجليل. قال الداعية:" الإسلام هو الدين الوحيد، أما بقية الأديان فوصفها بكلمات مهينة، بينها "زبالات وشرك ووثنيات وإلحاد".. عبارة ثقيلة تصدر عن شخص يقدم نفسه داعيًا دينيًا. فماذا ترك للمتطرفين؟
صاحب العبارة يتابع صفحته على السوشيال ميديا مليون شخص، يعتبرونه موجها ومرجعا دينيا لهم، هذا من حقه وأيضا من حقه رفض عقائد أخرى؟ بل ومناقشتها وانتقادها وتقديم حججه على اختلافه معها؟ بالتأكيد. لكن أن ينتقل من الإيمان بصحة عقيدته إلى احتقار عقائد الآخرين، فهذا تجاوز يندرج تحت خطاب الكراهية. وازدراء يجرمه قانون العقوبات..
وفي المادة ٩٨ من ذات القانون الذي حاسب من قبل أطفالا صغارا من المنيا على تقليد مشهد لداعش الإرهابية، وبنفس المادة تم سجن صبية من المنيا قبل شهرين لأنهم قلدوا مشهدا من فيلم خلاويص عن الصلاة الظاهرية، آن الآوان لإثبات أن القانون لا يكيل بمكيالين، وأنه يحمي كل أبناء الوطن ولا يميز بينهم على أساس الهوية العقائدية، وإن ذلك النص الذي طالبنا مرارا بحذفه لمطاطية عباراته نصا عادلا وليس للقصاص "وان واي".
لا أحد مطالب بالتنازل عن إيمانه لإرضاء الآخرين. لكن ثمة مسافة واسعة بين أن تقول: أنا أختلف معك، وأرى أن عقيدتك غير صحيحة، وتقدم حججك لتفسير موقفك؛ وبين أن تصف عقيدة الآخر بالقذارة، وتتعامل مع أتباعها كأنهم أقل شأنًا أو استحقاقًا للاحترام. فالأولى تفتح بابًا للسؤال والرد. والثانية تغلقه على الكراهية والتحريض الخبيث.
الدعوة تحتاج إلى شتيمة، والاعتراض على عقيدة لا يكون بتحويل أتباعها إلى هدف للاحتقار. يعكر العيش المشترك بين الناس، فأصحاب العقائد المختلفة في مصر، لا يعيشون في المناظرات التليفزيونية. لكنهم يحيون في علاقات جيرة وعمل وحياة يومية متشابكة، تجمعهم مشكلات وأحلام مشتركة، فما الذي يضيفه الداعية إلى حياتهم حين يخبر أحدهم أن عقيدته التي يعتز بها تستحق الإهانة؟ فقط يضيف جرحًا جديدًا إلى علاقة تحتاج إلى الثقة.
الإيمان لا يحتاج إلى أن يتخفف من أدلته كي يستعرض عضلاته اللفظية. ومن يملك حجة، يستطيع عرضها. ومن يثق في معرفته، يستطيع الإجابة عن السؤال الصعب. أما الإهانة، فهي أسهل الطرق لتجنب النقاش الحقيقي.
لا أعرف ما الذي أراد هيثم طلعت أن يثبته بتصريحه. لكنني أعرف أن الإهانة لا تقدم برهانًا على صحة عقيدة، ولا تجعل صاحبها أكثر معرفة، ولا تقرب المختلفين خطوة واحدة من التفاهم. فإذا كان الإيمان يقينًا، فلماذا يحتاج إلى شتيمة؟ وإذا كانت الدعوة رسالة، فكيف تتحول إلى إهانة؟
لهذا من الضروري التمييز بين ثلاثة أمور: الاعتقاد الذي يختاره الإنسان لنفسه، والرأي الذي يطرحه للنقاش، والسلوك الذي يستهدف به كرامة الآخرين أو يحرض على إيذائهم. فالخلط بينها يضر بالجميع. فإذا اعتبرنا كل نقد لعقيدة إهانة تستوجب العقاب، ضيقنا مساحة الحوار. وإذا اعتبرنا كل إهانة مجرد رأي لا يجوز الاعتراض عليه، تركنا أصحاب المعتقدات المختلفة عرضة للإزدراء، ثم طالبناهم بالصمت باسم الحرية. فالحرية ليست إعفاءً من النقد الأخلاقي. وهي أيضًا ليست ترخيصًا مفتوحًا للسلطة كي تعاقب كل عبارة لا تعجبها.
أما المسؤولية القانونية عن تصريح بعينه، فتحتاج إلى تقييم وفق القانون والوقائع والسياق، وغالبًا ما تنتهي بتنازلات للتهدئة، لكن القانون في مكان والناس في موضع آخر، فما يقلقني أن هذا النوع من الخطاب يجد طريقه سريعًا إلى منصات التواصل الاجتماعي. مقطع قصير. عبارة صادمة. آلاف المشاركات. تعليقات غاضبة. ثم تبدأ المعركة المعتادة.
فريق يدافع عن المتحدث مهما قال. وفريق يطالبه بأقصى العقوبات. وآخرون يقتطعون من الواقعة ما يخدم خصوماتهم القديمة. وفي النهاية، يضيع السؤال الأساسي بين الضجيج: كيف نمنع الإهانة من التحول إلى ثقافة، من دون أن نحول الاختلاف إلى جريمة؟
لا يكفي أن ننتظر حتى تقع الأزمة، ثم نطالب بالعقاب. نحتاج إلى خطاب عام يرفض التحريض والازدراء، وإلى مؤسسات دينية تعطي مساحة للمعرفة والحوار، وإلى إعلام لا يتعامل مع كل تصريح صادم باعتباره فرصة مجانية لجذب المشاهدات. وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول الرد على الإهانة إلى إهانة مضادة، أو إلى دعوة للكراهية والانتقام. فالخطأ لا يُصلح بتكراره في الاتجاه الآخر.
في النهاية، قد نظل مختلفين في تفسير النصوص والعقائد ومصير الإنسان بعد الموت. لكننا نستطيع أن نتفق على أن الإنسان الذي يقف أمامنا يستحق الكرامة وهذا، في رأيي، اختبار حقيقي للخطاب الديني: هل يساعد الإنسان على فهم ما يؤمن به، أم يدربه على احتقار ما يؤمن به الآخرون؟
نقلا عن فيتو





