د.ماجد عزت إسرائيل
تشهد القارة الأوروبية حراكًا شبابيًا متصاعدًا امتد إلى عدد من دولها، من بينها فرنسا وبلجيكا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال وألبانيا، وصولًا إلى ألمانيا التي تشهد اليوم، السبت 31 أكتوبر 2026، مظاهرات دعا إليها شباب «الجيل زد» (Gen Z)، احتجاجًا على تدهور الأوضاع المعيشية، وتراجع الخدمات العامة، وارتفاع تكاليف السكن والتعليم، والقلق المتزايد بشأن المستقبل. ورغم اتساع هذا الحراك، فإن وصفه بـ«الربيع الأوروبي» لا يعني بالضرورة أننا أمام ثورات تستهدف إسقاط الأنظمة السياسية، بقدر ما يعكس اختبارًا حقيقيًا لقدرة الديمقراطيات الأوروبية على الوفاء بوعودها الدستورية والاجتماعية، وتحويل الحقوق والحريات إلى واقع ملموس يشعر معه المواطن، وخاصة الشباب، بالأمان والاستقرار وتكافؤ الفرص.
فثمة جيل يشعر، من وجهة نظره، بأن مستقبله قد سُرق، وأن العقد الاجتماعي الأوروبي، الذي قام على العمل والإنتاج ودفع الضرائب مقابل الحماية الاجتماعية والتعليم والرعاية الصحية والخدمات العامة، لم يعد يحقق التوازن الذي قامت عليه دولة الرفاه الأوروبية. ولا يمكن اختزال أسباب هذه التحركات في أزمة اقتصادية عابرة؛ إذ تتداخل فيها عوامل اجتماعية وسياسية أعمق، من بينها اتساع الفجوة بين الطبقات، وتراجع القدرة الشرائية، وصعوبة الحصول على السكن، والشعور بغياب العدالة الاجتماعية، فضلًا عن فقدان الثقة في بعض القيادات السياسية والمؤسسات الحاكمة. فإن المحرك المشترك لكثير من الحركات الاحتجاجية، قديمها وحديثها، هو شعور قطاعات من الطبقتين الفقيرة والمتوسطة بالظلم وضيق العيش، وتراجع فرص تحسين أوضاعها، إلى جانب المطالبة بتعزيز الديمقراطية وحرية الصحافة والشفافية وحماية حقوق العمال والفئات الأكثر ضعفًا. غير أن المشهد الأوروبي الحالي يحمل وجهًا آخر لا يقل خطورة عن الأزمات التي دفعت الشباب إلى الشوارع، ويتمثل في أعمال العنف والتخريب والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة التي صاحبت بعض الاحتجاجات، ولا سيما في فرنسا وإيطاليا، وما أثارته من مخاوف بشأن احتمال استغلال المطالب المشروعة من جانب جماعات متطرفة تسعى إلى نشر الفوضى وزعزعة الاستقرار.
وهنا تبرز قضية حساسة لا ينبغي تجاهلها، وهي العلاقة بين الهجرة والاندماج واحترام القوانين والقيم الديمقراطية في المجتمعات الأوروبية. فقد فتحت دول أوروبية عديدة، وفي مقدمتها ألمانيا، أبوابها أمام ملايين المهاجرين واللاجئين، ووفرت لكثيرين منهم الحماية والأمان وفرص التعليم والعمل والرعاية الاجتماعية، وهي مكتسبات إنسانية وحضارية تستحق التقدير والمحافظة عليها. ولكن الاستفادة من هذه الحقوق والخدمات تقابلها مسؤوليات واضحة، في مقدمتها احترام قوانين الدولة المضيفة ومؤسساتها وثقافتها الديمقراطية، وعدم اللجوء إلى العنف أو التحريض أو تخريب الممتلكات تحت أي مبرر سياسي أو اجتماعي أو ديني.ولا يجوز في هذا السياق التغاضي عن أي سلوك متطرف أو عدواني يصدر عن أفراد أو جماعات، سواء كانوا من أبناء البلاد أو من أصول مهاجرة. فحرية التظاهر والتعبير عن الرأي لا تعني حرية الاعتداء على الآخرين أو تدمير الممتلكات أو فرض الأفكار بالقوة.
وفي المقابل، فإن تحميل المهاجرين عمومًا مسؤولية الاضطرابات يمثل تعميمًا غير عادل، خاصة في غياب أدلة تثبت ارتباطهم بها. فالملايين من أبناء الجاليات المهاجرة يعيشون في المجتمعات الأوروبية بسلام، ويعملون ويدفعون الضرائب ويساهمون في الاقتصاد والخدمات العامة، ويعتبرون استقرار هذه الدول جزءًا من استقرارهم ومستقبل أبنائهم. فإن المشكلة الحقيقية ليست في اختلاف الثقافات أو الأصول، وإنما في رفض الاندماج واحترام القانون، وفي انتشار الأفكار المتطرفة التي تستغل التوترات الاجتماعية لتغذية الكراهية والانقسام. ومن ثم، فإن حماية المجتمعات الأوروبية تتطلب سياسات اندماج جادة وعادلة، وإنفاذًا حاسمًا للقانون على الجميع دون تمييز، مع التصدي للتطرف بجميع أشكاله.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تتحول المخاوف الأمنية إلى ذريعة لتجاهل الأسباب الحقيقية للاحتجاجات أو الانتقاص من الحقوق الديمقراطية للشباب. فالحفاظ على الأمن والاستقرار لا يتحقق بالإجراءات الشرطية وحدها، وإنما يستلزم معالجة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، وإعادة بناء الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة. فلقد تغير العالم، وعلى الأجيال الأكبر سنًا، بما فيها الأجيال التي تتولى مواقع القيادة وصنع القرار، أن تدرك أن هناك جيلًا جديدًا أكثر اطلاعًا على ما يجري حوله، وأكثر قدرة على التواصل والتنظيم والتأثير عبر الوسائل الرقمية، وله طموحاته ومطالبه المشروعة التي تستحق الاستماع والاحترام.
ولكن على هذا الجيل أيضًا أن يدرك أن التغيير الحقيقي لا يتحقق بالفوضى أو تدمير المؤسسات التي يفترض إصلاحها، وأن الديمقراطية لا تعني الحقوق وحدها، بل ترتبط كذلك بالمسؤولية واحترام الاختلاف وسيادة القانون. فإن أوروبا اليوم بحاجة إلى مراجعة جادة لكثير من سياساتها الاقتصادية والاجتماعية، وإلى مزيد من الشفافية وإشراك الشباب ومختلف فئات المجتمع في وضع خطط إصلاح واقعية، تعيد الاعتبار للعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، وتحافظ في الوقت نفسه على الأمن والاستقرار والتماسك المجتمعي. ويبقى الخوف الأكبر من أن يتحول هذا الخريف الأوروبي المضطرب إلى شتاء سياسي طويل، يعيد تشكيل التوازنات داخل القارة، ويمنح التيارات المتطرفة، من مختلف الاتجاهات، فرصة لاستغلال الغضب الشعبي وتعميق الانقسامات السياسية والاجتماعية.
ولا يمكن استبعاد امتداد تأثير هذه التحركات إلى مناطق أخرى خارج أوروبا، خاصة في الدول التي تعاني أزمات اقتصادية واجتماعية حادة، وتعيش فيها أجيال شابة حالة من الإحباط وترقب التغيير. غير أن انتقال الاحتجاجات أو تحولها إلى اضطرابات واسعة ليس أمرًا حتميًا، بل يتوقف على الظروف السياسية والاجتماعية الخاصة بكل دولة. إن «الربيع الأوروبي» قد يكون فرصة تاريخية لتجديد العقد الاجتماعي واستعادة الثقة بين الأجيال والحكومات، وقد يتحول إلى أزمة أعمق إذا استمرت أسباب الغضب دون معالجة، أو تُرك المجال للجماعات المتطرفة لتختطف المطالب المشروعة وتحولها إلى صراعات وعنف.
فأوروبا التي فتحت أبوابها للملايين، ورسخت مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، تستحق أن تُصان مكتسباتها، وأن يتحمل كل من يعيش على أرضها مسؤولية الحفاظ على أمنها واحترام قوانينها. لكن حماية هذه القيم لا تكتمل إلا بالعدل والمساواة والاستماع إلى الأجيال الجديدة، لأن قوة الديمقراطية لا تقاس فقط بقدرتها على مواجهة الفوضى، وإنما أيضًا بقدرتها على معالجة الأسباب التي تدفع الناس إلى الاحتجاج.
فهل يكون الربيع الأوروبي بداية إصلاح وتجديد، أم مقدمة لشتاء سياسي واجتماعي طويل؟





