حنان فكري
حائرة أنا، نعم أعترف أنني حائرة، ما بين إيماني بحرية التعبير، وتجربتي المريرة مع افتراءات الكلام، ما بين الحق في الكلمة، في الصرخة، في إعلان الغضب، في إعلان الوجع، والذي أحيانًا يهون كثيرًا على المقهورين والمظلومين، وبين إساءة استخدام هذا الحق، بل توظيفه لخدمة الافتراءات والتشويه، والتجني والانتقام الشخصي، وإفساد العلاقات.

إنها حيرة بريئة، لا أدعو من خلالها إلى التوقف عن ابداء الآراء على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا أصادر على حرية الناس في الكلام، فقط أشارككم استفتاء للقلب والفكر معًا: هل يمكننا الاستمرار تحت رحمة أصحاب الحسابات المؤثرة على الـ«سوشيال ميديا» أيًا كانت انتماءاتهم الأيديولوجية، وتوجهاتهم الفكرية، ودوافعهم النفسية؟، فمنذ اللحظة الأولى التي قرأت فيها اقتراح الحكومة بتشكيل غرفة عمليات لمتابعة ما تتم كتابته على وسائل التواصل الاجتماعي، ضمن حزمة من الإجراءات التنظيمية والتشريعية والتقنية لمواجهة الممارسات السلبية على المنصات الرقمية، وأنا أتساءل: هل التمسك بحق الاختلاف يتعارض مع الصراخ طلبًا للحماية من الذين حولوا الاختلاف إلى إهانات، والنقاش إلى محاكمة، والتعليق إلى حكم بالإعدام المعنوي؟.

الوجه الآخر للحكاية
أؤمن بحرية التعبير. أعتبرها حقًا أصيلًا، وشرطًا لأي مجتمع يريد أن يفكر ويتطور ويصحح أخطاءه. لا أريد سلطة تقرر ما الذي ينبغي أن أقوله، وما الذي يجب أن أصمت عنه. لا أريد رقيبًا يقف بيني وبين الكلمة، يفتش في نواياها، ويقرر ما إن كانت تستحق المرور أم تستحق العقاب.

لكنني، لسوء الحظ، اختبرت الوجه الآخر للحكاية، لذلك أعرف ماذا يعني أن تفتح هاتفك، فتجد سيلًا من الإساءات والاتهامات الزور يطاردك. أن يتحول اسمك إلى مادة للتجريح. أن يختلط النقد بالشتائم، والرأي بالتشهير، والاختلاف بمحاولات اغتيال السمعة.

بل أعرف أن الأمر يتجاوز الأذى الشخصي، إذ رأيت كيف تتحول الصفحات إلى منصات للتحريض، وكيف تتكاثر الاتهامات قبل ظهور الحقائق، وكيف يجد خطاب الكراهية جمهورًا يصفق له، وأصابع تضغط على زر المشاركة، وأشخاصًا يستمتعون بمشاهدة إنسان يتم سحقه معنويًا أمام آلاف المتفرجين.

أرفض الرقابة، لكنني أريد أن يتوقف هذا العبث، لكن مَن الذي سيفعل ذلك؟. ما المعايير التي سيستخدمها؟. مَن يراجع قراراته؟، وكيف نضمن ألا يختلط الرأي المزعج بالرأي المخالف للقانون؟، وألا يتحول النقد الحاد إلى تهمة، أو يصبح الاعتراض على مسؤول أو سياسة عامة مخالَفة تستوجب العقاب؟.

هذه ليست أسئلة لتعطيل المواجهة. إنها أسئلة ضرورية حتى لا نصنع مشكلة جديدة ونحن نحاول حل مشكلة قائمة. فالمقترح، وفق ما أُعلن، يتضمن رصد المحتوى وتصنيفه والتمييز بين المخالفات الفردية والممارسات المنظمة، مع اتخاذ إجراءات متدرجة قد تبدأ بالإنذار، وتصل إلى الحجب أو إحالة الحالات إلى السلطات المختصة. لكن الرصد شيء، والحكم على الناس شيء آخر. والتعامل مع تهديد واضح أو حملة منظمة للتحريض على العنف يختلف تمامًا عن التعامل مع تعليق غاضب أو رأي صادم أو نقد قاسٍ. لا يمكن وضع كل ذلك في سلة واحدة، ثم انتظار أن تنتج عنها عدالة رقمية. فالفوضى تحتاج إلى تنظيم، لكن التنظيم يحتاج بدوره إلى ضوابط تحمي الناس من التعسف. وإلا، فكيف نطمئن إلى أن الغرفة التي يُفترض أن تحمينا من التجاوزات لن تتحول إلى مصدر جديد للخوف من التعبير؟.

من واجب الدولة أن تتدخل لحماية الناس من التهديد والابتزاز والتحريض على العنف، لكن من حق المواطنين أيضًا أن يعرفوا حدود هذا التدخل، والقواعد التي تحكمه، والطريق المتاح للاعتراض على قراراته. لا ينبغي أن يكون المواطن مضطرًا للاختيار بين فوضى تتركه وحيدًا في مواجهة المعتدين، ورقابة تجعله خائفًا من التعبير.

تلتصق الحيرة برأسي أكثر فأكثر حينما أرى المشهد من الخارج، فنحن- الذين نغضب من محاكم السوشيال ميديا للناس، ونرفض إنشاء غرفة تمنح جهة ما سلطة تحديد ما يجوز تداوله وما ينبغي إيقافه- نقبل أن يتم تصنيف كلماتنا آليًا من الخوارزميات، وننصاع لسياسات الالتزام في مواقع التواصل الاجتماعي رغمًا عن أنوفنا، إنه التناقض الفج بين ما نريده لأنفسنا وما يريده الآخرون لنا.

هل توسيع العقاب حل؟
أفهم الغضب الذي يدفع البعض إلى المطالبة بالحبس والغرامات المشددة. حين ترى إنسانًا يُهان، أو أسرة تتعرض للتشهير، أو حملة تحريض تخرج عن السيطرة، يبدو العقاب السريع حلًا منطقيًا. لكن هل يحل العقاب وحده المشكلة؟.

هل ستختفي الإساءات إذا زادت الغرامات؟، هل سيتوقف المحرض عن التحريض لمجرد وجود غرفة عمليات؟، وهل يستطيع الرصد الآلي أن يميز دائمًا بين شخص ينتقد خطاب الكراهية وشخص يروج له، وبين مَن ينقل خبرًا ليفنده ومَن ينشره لتضليل الناس؟. المشكلة ليست في وجود عقوبات على الجرائم. المشكلة في الاعتقاد بأن توسيع العقاب هو الطريق الأقصر إلى مجتمع أكثر احترامًا.

نحتاج إلى قانون يحاسب على الأفعال التي تستوجب المساءلة، وإجراءات عادلة تكفل التحقيق والدفاع والطعن. ونحتاج إلى سرعة في التعامل مع البلاغات الجادة، خصوصًا حين يتعلق الأمر بتهديد مباشر أو ابتزاز أو نشر بيانات خاصة بقصد الإيذاء.

لكننا نحتاج أيضًا إلى التمييز بين الجريمة والخلاف، وبين التحريض والنقد، وبين الكذب المتعمد والخطأ الذي يمكن تصحيحه. فليس كل كلام جارح جريمة، وليس كل رأي مستفز تهديدًا للمجتمع. وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول حرية التعبير إلى مظلة يتخفى تحتها مَن يهدد الناس أو يحرض على إيذائهم. الحرية لا تمنح أحدًا حق الاعتداء على الآخرين. والعقاب لا يمنح أحدًا حق مصادرة الحرية.

تلهمني طبيعة البيئة التي صنعت هذا القدر من العنف بذات القدر من الدوافع التي تحتاج للتحليل، على سبيل المثال لماذا تنتشر الإهانة أسرع من التصحيح؟، لماذا يتحول الغضب إلى محتوى مربح، لماذا تتحول الخصومات الشخصية إلى معارك يتبارى فيها الغرباء؟. فهناك منصات تكافئ صانع المحتوى على هذا النوع من المحتوى، وصناع محتوى يرفعون نبرة الاتهام، ويكشفون تفاصيل خاصة، ويقتطعون مقاطع من سياقها، ويتركون الجمهور يكمل بقية الحكاية على هواه.

الفوضى الرقمية
وهناك مستخدمون يشاركون في الاعتداء من دون أن يشعروا بمسؤوليتهم عنه. يظن أحدهم أن تعليقًا صغيرًا لن يضر، وأن إعادة نشر اتهام لا تجعله طرفًا فيه، وأن ما يكتبه خلف الشاشة لا يساوي شيئًا في العالم الحقيقي. لكن الكلام يتكاثر، والمشاركة توسع دائرة الضرر. لهذا، فإن مواجهة الفوضى الرقمية تحتاج إلى ما هو أكثر من مراقبة المنشورات بعد نشرها.

نحن نحتاج إلى جهة تدافع عن الناس في مواجهة سياسات المنصات ومساءلتها عن بنود تلك السياسات، خاصة في التعامل مع البلاغات، وعن آليات اكتشاف الحملات المنظمة، وعن أسباب استمرار انتشار محتوى ضار رغم الإبلاغ عنه. نحتاج إلى حماية قانونية حقيقية لضحايا التشهير والابتزاز والتهديد، وإلى إجراءات تضمن سرعة الاستجابة من دون التضحية بحقوق الأطراف. قد تبدو هذه الحلول أبطأ من العقاب. لكنها تعالج أسبابًا لن تختفي بمجرد إنشاء غرفة الرصد المقترحة.

المعاني الفضفاضة
أكثر ما يقلقني هو اتساع حصيلة الكلمات التي يمكن أن تُستخدم في تعريف المحتوى المخالف. فماذا نعني بالمحتوى الضار؟، وما حدود الشائعة؟، وكيف نميز بين نقد سياسة عامة وبين الإساءة الشخصية؟، ومتى يكون الخطاب تحريضًا يستوجب التدخل؟، ومَن يحدد أن منشورًا ما يهدد قيم المجتمع أو يضر به؟.

هذه التعريفات تحدد المساحة المتاحة للمواطن لكي يتكلم، والصحفي لكي يكشف الخلل، والباحث لكي ينتقد سياسة، والإنسان العادي لكي يعبر عن غضبه. فإذا تم وضع معايير دقيقة، فسيكون التنظيم وسيلة للحماية. أما إذا كانت فضفاضة، فسيتسع مجال التأويل، ويصعب على الناس معرفة أين ينتهي حقهم في التعبير وأين تبدأ المخالفة. وكيف ستعمل غرفة العمليات المقترحة، وما حدود صلاحياتها، وكيف ستُراجع قراراتها، وما الضمانات التي ستحمي الخصوصية، وكيف يمكن الاعتراض على تصنيف خاطئ.

ومن المؤكد أن الرصد سيكون آليًا لضخامة المحتوى، فهل سيخضع الرصد الآلي لمراجعة بشرية جادة، وكيف سيتم منع استخدام البيانات التي تجمعها المنظومة خارج الأغراض القانونية المحددة لها. وما إذا كانت هناك آلية مستقلة للتظلم؟.

هذه الأسئلة لا تعطل حماية المجتمع. إنها تجعل الحماية جديرة بالثقة. مشمولة بضمانات تحمي النقد المشروع من أن يُعامل معاملة التحريض. ربما لا يكون الحل الأفضل، لكن البديل أكثر كلفة. وهو أن نترك الإساءة تتوحش، فنخسر الأمان. أو أن نواجهها برقابة تتسع بلا حدود واضحة، فنخسر مساحة التعبير.

ليس علينا أن نختار بين حقين، بل أن نحميهما معًا. نريد قانونًا يحمينا حين نتعرض لاعتداء، ولا يتحول إلى سيف مرفوع على أعناقنا كلما كتبنا ما لا يعجب أحدًا. حتى لا تتحول الرقابة إلى جزء من حياتنا اليومية.

أما غرفة العمليات، فإذا كان هدفها حماية الناس، فعليها أن تبدأ بتحديد حدودها هي أولًا لأن السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا هو: مَن يراقب مَن يراقبنا؟.
نقلا عن المصري اليوم