سامي سمعان
أكد الدكتور سامح فوزي، كبير الباحثين بمكتبة الإسكندرية، أن حادث الهجوم الإرهابي على كنيسة القديس جورجيوس بقرية حمود في محافظة الكرك بالأردن، يكشف خطورة الإرهاب والتعصب الديني، مشددًا على أن الإرهاب لا يستهدف فقط حياة الأفراد، وإنما يضرب التنوع والتعايش ويقتل الإنسان بسبب هويته الدينية.
وقال فوزي، خلال حديثه ببرنامج «آخر الأسبوع» المذاع على قناة «مي سات»، إن الهجوم الإرهابي الذي استهدف مواطنين كانوا يشاركون في واجب عزاء داخل الكنيسة، أسفر عن مقتل 9 أشخاص وإصابة أكثر من 25 آخرين، موضحًا أن الدولة الأردنية تعاملت بمسؤولية كبيرة مع الحادث، سواء من خلال تحركات الملك عبد الله الثاني والملكة رانيا وولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله، وزيارة المصابين وتقديم واجب العزاء، أو عبر المواقف الرسمية الرافضة للإرهاب.
وأشار إلى أن المجتمع الأردني أظهر تفاعلًا واسعًا مع الحادث، سواء في المدارس أو الشوارع أو المنتديات العامة، للتعبير عن رفض الجريمة والتأكيد على أن دم المواطن الأردني غالٍ ولا يجوز إهداره، لافتًا إلى إلقاء القبض على المتهمين الثلاثة بعد أيام من الهجوم، ثم توجيه الطيران الأردني ضربات في جنوب سوريا استهدفت تنظيمات إرهابية مرتبطة بالواقعة، وفق ما ذكره.
محمد القصوص.. اسم يحمل رسالة للتعايش
وتوقف فوزي أمام واقعة استشهاد المواطن الأردني محمد القصوص، معتبرًا أنها تحمل دلالة مهمة في فهم طبيعة الإرهاب، موضحًا أن الاسم قد يدفع البعض إلى الاعتقاد بأنه أحد المسلمين الذين حضروا لتقديم واجب العزاء لأصدقائهم وجيرانهم المسيحيين، إلا أن المفاجأة أنه مسيحي أردني.
وأضاف أن هذه الواقعة لم تكن غريبة بالنسبة إليه، مشيرًا إلى معرفته منذ سنوات بظاهرة انتشار أسماء عربية مثل محمد وعمر ومصطفى بين بعض العائلات المسيحية ذات الأصول العربية في الأردن.
وأوضح أنه تعرف خلال عمله البحثي على الدكتور مصطفى الحمرنا، وكان يعتقد في البداية أنه مسلم بسبب اسمه، قبل أن يعرف أنه مسيحي، لافتًا إلى أن بعض العائلات المسيحية الأردنية تطلق على أبنائها هذه الأسماء باعتبارها أسماء عربية ارتبطت بتاريخ المنطقة وتراثها قبل الإسلام.
وأكد أن حديثه عن هذه الظاهرة لا يستهدف الدعوة إلى إطلاق أسماء دينية معينة على أبناء أصحاب المعتقدات المختلفة، وإنما توضيح عمق الانتماء العربي المشترك، وما يمكن أن تحمله الأسماء من جسور للتواصل والتعايش بين المسلمين والمسيحيين.
وكشف فوزي أن والد الشهيد محمد القصوص هو الدكتور يوسف عودة القصوص، الذي أطلق اسم محمد على ابنه الثاني، انطلاقًا من إيمانه بالعروبة والقضية العربية، وارتباطه بالقضية الفلسطينية، ومشاركته في تأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي، موضحًا أن الاسم كان بالنسبة إليه تعبيرًا عن الانتماء العربي وجسرًا للتعايش بين المسلمين والمسيحيين.
وأضاف أن محمد القصوص كان طبيبًا مثل والده، الذي عُرف بمساعدة الفقراء حتى وُصف بأنه طبيب الفقراء، مؤكدًا أن الابن كان يمثل نموذجًا للتواصل والحوار والانفتاح على الآخرين، لكنه قُتل رغم ذلك بدم بارد بسبب هويته المسيحية.
الإرهاب يقتل الإنسان بسبب هويته
وشدد كبير الباحثين بمكتبة الإسكندرية على أن استهداف محمد القصوص يكشف حقيقة الإرهاب، قائلًا إن القضية لم تكن مرتبطة بما يفعله الشخص أو بمشاعره تجاه الآخرين، ولا بوجود خصومة أو عداء، وإنما بالقتل على أساس الهوية الدينية.
وأضاف أن الإرهابيين قتلوا أشخاصًا لم يكونوا أعداء لهم، ولم تكن بينهم وبينهم أي خصومة، لمجرد أنهم مسيحيون، معتبرًا أن هذا هو جوهر الإرهاب والتعصب والكراهية.
واستعاد فوزي عددًا من الحوادث الإرهابية التي شهدتها مصر، ومنها تفجيرات كنيسة البطرسية وكنيسة مار جرجس بطنطا والكنيسة المرقسية بالإسكندرية، إلى جانب استهداف الأقباط خلال رحلاتهم إلى دير الأنبا صموئيل المعترف، وكذلك جريمة استشهاد الأقباط المصريين في ليبيا، مؤكدًا أن هذه الجرائم استهدفت الضحايا بسبب هويتهم الدينية.
وأشار إلى أن مواجهة الإرهاب لا تقتصر على حماية الأرواح والاقتصاد، وإنما تشمل أيضًا حماية التنوع والتعايش داخل المجتمعات، محذرًا من أن الفكر الإرهابي يخلق أنماطًا من الكراهية ورفض الآخر، ويدفع المجتمعات إلى العودة إلى مراحل كان العنف عنوانها الأساسي.
داعش نموذج لما يفعله الإرهاب بالمجتمعات
ولفت فوزي إلى ما ارتكبه تنظيم داعش الإرهابي في العراق وسوريا، من تدمير للأديرة والكنائس وقتل المواطنين، وإعادة ممارسات العبودية، والانتهاكات التي تعرضت لها النساء والفتيات الإيزيديات، مؤكدًا أن هذه الجرائم تمثل انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان لا يمكن تبريرها باسم الدين أو أي اعتبارات أخرى.
ورفض فوزي تقديم أي مبررات للعمليات الإرهابية باعتبارها رد فعل على مواقف سلبية تجاه الإسلام أو المسلمين، مشيرًا إلى أن الشهيد محمد القصوص كان طبيبًا منفتحًا على العالم الإسلامي، ومحبًا للمسلمين والعرب، ومؤمنًا بالحوار، لكنه قُتل بسبب كونه مسيحيًا.
واختتم حديثه بالتأكيد على ضرورة الانتباه إلى خطورة الإرهاب والكراهية الدينية، وإدانة هذه الجرائم بوضوح دون اختلاق مبررات لها أو الدخول في مماحكات تبرر العنف، مشددًا على أن المجتمعات العربية تتطلع إلى مستقبل أفضل، ولا مكان للإرهاب فيها.





