يوسف إدوارد
لم تعد الكراهية تحتاج إلى منابر صاخبة أو خطابات مباشرة، فقد أصبحت أحيانًا مجرد تعليق عابر على مواقع التواصل الاجتماعي، أو نكتة تحمل تمييزًا، أو صورة نمطية تتكرر حتى تصبح مألوفة، بينما تمر أمام أعيننا أفكار وسلوكيات كثيرة من دون أن نتوقف أمام ما تتركه من أثر في وعينا وعلاقاتنا بالآخرين.

بعض الأفكار والسلوكيات السلبية أصبحت متاحة للجميع، وكأنها سلعة تُقدم في عروض يومية وتسهيلات مجانية، بينما يتحمل المجتمع ثمنها في تماسكه وثقته المتبادلة وقدرته على قبول الاختلاف. فالكراهية لم تعد دائمًا موقفًا معلنًا أو عداءً مباشرًا، بل قد تبدأ بفكرة صغيرة، أو تعليق ساخر، ثم تجد طريقها إلى التداول والانتشار، حتى تصبح جزءًا من المشهد اليومي الذي اعتدنا رؤيته والتعامل معه.

ومن هنا يمكننا استعارة مفهوم «الامتزاز» من الفيزياء لتقديم ما يمكن تسميته «الامتزاز الاجتماعي»، وهو مفهوم استعاري أقترحه لوصف الطريقة التي تتراكم بها الأفكار والقيم والصور النمطية على سطح الوعي الجمعي، بفعل التكرار والتفاعل والتعرض المستمر، حتى تترك أثرًا في نظرتنا إلى الآخرين وفي المعايير التي نحكم من خلالها على ما هو مقبول وما يستحق الرفض. ولا أقصد هنا تقديم مصطلح علمي قائم بذاته، بقدر ما أحاول استخدام استعارة تفسر جانبًا من التأثير الذي قد تمارسه التفاصيل اليومية في تشكيل وعينا الاجتماعي.

ويمكن فهم هذه العملية من خلال ثلاث مراحل متداخلة؛ تبدأ بالتعرض حين يواجه الفرد فكرة أو سلوكًا للمرة الأولى، ثم تنتقل إلى التراكم مع تكرار ظهور الفكرة وتداولها في محيطه الاجتماعي والإعلامي، وصولًا إلى التطبيع، حين يتراجع الاستنكار تجاهها ويصبح وجودها مألوفًا، وربما يتحول قبولها أو التساهل معها إلى رد فعل تلقائي. وبالطبع لا يعني التعرض أو التكرار بالضرورة أن الجميع سيتبنون الفكرة، لكن استمرار حضورها من دون مساءلة قد يضعف حساسيتنا تجاه آثارها، ويجعل الاعتراض عليها يبدو للبعض أمرًا مبالغًا فيه.

وتظهر خطورة ذلك بوضوح في التعليقات الطائفية؛ فقد تبدأ الإساءة باستهداف شخص بسبب انتمائه العقائدي، ثم تتكرر التعميمات والصور النمطية في منشورات متتابعة، حتى يصبح الحكم على جماعة كاملة من خلال انتمائها ممارسة مألوفة لدى بعض المستخدمين. وهنا لا تكمن المشكلة في مضمون التعليق وحده، بل في البيئة التي تسمح بتكراره وانتشاره، وفي التفاعل الذي يمنحه حضورًا إضافيًا، وكأن الكراهية وجدت أخيرًا منصة تقدم خدماتها للجميع بلا مقابل.

ولا يتوقف الامتزاز الاجتماعي عند الطائفية، بل يمكن أن يظهر في اعتياد التنمر، أو تبرير الفساد، أو قبول التمييز، أو تداول المعلومات المضللة، أو التعامل مع الإهانة باعتبارها جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية. فالمشكلة لا تتعلق بوجود هذه الممارسات فقط، وإنما بما تتركه من أثر تراكمي في المعايير الاجتماعية، وبقدرتها على تغيير حدود ما نعتبره مقبولًا أو مرفوضًا، من دون أن ننتبه دائمًا إلى هذا التغيير.

والأكثر صعوبة أن هذه الآثار لا تظهر بالضرورة في صورة مواقف معلنة، بل قد تتسلل إلى طريقة الحكم على الآخرين، أو تؤثر في استعدادنا للحوار والثقة المتبادلة، أو تجعل الدفاع عن كرامة المختلف معنا يبدو للبعض مبالغة لا تستحق الاهتمام. ولهذا لا يكفي أن نحصي المنشورات والتعليقات المسيئة، بل نحتاج إلى فهم السياقات التي تنتشر فيها، والأنماط التي تعيد إنتاجها، وكيف تتحول من محتوى عابر إلى مواقف وسلوكيات لها انعكاساتها في الواقع.

ومن هنا تبرز أهمية دور مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية في دراسة هذه الظواهر وتطوير أدوات مسؤولة لرصدها وتحليلها، وتعزيز قدرة الأفراد على التمييز بين الاختلاف المشروع والتحريض والتمييز، مع احترام الخصوصية وعدم تحويل المواجهة إلى ذريعة لمصادرة حرية التعبير. فالمطلوب ليس أن نتفق جميعًا في أفكارنا أو قناعاتنا، بل أن نمتلك من الوعي ما يمنع اختلافنا من التحول إلى مبرر لإهانة الآخرين أو الانتقاص من كرامتهم.

إن مواجهة هذه الظواهر لا تتحقق بمجرد حذف محتوى مسيء أو إطلاق حملة توعية، وإنما تحتاج إلى ثقافة اجتماعية تراجع ما تتلقاه وتعيد تداوله، وتدرك أن التكرار لا يمنح الأفكار صحتها، ولا يحول السلوك الخاطئ إلى ممارسة مقبولة. فالمشكلة ليست في أن نرى الأفكار السلبية، بل في أن نعتادها حتى نفقد القدرة على التمييز بين وجودها وقبولها، وبين حرية التعبير عن الرأي وتحويل الكراهية إلى ممارسة يومية.

وربما نحتاج، قبل أن نعيد نشر تعليق أو نضحك على نكتة أو نتجاوز إساءة، إلى أن نسأل أنفسنا: هل نرفض هذا المحتوى فعلًا، أم أننا بدأنا نعتاد وجوده؟ فالمجتمع لا يخسر قدرته على التماسك بالضرورة في لحظة صدام كبرى، بل قد تتآكل هذه القدرة تدريجيًا، مع تراكم ممارسات صغيرة لا يلتفت إليها أحد، حتى تصبح جزءًا من الحياة اليومية.

فأخطر ما قد تفعله الأفكار السلبية بنا ليس أن نقبلها منذ البداية، بل أن نعتادها مع الوقت، حتى نفقد القدرة على رؤيتها بوصفها مشكلة تستحق المواجهة.
نقلا عن نيوزروم