أكرم ألفي
وسط التحولات الديموجرافية الراديكالية في العالم، برزت ظاهرة الأمومة بعد الأربعين، فقد بلغت نسبة الأطفال لأمهات فوق الأربعين في اليونان 11% من المواليد، وفي إسبانيا 10%، وفي إيطاليا وأيرلندا 9%، ونحو 7% في كوريا الجنوبية واليابان. فيما كانت نسبة الأطفال لأمهات فوق الأربعين في 2004 لا تزيد على 3% فقط في بلدان الاتحاد الأوروبي، واليوم أصبحت 6%، أي تضاعفت خلال أقل من 22 عامًا!

ربما نجد في المدن المصرية، وخاصة القاهرة والإسكندرية، عددًا متزايدًا ممن حولنا ينجبون طفلهم الأول بعد سن الأربعين، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل 20 عامًا فقط.

هذه الظاهرة أرجعها خبراء الديموجرافيا وعلم الاجتماع إلى ارتفاع سن الزواج في العالم بسبب الضغوط الاقتصادية، وارتفاع معدلات تعليم المرأة ودخولها إلى سوق العمل، إلى جانب انخفاض رغبة الذكور في الزواج في سن صغيرة، حيث ارتفع سن الزواج المرغوب فيه عند الذكور في أوروبا إلى 35 عامًا في المتوسط، مما يعني أن تكوين الأسرة في الأغلب أصبح يحدث في العقد الرابع من العمر، وليس العقد الثالث كما كان سابقًا.

هذا التحول ترافق مع ظاهرة جديدة عالميًا، هي رغبة الشباب في البقاء في منزل الأسرة لفترة أطول. فقبل 40 عامًا، كان أغلب الشباب يسعون إلى الاستقلال عن أسرهم في العشرينيات من عمرهم، ولكن هذا القرار أصبح يُؤجَّل لسنوات أطول. فقد أشارت استطلاعات أوروبية إلى أن الشباب يريدون الاستقلال عن أسرهم في نهاية العشرينيات أو بداية الثلاثينيات، ولم تعد هناك الرغبة الملحّة السابقة في الاستقلال المبكر، بل الرغبة في الاستمتاع بامتيازات الحياة بتكلفة أقل في منزل الأسرة لأطول وقت ممكن!

إن الأمومة في سن الأربعين، بوصفها ظاهرة، تدفع إلى تحولات اجتماعية راديكالية في أوروبا، من أبرزها أن معدلات الطلاق بعد الإنجاب تنخفض بسبب الرغبة في الاستقرار بعد الوصول إلى منتصف العمر. 

وقد تدفع هذه الظاهرة، وفقًا لبعض علماء الاجتماع، إلى تشكيل أسر أكثر استقرارًا، وتراجع نسب الأطفال الذين يعانون من تفكك الأسرة أو عدم نضج الآباء والأمهات.

ربما برزت هذه الظاهرة بشكل ما في مصر خلال السنوات الخمس الأخيرة، وخاصة في المدن الكبيرة. فعليك أن تنظر حولك وترصد كم من الصديقات قررن الإنجاب بعد سن الأربعين، وتقارن ذلك بما كان عليه الوضع قبل 20 عامًا، لتفهم ما يحدث من تحولات دراماتيكية في فكرة الإنجاب وتكوين العائلة في العالم.