بقلم نادر شكري
لم يعد الترند مجرد وسيلة للانتشار أو الحصول على آلاف المشاهدات والتعليقات، بل أصبح عند البعض غاية تبرر كل شيء، حتى لو كان الثمن تدمير حياة الآخرين، وتشويه سمعتهم، وجرح كرامتهم، وتهديد مستقبل أسر وأبناء لا ذنب لهم.
ما حدث في واقعة كفر الشيخ يطرح سؤالًا مهمًا: ما الذي يدفع إنسانًا إلى تصوير واقعة تمس خصوصية أشخاص آخرين، حتى لو كانوا مخطئين ثم نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، دون أن يفكر لحظة في العواقب التي قد تترتب على هذا التصرف؟
هذا الشخص الذي قرر أن يجعل من الواقعة مادة للترند ربما حصل على ما أراد من مشاهدات وتفاعل، لكنه هل فكر في حجم الأذى الذي تسبب فيه؟ هل فكر في الأسر التي قد تتعرض للتفكك، والبنات اللاتي قد يجدن أنفسهن فجأة في مواجهة مجتمع لا يرحم، وأبناء قد يطاردهم حديث الناس بسبب واقعة لم يختاروها؟
في القرى والمجتمعات الصغيرة، لا تتوقف الحكايات عند حدود مشاهدة مقطع فيديو، بل تتحول سريعًا إلى أحاديث واتهامات وتأويلات، وقد تصبح الواقعة عنوانًا للفضيحة، وتظل آثارها تطارد أشخاصًا وأسرًا لسنوات طويلة. فهناك من لا يكتفي بالمشاهدة، بل يضيف تعليقًا، وينقل رواية، ويصدر حكمًا، وكأنه أصبح قاضيًا على حياة الآخرين.
مجتمع يتسابق على الفضائح!
المؤلم أن هناك حالة من الشغف غير الطبيعي لدى البعض بمشاهدة فضائح الآخرين ونشرها، وكأننا أصبحنا نبحث عن أخطاء الناس أكثر مما نبحث عن إصلاح أنفسنا.
كل شخص يحمل هاتفًا وكاميرا، وبعضهم يتعامل معهما وكأنهما تصريح مفتوح للتلصص على حياة الآخرين، وتصويرهم داخل الشوارع أو البيوت، ثم نشر ما التقطته الكاميرا بحثًا عن الشهرة والتفاعل.
أصبح البعض يراقب الآخرين، وينتظر لحظة ضعفهم أو خطئهم، ليحولها إلى مادة يتفاخر بها أمام متابعيه، دون أن يدرك أن خلف كل صورة أو مقطع مصور بشرًا لهم مشاعر وكرامة وأسر وأبناء ومستقبل.
والأخطر أن الجمهور الذي يشاهد ويتداول ويعيد النشر يشارك، بقصد أو دون قصد، في اتساع دائرة الأذى. فليس كل من يشاهد بريئًا من المسؤولية الأخلاقية، وليس كل من يضغط على زر المشاركة يدرك أنه قد يكون سببًا في إيذاء إنسان أو تدمير أسرة.
فمن منا بلا خطيئة؟
لسنا مجتمعًا من الملائكة، ولا يوجد إنسان لم يخطئ في حياته. فلماذا أصبحنا نتعامل مع أخطاء الآخرين بهذه القسوة؟ ولماذا نمنح أنفسنا حق التشهير والحكم والإدانة، وكأننا لم نخطئ يومًا أو أننا لن نخطئ في المستقبل؟
المحاسبة شيء، والتشهير شيء آخر. ورفض السلوك الخاطئ لا يعني إباحة انتهاك الخصوصية أو تحويل حياة الناس إلى مشاهد للفرجة والتسلية.
إذا كانت هناك مخالفة أو جريمة، فهناك قانون وجهات مختصة تتولى التحقيق والمحاسبة، وليس من حق أي شخص أن ينصب نفسه قاضيًا وجلادًا، وأن يصدر أحكامه عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
كما أن من حق المجتمع أن يعرف الحقيقة، لكن ليس من حق أحد أن ينتهك كرامة الناس أو يعرّض أسرهم وأبناءهم للأذى تحت شعار كشف الحقيقة.
الترند لا يستحق تدمير حياة إنسان
علينا أن نعيد النظر في ثقافة التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي. فليست كل واقعة تستحق التصوير، وليس كل مقطع يجب نشره، وليس كل ما نراه يصبح من حقنا تداوله.
قبل أن تضغط زر النشر، اسأل نفسك: ماذا لو كنت مكان هؤلاء؟ ماذا لو كان الشخص الذي أفضحه ابنك أو ابنتك أو أحد أفراد أسرتك؟ هل كنت ستقبل أن تتحول خصوصيته إلى مادة يتداولها الآلاف؟
إن احترام خصوصية الناس ليس دفاعًا عن الخطأ، ولا تبريرًا لأي سلوك غير مقبول، لكنه دفاع عن إنسانية المجتمع وكرامة أفراده.
فالمجتمع الذي يتحول فيه كل شخص إلى رقيب على الآخرين، وينشغل بفضائحهم بدلًا من إصلاح عيوبه، هو مجتمع يحتاج إلى مراجعة نفسه قبل أن يطالب الآخرين بالأخلاق.
في النهاية، قد يمنحك التشهير آلاف المشاهدات، وقد يجعلك الترند مشهورًا لساعات أو أيام، لكنك قد تكون في المقابل قد ساهمت في تدمير حياة أشخاص لن تستطيع إعادة ما فقدوه إليهم.
اتقوا الله في الناس، فليس كل ما تعرفونه يُقال، وليس كل ما تصورونه يُنشر، وليس كل خطأ يستحق أن يتحول إلى فضيحة. فمن منا بلا خطيئة؟





