د. مصطفى راشد
كلما وقع اعتداء على كنيسة، أو استُهدف إنسان بسبب دينه أو مذهبه، تكررت الإدانات، وعلت أصوات الاستنكار، ثم تهدأ العاصفة بعد أيام ونعود إلى حياتنا الطبيعية، منتظرين حادثًا جديدًا يعيد إلينا السؤال القديم: من أين يأتى كل هذا التعصب؟.
إن حادث كنيسة الكرك، وغيره من حوادث العنف والكراهية ذات الدوافع الدينية، يجب ألا يُنظر إليه باعتباره مجرد واقعة أمنية منفصلة، بل جرس إنذار يستوجب البحث فى البيئة الفكرية والثقافية التى يمكن أن تسمح للتطرف بالنمو.
الأمن يواجه الجريمة، والفكر يواجه التطرف، لا خلاف على ضرورة وجود أجهزة أمن قوية تحمى الكنائس والمساجد ودور العبادة والمواطنين جميعًا، وتلاحق كل من يخطط لعمل إرهابى أو يعتدى على الأبرياء.. لكن الأمن، مهما بلغت قوته، يتعامل غالبًا مع المتطرف عندما يتحول فكره إلى سلوك أو جريمة، أما المعركة الأعمق فتبدأ قبل ذلك بكثير؛ تبدأ فى المدرسة، والجامعة، والمنبر الدينى، والكتاب، والفضاء الإلكترونى، والإعلام، والأسرة.
تبدأ عندما يتعلم الطفل كيف ينظر إلى المختلف عنه: هل يراه شريكًا فى الوطن والإنسانية، أم خصمًا ينبغى كراهيته؟ لهذا فإن مواجهة الإرهاب بالسلاح وحده لا تكفى.
نحن بحاجة إلى مواجهة المنابع الفكرية التى تمنح الكراهية غطاءً دينيًا أو أخلاقيًا. هناك خطأ كبير يقع فيه البعض حين يعتبر أى دعوة إلى مراجعة الخطاب أو الموروث الدينى اعتداءً على الدين نفسه. الدين شىء، وما كتبه البشر وفهموه واجتهدوا فيه عبر القرون شىء آخر، التراث الدينى نتاج عصور مختلفة، وفيه ثروة فكرية وفقهية وحضارية كبيرة، لكنه يظل عملًا بشريًا قابلًا للدراسة والنقد والمراجعة.
وما كان مفهومًا فى ظروف سياسية واجتماعية قبل مئات السنين قد يحتاج إلى إعادة قراءة عندما يُنقل إلى دولة حديثة يعيش فيها مواطنون من أديان ومذاهب وثقافات متعددة. والمراجعة الجادة لا تعنى حذف التراث أو إهانة العلماء السابقين، وإنما التمييز بين المقدس والاجتهاد البشرى، وبين ما يخدم قيم العدل والرحمة اليوم وما ارتبط بظروف تاريخية مختلفة.
المشكلة تبدأ من ثقافة إقصاء الآخر؛ فلا يكفى أن نقول للشباب إن قتل المسيحى أو المسلم أو اليهودى أو غير المؤمن جريمة، بينما نسمح فى الوقت نفسه بخطاب يحتقر المختلف أو يشكك فى إنسانيته وحقوقه. فالمسافة بين الكراهية والعنف قد تصبح قصيرة عندما يجد الإنسان من يقنعه بأن المختلف عنه عدو لله أو للوطن.. ولهذا فإن مكافحة التطرف تبدأ من حماية كرامة الإنسان بصرف النظر عن دينه ومذهبه وجنسه وأصله، وترسيخ قاعدة بسيطة: المواطن لا تزيد حقوقه ولا تنقص بسبب عقيدته..
لذا نحتاج إلى مشروع ثقافى وتعليمى، والإصلاح الحقيقى ليس مهمة وزارة الأوقاف أو المؤسسات الدينية وحدها. إنه مشروع دولة ومجتمع تشترك فيه وزارات التعليم والثقافة والإعلام والجامعات والمؤسسات الدينية والفن والأدب.
نحتاج إلى تعليم الطفل التفكير والنقد والحوار بدل الحفظ والتلقين وحدهما.
نحتاج إلى أن يعرف فى المدرسة العلماء والمفكرين والأطباء والأدباء والفنانين وصُنّاع الحضارة، وأن يتعلم أن البطولة ليست فى حمل السلاح فقط، وإنما قد تكون فى اكتشاف دواء، أو كتابة كتاب، أو إنقاذ حياة، أو الدفاع عن حرية وكرامة إنسان. ونحتاج كذلك إلى فتح المجال أمام المفكرين
والتنويريين والباحثين لمناقشة الأفكار المتشددة بالحجة، لأن الفكرة لا تُهزم بمنع النقاش، وإنما بفكرة أكثر عقلانية وإنسانية وقدرة على الإقناع، وأن حماية الكنيسة هى حماية للمسجد والوطن، فعندما تُستهدف كنيسة بسبب هوية مَن بداخلها، فالقضية لا تخص المسيحيين وحدهم، تمامًا كما أن الاعتداء على مسجد لا يخص المسلمين وحدهم.
الاعتداء على أى دار عبادة هو اعتداء على حق الإنسان فى الأمان والعبادة، وعلى فكرة الدولة نفسها. والدولة الحديثة لا تسأل المواطن عن عقيدته قبل أن تحميه، ولا تفرق بين دم مسلم ومسيحى أو صاحب أى معتقد آخر.. فالدم الإنسانى واحد، والقانون يجب أن يكون واحدًا، والكرامة الإنسانية لا دين لها.
إن حادث كنيسة الكرك لن يكون الأخير إذا اكتفينا بعد كل مأساة ببيانات الإدانة وانتظرنا المأساة التالية. المطلوب ليس حربًا على الدين، بل حربًا على توظيف الدين فى صناعة الكراهية. وليس المطلوب هدم التراث، بل قراءته بعقل نقدى يفرّق بين المقدس والاجتهاد البشرى. فالأوطان لا يحميها الأمن وحده؛ يحميها أيضًا عقلٌ يرفض التكفير، ومدرسةٌ تُعلّم التسامح، ومنبرٌ يحترم المختلف، وإعلامٌ ينشر الوعى، وقانونٌ يحمى الجميع بلا تمييز. وعندما يصبح الإنسان أغلى من اختلافاته الدينية والمذهبية، نكون قد بدأنا بالفعل فى تجفيف منابع التطرف بدل انتظار ضحيته القادمة.
نقلا عن المصرى اليوم





