خالد منتصر
أقرأ الآن كتاب الاقتصادى الوطنى العظيم طلعت حرب عن تربية المرأة والذى يرد فيه على قاسم أمين، وللأسف كانت الصدمة من النبرة الرجعية التى تسود الكتاب، والتى تثبت أن التنوير الاجتماعى مختلف عن التنوير السياسى والاقتصادى، فهو أصعب قبولاً وأطول درباً، يقول طلعت حرب فى كتابه:
«أثبت العلم بالتجربة أن متوسط طول الرجل يزيد على متوسط طول المرأة باثنى عشر سنتيمتراً، ومن جهة ثقل الجسم فإن متوسطه عند الرجال ٤٧ كيلو وأما عند المرأة فلا يزيد على ٤٢ ونصف، والمجموع العضلى عندها أقل منه عند الرجل بمقدار الثلث، والقلب أخف بمقدار ٦٠ جم، أما الحواس الخمس فهى أضعف عند المرأة، ومخ الرجل يزيد على مخ المرأة... وبما أنه ثبت لنا بالبراهين المحسوسة أن الرجل أفضل من المرأة جسماً وعقلاً نقول إن طلب مساواة الجنسين فى سائر الحقوق هو عبث محض والساعى فى تأسيسها كالساعى فى جعل الأرض تجذب الجسمين المختلفين فى الوزن بدرجة واحدة وهو ما لا يتصور حصوله، ولو حصل لاختل الكون».
معذرة على الاقتباس الطويل لكنى تعمدت ذكره لأفند تلك المعلومة التى صارت من تكرارها بديهية، وهى أنه ما دام مخ الرجل أثقل وزناً فهو بالتأكيد أفضل!، موازين غريبة تلك الموازين التى استخدمها البشر للحكم على العقل كميزان الجزار: مخ أثقل، إذن صاحبه أذكى! هكذا تحولت ملاحظة تشريحية إلى شهادة تفوق، ثم استُخدمت لتبرير استبعاد المرأة من التعليم والعمل والقيادة. لكن العلم لا يقيس قيمة الإنسان بالجرامات، ولا يمنح الذكورة صك ملكية التفكير.
لنبدأ بتصحيح ضروري: القول إن مخ الرجل أكبر وأثقل فى المتوسط ليس خرافة فى ذاته؛ الخرافة هى القفز من الحجم والوزن إلى الأفضلية العقلية. يبلغ فرق الحجم نحو عشرة بالمائة فى المتوسط، ويرتبط جزئيًا باختلاف حجم الجسم. أما تحويل هذا الفرق إلى ترتيب للذكاء، فاستنتاج لا تسمح به المعلومة التشريحية وحدها.
المخ ليس قطعة عضلية كلما تضخمت ازدادت قدرتها. الأداء العقلى يعتمد على تنظيم الشبكات العصبية، وطريقة اتصالها، وكفاءة عملها، والخبرة التى تشكلها. توجد علاقة إحصائية بين حجم المخ وبعض مقاييس الذكاء لدى الأفراد، لكنها ليست حكمًا حتميًا، ولا تبرر اعتبار أحد الجنسين أذكى لمجرد أن متوسط حجم مخه أكبر.
وحين تفحص الدراسات التفاصيل، تظهر صورة أعقد كثيرًا من حكاية التفوق الذكورى. ففى دراسة شملت أكثر من خمسة آلاف شخص، كان الرجال أعلى فى متوسط حجم المخ ومساحة القشرة، بينما كانت النساء أعلى فى متوسط سُمك القشرة. وبعد ضبط الحجم الكلى، تضاءلت فروق عديدة بين المناطق، واختفت بعضها، وبقيت أخرى. فلا الحجم وحده وسام، ولا السُّمك وحده شهادة عبقرية.
المشكلة أننا نقرأ صور المخ أحيانًا كما يقرأ المنجم خطوط الكف: منطقة أكبر، إذن شجاعة أكثر؛ اتصال مختلف، إذن عقلانية أعلى! لكن وجود فرق تشريحى لا يثبت وحده فرقًا سلوكيًا، ولا يكشف سببه. ولا توجد منطقة واحدة اسمها مركز الحكمة، وأخرى تحتكر العاطفة، بحيث نوزعهما بين الرجال والنساء.
نعم، تظهر فروق متوسطة فى بعض الاختبارات: تميل النساء إلى التفوق فى بعض مهام الذاكرة اللفظية، ويميل الرجال إلى التفوق فى بعض مهام تدوير الأشكال ذهنيًا. لكنها فروق فى قدرات محددة، مع تداخل كبير بين النتائج، ولا تصلح لتحويل نصف البشرية إلى عقول قيادية والنصف الآخر إلى عقول تابعة.
ثم إن المخ يحمل تاريخ صاحبه أيضًا. التعليم والتدريب والعمل واللعب والخبرات اليومية تشارك فى تشكيله. حين نمنح طفلًا مساحة للاستكشاف، ونحاصر طفلة بالتعليمات والخوف، لا يجوز أن ننسب كل فرق لاحق إلى الفطرة. وفى المقابل، لا يصح إنكار دور الجينات والهرمونات؛ فالسلوك حصيلة تفاعل مستمر بين الاستعداد البيولوجى والبيئة.
ولهذا، فإن سؤال: «أى المخين أفضل؟» يشبه سؤال: أيهما أفضل، يد الرسام أم يد الجراح؟ لا تأتى الإجابة من وزن اليد، بل من المهمة والتدريب والأداء. والاختلاف بين متوسطات المجموعات لا يعفينا من تقييم كل إنسان بقدراته الفعلية، بدلًا من افتراضها مسبقًا على أساس جنسه. الخطر ليس فى دراسة الفروق، بل فى استخدام العلم قناعًا للأحكام القديمة. نحتاج أبحاثًا أدق، وفرصًا أعدل، وتواضعًا أمام تعقيد الإنسان.
أما اختزال العقل فى ميزان، فهو إهانة للعقل نفسه: فالجرامات قد تخبرنا بوزن النسيج، لكنها لا تكتب قصيدة، ولا تحل معادلة، ولا تمنح صاحبها حق الوصاية على غيره، أو احتكار المعرفة والإبداع والقيادة.
نقلا عن المصرى اليوم





