بقلم الأب يسطس الأورشليمى
في الإصحاح التاسع من سفر دانيال : إذ كان دانيال يحمل في قلبه حُبه لكُل البشرية، وهبه الله نعمة الحكمة والفهم مع النبُوة، كشف للملُوك أحلامهم وفسرها لهم، كما أعلن له عن رُؤى تخص الأحداث المستقبلية الخاصة بالعالم كُله، الآن في شيخُوخته إذ لاحظ أن الله سبق فوعد بالعُودة من السبيّ بعد سبعين عاماً، فبدء يسأل برُوح الاتضاع والوداعة عن هذا الوعد الإلهي..
يطلب من الله الصفح عن خطايا شعبه، وتحقيق وعده معهُم، فوهبه الله رُؤيا السبعين أسبوعاً، يُعلن له فيها ليس فقط عن عودة الشعب إلى أورشليم بل وعودة البشرية إلى الأحضان الإلهية، بتحديد موعد التجسد الإلهي، وتقديم ذبيحة المسيح الفريدة، وجاءت هذه النبوة تُصحح مفاهيم اليهُود فإنهم إذ كانُوا ينتظرُون العُودة من السبيّ، لإقامة مملكة يهُودية مجيدة، أكد لهُم أن كلمة الله المتجسد آت ليُقيم مملكته بذبيحة نفسه..
تمت أحداث هذا الإصحاح بعد سقُوط بابل، في السنة الأولى من حُكم داريُوس بن أحشُويرش، أي تقريباً في ذات التاريخ سنة 537 ق.م، قبل أن يسمح كُورش لليهُود بالعُودة إلى أورشليم بسنة، وكان اسم أحشُويرش شائعاً بين كثير من ملُوك مملكة فارس ومادي..
يقول دانيال "وبينما أنا أتكلّم وأصلّي وأعترف بخطّيتي وخطية شعبي إسرائيل وأطرح تضرّعي أمام الرّب إلهي عن جبل قُدس إلهي، وأنا متكلّم بعد بالصلاة إذا بالرجل جبرائيل" (ع20-27)...
يكشف دانيال النبيّ عن حُب الله الفائق الذي يستمع إلى صلاته، ويقبل اعترافه عن خطاياه وخطايا شعبه، وينصت إلى تضرعه من أجل مدينة أورشليم والهيكل وكُل المقدسات الإلهية، فالله يُسر بالمُؤمنين المُتضعين الذين يعترفُون بضعفاتهُم، والذين في غيرة مُتقدة لا يطلبُون لأجل أنفسهُم، بل لأجل الغير، كما من أجل جبل قدس الرّب..
أولاً: يقُول دانيال: وأنا المتكلّم، لم يُصلّ بقلبه فحسب وإنما أيضاً بلسانه، يُقدم الصلاة برُوحه كما بجسده، يشترك بكُل مشاعره في التعبير عما في أعماقه، وقد جاءته الإجابة بينما كان يصلي..
ثانياً: لم يكن بعد قد انتهى دانيال من صلاته، استجاب الله لصلاته قبل أن يفرغ منها، ورئيس الملائكة جبرائيل يقُول له: في ابتداء تضرعاتك خرج الأمر، أي استجاب لقلبه قبل شفتيه..
ثالثاً: أرسل الله إليه رئيس الملائكة طائراً بسرعة، اهتمام إلهي عجيب هُنا لأول مرة نسمع عن أجنحة الملائكة، قال الرجل جبرائيل، بهذا يُؤكد الله تقديره للإنسان واعتزازه به حتى أنها تحمل شكله..
رابعاً: ظهر رئيس الملائكة لدانيال ولمسه عند وقت تقدمة المساء، أي في وقت الساعة الثالثة، كان دانيال مسبياً منذ سبعين عاماً، لم يرَ ذبيحة المساء التي كان الكهنة يقدمُونها في هيكل الرّب..
خامساً: كشف رئيس الملائكة جبرائيل لدانيال عن مركزه لدى الله، إذ يقُول: لأنك أنت محبُوب جداً، أي الرجُل الذي يُسر به الرّب، والله يُسر بالأكثر بمَن يتمتعُون بشركة عميقة واتحاد معه..
سادساً: قدم له عطية الفهم، قال فتأمل الكلام وافهم الرُؤيا، لقد فهم ودرس دانيال نبُوات إرميا، وتاريخ العُودة من السبيّ، لكنه كان محتاجاً إلى فهم ومعرفة أعظم، حيثُ ينسحب قلبه من الرجُوع إلى كنعان إلى السماء عينها، وذلك خلال عمل المسيّا الخلاصي..
سبعُون أسبُوعاً قُضيت على شعبك وعلى مدينتك المُقدسة لتكميل المعصية وتتميم الخطايا ولكفارة الإثم وليُؤتي بالبرّ الأبدي ولختم الرُؤيا والنبُوة ولمسح قُدوس القُدّوسين (24)...
حُددت سبعُون أسبُوعاً، لتحقيق غرض خاص له ست نتائج، ثلاثة منها سلبية، والثلاثة الأخرى إيجابية، قد تحققت بمجيء المسيح:
أولاً: تكميل المعصية، أي إزالتها من أمام عيني الله، وذلك بالكرازة بإنجيل الخلاص والتمتع بعطية الرُوح القُدس التي وهبها الله لكنيسته وذلك في استحقاقات الدم الثمين، إذ صارت معصيتنا كأنها غير موجُودة أمام الله، كان السبيّ تأديباً عن معاصي إسرائيل ويهُوذا، لكنه لم يكن قصاصاً عادلاً عنها، وليس للسبيّ القدرة على محو الخطية وإزالتها، لذا كانت الحاجة إلى ذبيحة الصليب، حيثُ يقدم المسيح كفارة عن العالم..
ثانياً: تتميم الخطايا، وتترجم إنهاء الخطايا، إذ قُدم المسيح نفسه ذبيحة خطية مرة واحدة عن العالم كُله (1يو1:2)، هذا الذي لا يُوجد عيب فيه، في جسده ونفسه، وضع للخطية نهاية بذبيحته..
ثالثاً: لكفارة الإثم، وتعني أن الضرُورة تقتضي تقديم ذبيحة للمصالحة أو الكفارة، هذه هي النتائج السلبية حيثُ تُنزع اللعنة..
تُنزع لعنة المعصية والخطايا والإثم، هذه التي حجبتنا عن الله، ودخلت بنا إلى العداوة فصرنا في حاجة إلى مصالحة..
الآن يُحدثنا عن النتائج الإيجابية الثلاث وهي:
رابعاً: جلب البرّ الأبدي، الذي يجلب سلاماً دائماً حيثُ يأتي به المسيّا ويُقدمه هبة إلهية، يُقدم نفسه براً فنتبرر به، فهُو يُؤتي إلينا بالبرّ من خارج طبيعتنا، إذ هُو عمل الله فينا بالمسيّا البار..
خامساً: الختم على الرُؤيا والنبُوة، حيثُ تتحقق نبوات العهد القديم والرُؤى الواردة فيه بمجيء المسيّا، والإعلان عن شخصه، وعمله الفدائي ومجده الأبدي، لقد تمتع دانيال وغيره من الأنبياء برُؤى ونبُوات لحساب شعب الله، لكنه يأتي وقت لا تكُون هُناك حاجة إلى ذلك، حيثُ يحل كلمة الله نفسه في وسطنا، ويتحدث معنا فماً لفمٍ..
سادساً: مسح قدُوس القديسين، إذ قدّس ذاته لأجلنا، مُقدماً نفسه رئيس كهنة وذبيحة فريدة وشفيعاً عنا، وكما يقُول المسيح: لأجلهم أقدس أنا ذاتي ليكُونُوا هُم مُقدّسين في الحقّ (يو19:17)، كأن لا غاية له سوى الدخُول بكُل نفس إلى الأمجاد الأبدية والتمتع بالميراث السماوي، وفي ترجمة أخرى مسح قدس الأقداس، أي أقدس مُوضع في الهيكل..
فاعلم وافهم أنه من خُرُوج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس سبعة أسابيع واثنان وستُون أسبُوعاً يعُود ويُبنى سُوقٌ وخليجٌ في ضيق الأزمنة، وبعد اثنين وستين أسبُوعاً يقطع المسيح، وليس له وشعب رئيسٍ آتٍ يخرب المدينة...وانتهاؤه بغمارةٍ وإلى النهاية حربٌ وخربٌ قُضى بها، ويُثبت عهداً مع كثيرين في أسبُوعٍ واحدٍ، وفي وسط الأسبوع يبطل الذبيحة والتقدمة وعلى جناح الأرجاس مُخرّبٌ حتى يتم ويُصب المقضيّ على المُخرب..
لقد حدد الله وقتاً معيناً لمجيء كلمة الله المُتجسد إلى العالم، وبحكمة فائقة حدد الساعة التي يُولد فيها المسيّا، واللحظة التي فيها يُقدم حياته كفارة عن خطايا العالم، فإن مجيء السيد، وعمله الخلاصي هما في عيني الله مركز التاريخ وعصب العناية الإلهية وإكليل النعمة..
لا يحدث شيء مصادفة، بل يتم كُل شيء في دقة عجيبة، وأكد الكتاب مجيء المُخلص في ملء الزمان في أواخر الدهُور..
جاءت هذه النبُوة أشبه بكُوكب مضيء في وسط أحزان المسبيين الذين يُعانُون من ظُلمة الحزن القاتل، فهم كثيرُون النبُوة حتى أنه عندما جاء كان هُناك توقعاً عاماً بين اليهُود عن مجيء المسيّا، كان القديسُون يدرسُون النبُوات باجتهاد، ويترقبُون مجيء المُخلّص..
كان سمعان الشيخ ينتظر تعزية إسرائيل، وحنة تترقب الخلاص مع غيرها في أورشليم، ليس فقط اليهُود بل السامريُون، والأمم أيضاً يترقبُوا مجيئه كما حدث مع المجُوس الذين رأوا نجمه..
سبعُون أسبُوعاً تعني سبعين وحدة من سبعات، وهي بهذا تعني سبعين أسبُوعاً من السنين، وقد رأى غالبية المفسرين أن هذه الفترة تبدأ فيما بين 457 و445 ق.م وتنتهي فيما بين 26 و70 م
يعلمنا الملاك أن بداية الأعداد، أي السبعين أسبُوعاً التي هي 490 عاماً تبدأ بالأمر الصادر بالبدء في بناء أورشليم كاستجابة لطلب المسبيين، هذا حدث في السنة العشرين من ملك ارتحشستا ملك فارس، فقد سأله نحميا واستلم الإجابة أنه يلزم بناء أورشليم، إلى السنة 16 من مُلك طيباريُوس قيصر، تكُون المحصلة 475 سنه وهي تُقابل 490 سنه بالحساب اليهُودي، حيثُ يحسبُون السنة حسب دُورة القمر، السنة عندهُم (354) يوماً، أي تقل 11 يوماً عن السنة الشمسية (265) يوماً..
وقسمت المدة هكذا: 7 أسابيع = 49 عاماً، وهي الفترة ما بين صدُور الأمر بإصلاح الهيكل وبناء السُور بواسطة منشُور ارتحشستا الأول في 14 نيسان سنة 445 ق.م وتعين نحميا والياً على أورشليم، وانتهت الفترة بسنة 397 ق.م حيثُ مات نحميا في أيام ملاخي النبيّ..
فالسبعة أسابيع أي 49 سنة، هي مدة تجديد أورشليم وبنائها، لقد سمح كُورش للشعب أن يبني الهيكل، فوضعُوا الأساسات في ثلاث سنوات، واضطر اليهُود إلى التوقف عن البناء في أيام خليفته كمبيز الذي كان معادياً لهم، وإذ سُمح لهُم تمّمُوا ذلك في 46 عاماً..
62 أسبُوعاً أي 434 عاماً، هذه الفترة التي تبلغ أربعة قرُون تُمثل أظلم فترات الشعب رُوحياً، إذ لم يُوجد فيها أنبياء حتى ظهور يُوحنا المعمدان، فحُسبُوا الشعب الجالس في الظلمة حتى يشرق عليهُم شمس البرّ بصليبه،





