بقلم/ أشرف ونيس
✍🏻 هو مخلوق بل كائن بل كائن حي بل بشر بل إنسان. وهكذا شرع الله أزلًا أن يخلق زمنًا وحين نطق بكلمة قدرته كان الخلق موجودًا. تنوعت أصل الأنواع ليكون البشر هو قمة ذلك الخلق وتاج تلك الخليقة. تجمعت كما تفرقت أصناف تلك البشر وتشعبت، اهتدت صفاتهم وطبائعهم كلٍ فى طريقه وطريقته، كلٍ فى دربه وما رست إليه نفسه.
فحين اجتمعت منهم الصفات البهيمية بمثيلتها من الصفات كانوا فى ذلك أقرب إلى الطبيعة الحيوانية منها الى الآدمية. حيث جمعوا فيها العقل مع التوحش، الفطنة مع الهمجية، الفراسة مع الافتراس. فصاروا بذلك وحوشًا عاقلة أو قل عقولاً متوحشة. لا تبغى سوى الدمار والهدم والهلاك، فكانوا أهلًا لذلك!
وحين التصق رقى السجايا مع جميل الإحساس، قابعين فى ذلك بمحيط من الخير المفعم بالجمال والممتزج بقدر هائلاً من الحق؛ كان هذا هو الإنسان فى كل ما تحمله الكلمة من سناء المعانى وصفاء المقاصد ونقاء الاتجاه. الإنسان كما خلقه الله لا كما شكله محيطه وبيئته، حين علا فيها صوت الشر عن غيره من الاصوات! فكانت هذه المشاعر المتأنسنة بل الإنسان الشاعر هى الكيان الحاوى لكل مظاهر الحياة فى رقى مظهرها وأشكالها. الوجود فى أجلى تموضع وقيام وتمظهر له. احتوى على الحياة الكائنة والكينونة الحية، فكان هو الكائن الحى والإنسان الموجود الذى احتوى بداخله على أسمى قيم الوجود.
استشرقت روحه واستقطبت من أرجاء كونه وقودًا روحيًا وإيهاما نفسيًا مرتكنًا إلى بعضا من قوى الطبيعة ومظاهرها كالشمس والقمر و البحر والسماء. ليرسى ويرسخ إلى واحدة من أسرار الكون اللامرئية والغير خاضعة للعلوم الطبيعية فكان هو ( الإلهام )، ذلك العنصر وتلك الملَكة التى لا تعترف بالمادة ولا تقر بتحكمها وأحكامها. لا تعتقد فى قيودها ولا تصادق عليها بأى حال من الأحوال. تختار أحدهم من البشر فتستجذب من أذهانه شتات الحروف وتشرذم الكلمات. ومرورًا بهما بمراكز العاطفة لديه فإذ به تأخذه الدهشة ليجد نفسه كاتبًا رغم أنفه و أنف الجميع!
* يكتب من التعابير ويعبر من الكلمات ما تعجز عنه أكثر العقول ذكاءً، وأكبرهم علمًا، إذ يصحبه إلهامه إلى دروب وطرقات. إلى أعماق وأغوار. فتمسك أصابعه بإحدى الأقلام؛ فاذ به يتفاجأ بما لم يكن فى التوقع أو الحسبان!!!
* يستجلب فى كتاباته أرجاء من الفرح لكيانه، ومزيدًا من السعادة لداخله، وأنماطًا من السرور لباطنه وكل أعضاءه. وحين ينتشى يعكس انتشاءه على غيره ممن يتطلعون إلى ما يسطِّره ويبدره من أفكار وأحرف وكلمات!
* يستحضر من العدم كونًا، ومن التلاشى رسوخًا، كما إنه يخلق من الفناء خلودً واستمرارً وبقاءً. فيبقى ما يطرحه من عصارة أفكاره وجودًا أزليًا، وأبدًا وجوديا، يندثر و يموت الجميع بينما تظل هى على قيدًا من الحياة!
* يتفرد بوحدته بعيدًا عن الكل، كما يستفرد بعزلته جانبا عن الجميع، فيها يناجى أصوات الصمت فتحدثه، يخاطب همسات السكينة فتخاطبه، كما يغازل موسيقى الهدوء فتتبسم له!
* قرينه قلم، وروحه ورق، ونفسه كتاب، يتفاعل معهم ويتفاعلوا معه، فيتغلغل كل منهم فى الأخر، فيتربع بذلك على عرش الكون ملكا متوجا. تمسى الفكرة عرشه، والكلمة صولجانه، وحروفه ونقاطه دعمًا لحكمه إرساءً ورسوخًا وثباتًا!
* وسط تشقق أرضنا يقف هو راويًا مرويًا، عاطيا معطاءً، يقابل جدوبة الحياة مقدما زادًا و شبع و إكتفاء. تنهل الظمأى من نهر سباحته فتغدو حياتهم زهور وورودًا وأغصان!
نعم؛ إنه الكاتب الشاعر، والشاعر الذى يستشعر إحساس الكلمة فيكتب ليبدع. رحيقه عبير، لمساته بلسم، رثاءه شفاء، غيابه حضور، تواجده ضياء، كما أن سكونه الهادئ هو عيد وفرح واحتفاء .... الكاتب!
بقلم/ أشرف ونيس





