الأب أغسطينوس؛
بالميلاد:
ميلاد سامي ميخائيل بطرس طوس...


 المقدمة:
  بين حقيقة الإيمان وأقنعة المصالح

ثمة حقيقة مؤلمة نراها بأم أعيننا، وتتجلى في مشاهد الحياة اليومية، وفي صراعات السياسة، وخطابات بعض رجال السلطة، وفي التناقض الصارخ بين ما يُقال باسم الدين وما يُمارَس على أرض الواقع: ليس كل من رفع شعار الإسلام قد عاش روحه، وليس كل من رفع الصليب قد جسّد رسالة المسيح، وليس كل من تحدّث باسم الله كان بالضرورة شاهدًا أمينًا عليه.

  زلا الشرق مسلم لمجرد أن مآذنه ترتفع في سمائه، ولا الغرب مسيحي لمجرد أن الصلبان تزيّن بعض مبانيه، ولا تُقاس حقيقة إيمان الشعوب بما ترفعه من شعارات، ولا بما تردده من نصوص، بل بما تجسّده من عدل ورحمة وكرامة إنسانية، وبما تمنحه للإنسان من حق في الحياة والحرية والأمان.

  إنَّ المشكلة ليست في الإسلام بوصفه دينًا، ولا في المسيحية بوصفها إيمانًا برسالة المسيح، وليست في الشرق لمجرد أنه شرق، أو الغرب لمجرد أنه غرب؛ بل في الإنسان حين يستعير اسم الله ليخدم مصالحه، وحين يحوّل المقدس إلى أداة للسلطة، والعقيدة إلى وسيلة للهيمنة، والإيمان إلى واجهة تخفي خلفها حسابات السياسة والاقتصاد والنفوذ.

  وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل نعيش إيماننا حقًّا، أم نستخدم الإيمان لتبرير ما نريد فعله؟ هل نتمسك بالله لأننا نبحث عن الحق، أم نتمسك بصورته التي صنعناها لأنفسنا كي يمنح اختياراتنا البشرية شرعيةً مقدسة؟

  إنها ليست إدانةً لدينٍ أو حضارة، بل دعوة إلى مراجعة الضمير الإنساني، وإلى التمييز بين الدين بوصفه رسالةً أخلاقية وروحية، وبين توظيف الدين بوصفه أداةً للمصالح والنزاعات.

أولًا: لا الشرق مسلم لمجرد أنه يرفع شعارات الإسلام
  في مجتمعات كثيرة من الشرق، يحتل الدين مكانةً عميقة في الوجدان الشعبي، وتعلو أصوات الأذان، وتُعمَر المساجد، ويحرص كثيرون على الصلاة والصوم والشعائر، ويظل الإيمان مصدر عزاء ورجاء ومعنى لحياة الملايين.

  لكن السؤال الذي ينبغي أن نجرؤ على طرحه ليس: كم مسجدًا لدينا؟ ولا كم مرة نردد كلمات الإيمان؟ بل: ماذا فعل الإيمان في أخلاقنا، وفي تعاملنا مع الضعيف، وفي نظرتنا إلى المختلف، وفي علاقتنا بالمال والسلطة والكرامة الإنسانية؟

  ما قيمة الصلاة إذا خرج الإنسان منها ليظلم غيره؟ وما قيمة الصوم إذا لم يعلّم صاحبه أن يكفّ أذاه عن الآخرين؟ وما قيمة الحديث عن التقوى إذا أصبح الفقير ضحيةً للاستغلال، والضعيف فريسةً للقوي، والمختلف في الدين أو الرأي موضعًا للازدراء؟

  ليس المقصود أن الشعائر بلا قيمة، بل إنَّ قيمتها الروحية والأخلاقية تكتمل حين تنعكس في حياة الإنسان. فالشعائر ليست بديلًا عن العدل، ولا ينبغي أن تصبح ستارًا يخفي غياب الرحمة، وإنما يفترض أن تكون طريقًا إلى تهذيب النفس وتحريرها من الأنانية والكبرياء.

  وقد يكون الإنسان شديد المحافظة على المظاهر الدينية، لكنه لا يزال أسير التعصب، أو الطمع، أو احتقار الآخرين. وقد يكون شخص آخر قليل الكلام عن الدين، لكنه يمارس الصدق والأمانة، ويحفظ كرامة الإنسان، ويسعى إلى تخفيف آلامه.

  ولا يعني ذلك أن الأخلاق وحدها تكفي للحكم على كل أبعاد الإيمان، أو أن المؤمنين جميعًا متشابهون، بل يعني أنَّ الادعاء الديني لا يعفي صاحبه من المساءلة الأخلاقية.

  فلا يصبح المجتمع مسلمًا حقًّا بمجرد كثرة الشعارات الإسلامية، بل بقدر ما يقترب سلوكه من قيم العدل والرحمة والأمانة التي يعلن إيمانه بها.

  والمؤلم أن يُستَخدم الدين أحيانًا لتبرير التمييز، أو إسكات النقد، أو منح بعض الأشخاص سلطةً أخلاقية لا يستحقونها، وكأن مجرد الحديث باسم الله يمنح صاحبه حصانةً من المساءلة.

  لكن لا أحد يملك احتكار الله، ولا تتحول الأخطاء إلى حقائق مقدسة لأن مرتكبيها يرفعون شعارات دينية.

ثانيًا: ولا الغرب مسيحي لمجرد أنه يحمل إرث المسيحية
  كذلك لا يمكن اختزال الغرب في المسيحية، أو اعتبار كل ما يصدر عن دوله ومؤسساته تعبيرًا عن الإنجيل. فالبلدان الغربية متنوعة دينيًّا وفكريًّا، وتضم مسيحيين من تقاليد مختلفة، وأتباع أديان أخرى، وغير مؤمنين، كما أن مواقف حكوماتها لا تمثل بالضرورة ضمائر جميع مواطنيها.

  ومع ذلك، فإنَّ النقد الأخلاقي يظل ضروريًّا عندما تُستخدم الرموز المسيحية أو الهوية الحضارية لتغطية ممارسات تتعارض مع كرامة الإنسان.

  فما قيمة الحديث عن المحبة المسيحية إذا أصبح الإنسان مجرد رقم في حسابات المصالح؟ وما معنى الدفاع عن الحرية إذا كانت حرية بعض الشعوب تُؤخذ على محمل الجد، بينما تُهمَل معاناة شعوب أخرى؟ وما معنى الكرامة الإنسانية إذا اختلفت قيمتها تبعًا للجنسية أو اللون أو الموقع الجغرافي أو المصلحة الاقتصادية؟

  لا يجوز أن تتحول حقوق الإنسان إلى امتياز تمنحه القوة لمن تشاء، أو تسحبه ممن تشاء. ولا ينبغي أن يصبح التضامن مع الضحايا انتقائيًّا، بحيث تُسمَع صرخة إنسان وتُهمَل صرخة آخر لأن الأول أقرب إلى مصالحنا السياسية أو الثقافية.

  وإذا كانت الحضارة الغربية قد شهدت تطورات مهمة في مجالات الحقوق والقانون والحريات، فإن ذلك لا يجعل كل سياساتها معصومة من النقد، كما أن وجود تناقضات في بعض ممارساتها لا يلغي كل ما تحقق فيها من إنجازات.

المعيار ليس جغرافيا الإنسان، بل موقفه من الإنسان.
  فلا يكفي أن يحمل المجتمع إرثًا مسيحيًّا لكي تكون ممارساته مسيحية الروح، كما لا يكفي أن يرفع شعار الحرية لكي يكون عادلًا في تعامله مع الجميع.

  وفي هذا السياق، لا بد من التمييز بين رسالة المسيح وبين القرارات التي تتخذها حكومات أو جماعات أو مؤسسات تستند إلى هوية مسيحية. فالمسيحية لا تختزل في سياسة دولة، ولا تُقاس أمانة الإنجيل بمقدار ما تحققه حكومة من مصالحها.

إنَّ محاسبة الممارسات التي تتناقض مع القيم المسيحية ليست هجومًا على المسيحية، بل قد تكون دفاعًا عن جوهرها الأخلاقي، وعن حق المؤمنين أنفسهم في ألا يُختطف إيمانهم لحساب مصالح لا تعبّر عنه.

ثالثًا: حين يصبح الدين سلعةً في سوق السياسة
  من أخطر صور توظيف الدين أن يتحول من دعوة إلى الحق إلى وسيلةٍ لإضفاء القداسة على المصالح البشرية.

  في هذه الحالة، لا يعود السؤال: ما الذي يرضي الله؟ بل: كيف نستفيد من اسم الله لتحقيق أهدافنا؟ ولا يعود الدين صوتًا يوقظ الضمير، بل أداةً تحشد الجماهير، وتجمع الأنصار، وتبرر القرارات، وتمنح الصراعات لغةً أخلاقية تخفي دوافعها الحقيقية.

  قد يرفع السياسي شعار حماية الدين، بينما يكون هدفه الحقيقي تثبيت سلطته. وقد يتحدث عن هوية الأمة، بينما يستخدم الخوف من المختلف لإبعاد الأنظار عن الفساد أو الفشل. وقد يوظف رجلٌ أو جماعةٌ النصوص الدينية لتأمين الولاء، بحيث يصبح الاعتراض على قراراتهم وكأنه اعتراض على الدين نفسه.

  وهنا يقع الخلط الخطير بين الله ومَن يتحدثون باسمه، وبين الإيمان ومَن يستثمرونه، وبين المقدس ومَن يمنحون أنفسهم حق التصرف فيه.

  فليس كل من قال «الله يريد» قد عرف إرادة الله، وليس كل من رفع رايةً دينية صار ممثلًا أمينًا للقيم التي تعلنها تلك الراية.

  إنَّ استخدام الدين في المجال العام ليس في ذاته دليلًا على التلاعب؛ فالدين قد يدفع المؤمنين إلى الدفاع عن الفقراء، ومقاومة الظلم، وإغاثة الملهوفين، والعمل من أجل السلام. إنما يبدأ التلاعب عندما يُستعمل المقدس لتبرير المصلحة الخاصة، أو تحصين السلطة من النقد، أو تجريد الخصوم من إنسانيتهم.

  عندما يصبح اسم الله وسيلةً لتحقيق ما نريده نحن، نكون قد وضعنا مصالحنا في موضع المقدس، ثم طلبنا من الناس أن يقدّسوها معنا.

  وهكذا يتحول الدين من قوةٍ لتحرير الإنسان من عبودية الأنانية إلى أداةٍ لإخضاعه لمصالح الآخرين، ومن دعوةٍ إلى مراجعة الذات إلى وسيلةٍ لمراقبة الآخرين وإدانتهم.

رابعًا: التجارة بالأديان لا تعني المال وحده
  حين نقول إنَّ البعض يتاجر بالأديان، قد يتبادر إلى الذهن من يستغل المشاعر الدينية لتحقيق مكاسب مالية. وهذه صورة موجودة حين تُستغل حاجات الناس الروحية، أو مخاوفهم، أو آمالهم، لتحقيق الربح أو السيطرة.
لكن التجارة بالدين أوسع من المال.

  هناك تجارة بالقداسة حين يمنح الإنسان نفسه مكانةً فوق النقد، ويطلب من الآخرين طاعةً مطلقةً بحجة أنه يتحدث باسم الله.

  وهناك تجارة بالخوف حين تُستخدم المخاوف الدينية لإبقاء الناس في حالةٍ من التهديد الدائم، بحيث يصبحون أكثر استعدادًا للتنازل عن حريتهم أو حقوقهم.

  وهناك تجارة بالهوية حين يُختزل الإنسان في انتمائه الديني، ويُطلب منه أن يكره الآخر أو يخشاه كي يثبت وفاءه لجماعته.

  وهناك تجارة بالمآسي حين تُستثمر آلام الضحايا لإثارة الكراهية، أو تحقيق مكاسب سياسية، أو تبرير الانتقام، بدلًا من العمل على وقف الظلم وحماية الأبرياء.

  وهناك تجارة بالضمير حين يُطلب من الإنسان أن يصمت عن الخطأ لأن مرتكبه ينتمي إلى جماعته، وأن يضخم خطأ الآخر لأنه ينتمي إلى جماعة مختلفة.

  وفي جميع هذه الصور، يصبح الدين غطاءً لمصلحة بشرية، ويُدفع الإنسان إلى التخلي عن استقلال ضميره، وكأن الولاء للجماعة يقتضي تعليق القدرة على التمييز بين الحق والباطل.

  والمشكلة هنا ليست في الإيمان نفسه، بل في تحويل الإيمان إلى وسيلة للسيطرة على المؤمنين، وفي استغلال حاجتهم إلى المعنى والأمان والانتماء.

  إنَّ الدين الذي يُستخدم لإخافة الإنسان كي يطيع، أو لإفقاره كي يظل تابعًا، أو لإهانة المختلف كي يشعر المنتمي بالتفوق، يكون قد استُخدم في اتجاه يناقض رسالته الأخلاقية.

  ليس أخطر ما في التجارة بالدين أن يُؤخذ من الناس مالهم فحسب، بل أن يُؤخذ منهم ضميرهم، وأن تُصادر قدرتهم على التفكير، وأن يُقنعوا بأنَّ طاعة المصالح البشرية هي عين الطاعة لله.

خامسًا: أخطر أنواع التعصب أن يظن الإنسان أنه يدافع عن الله حين يظلم الإنسان
  قد يتصور الإنسان أنَّ دفاعه عن الدين يقتضي أن ينتصر لجماعته في كل الظروف، وأن يبرر أخطاءها، وأن يهاجم كل من ينتقدها، وأن يعتبر الاعتراف بالخطأ ضعفًا أو خيانة.

  لكنَّ الدفاع عن الحق لا يعني الدفاع عن كل شخصٍ ينتمي إلى جماعتنا، كما أنَّ نقد خطأٍ ارتكبه أحد المنتمين إلى ديننا لا يعني بالضرورة العداء لذلك الدين.

  إنَّ الإنسان الذي يجعل انتماءه الديني معيارًا وحيدًا للحكم على الآخرين قد يقع في تناقض عميق: يتحدث عن الحق، لكنه يرفض الحقيقة عندما تكشف خطأ جماعته؛ ويتحدث عن الرحمة، لكنه يحرم منها المختلف؛ ويتحدث عن التواضع، لكنه يتعامل مع انتمائه باعتباره دليلًا على التفوق.

  وهكذا يصبح الدين وسيلةً لتقسيم العالم إلى «نحن» الذين نمتلك الحق كاملًا، و«هم» الذين لا يستحقون الإنصاف.
  لكن الحقيقة الأخلاقية لا تتغير بحسب هوية الفاعل. فالظلم لا يصبح عدلًا لأنَّ مرتكبه من جماعتنا، والكذب لا يصبح صدقًا لأنَّه يخدم قضيتنا، والاعتداء لا يتحول إلى فضيلة لأننا منحناه اسمًا مقدسًا.

  إذا كنا نرفض الظلم حين يقع علينا، فعلينا أن نرفضه حين نمارسه على غيرنا. وإذا كنا نطالب الآخرين باحترام مقدساتنا، فعلينا ألّا نهين كرامتهم الإنسانية أو نستخف بما يؤمنون به.

  وهذا لا يقتضي أن نتخلى عن عقائدنا، أو أن نعتبر جميع الأفكار متساوية في الحقيقة، بل أن نميز بين الاختلاف العقائدي المشروع وبين الاعتداء على الإنسان بسبب اختلافه.

  فمن حق الإنسان أن يؤمن بعقيدته، وأن يناقش غيره، وأن يدافع عن قناعاته، لكن ليس من حقه أن يحوّل يقينه الشخصي إلى مبررٍ للإهانة أو الإقصاء أو سلب الحقوق.

  إنَّ الإيمان الناضج لا يخاف من الحقيقة، ولا يحتاج إلى الكراهية كي يحافظ على هويته، ولا يرى في احترام المختلف تهديدًا لوجوده.

سادسًا: الإنسان ليس أداةً في صراع الأديان والحضارات
  حين تتصارع المصالح السياسية، كثيرًا ما يُستدعى الدين ليمنح النزاع معنىً يتجاوز حدوده الواقعية. فيصبح الخلاف على الأرض أو الموارد أو النفوذ وكأنه معركةٌ مطلقة بين الخير والشر، ويُطلب من الناس أن يصطفوا دون مساءلة، لأنَّ الطرف الآخر صُوِّر لهم باعتباره عدوًّا للإيمان أو للهوية.

وهنا يدفع الإنسان البسيط الثمن الأكبر.
  يدفعه من أمنه، ومن بيته، ومن مستقبل أبنائه، ومن حقه في الحياة. وقد يجد نفسه متهمًا بسبب دينه، أو جنسيته، أو لغته، أو انتمائه القومي، مع أنه لم يشارك في صنع القرارات التي قادته إلى الخوف أو النزوح أو الفقد.

  ومن الظلم أن يُحمَّل إنسانٌ مسؤولية أفعال حكومةٍ لم يختر سياساتها، أو جماعةٍ لا ينتمي إليها، أو أشخاصٍ يشاركونه الدين أو الهوية دون أن يشاركهم أفعالهم.

  كما أنَّ اختزال الشعوب في حكوماتها، أو الأديان في أكثر ممثليها تطرفًا، يطمس التنوع الإنساني ويغلق أبواب التفاهم.

  ففي الشرق والغرب أناسٌ يرفضون الظلم، ويعملون من أجل السلام، ويخدمون الفقراء، ويدافعون عن كرامة المختلف. وفيهما أيضًا من يستغل الدين أو الهوية لتحقيق أهدافه. ولا يصح أن نلغي هذه الفروق لمجرد رغبتنا في إصدار حكمٍ شامل ومريح.

  إنَّ النقد العادل لا يعفي أحدًا من المسؤولية، لكنه يحددها بدقة؛ فيحاسب الفاعل على فعله، والمؤسسة على قراراتها، والسلطة على سياساتها، بدلًا من تحويل ملايين البشر إلى متهمين بسبب انتماءٍ مشترك.

  لا ينبغي أن يكون الإنسان وقودًا لصراعٍ يُرفع فيه اسم الله، بينما تُنتهك باسمه حقوق الإنسان الذي خلقه الله ووهبه الكرامة.

  وحين ننسى هذه الحقيقة، تصبح الشعارات أكبر من البشر، وتتحول العقائد إلى حدودٍ تفصل بين القلوب بدلًا من أن تكون مصدرًا للمسؤولية والرجاء والمعنى.

سابعًا: هل نحن أمام أزمة دين أم أزمة ضمير؟
  قد يبدو للوهلة الأولى أنَّ ما نراه من تناقضات سببه الدين، لكنَّ التأمل الأعمق يكشف أنَّ المشكلة كثيرًا ما تكمن في علاقة الإنسان بالدين، وفي الطريقة التي يفهم بها الإيمان ويستخدمه.

  فالدين قد يصبح قوةً تحرر الإنسان من الأنانية، وقد يُستغل لتبريرها. وقد يدفع المؤمن إلى خدمة الفقير، وقد يُستخدم لإقناعه بأنَّ الفقير أقل استحقاقًا. وقد يوقظ الضمير أمام الظلم، وقد يتحول إلى وسيلةٍ لتخدير الضمير عندما يرتكب الظلم شخصٌ من جماعتنا.

  المسألة إذن ليست مجرد وجود الدين أو غيابه، بل نوع العلاقة التي يبنيها الإنسان بين إيمانه ومسؤوليته الأخلاقية.

  هل يساعده إيمانه على مراجعة نفسه، أم يمنحه شعورًا بالتفوق على الآخرين؟ هل يدفعه إلى البحث عن الحقيقة، أم يجعله يرفض كل حقيقةٍ لا توافق مصالحه؟ هل يجعله أكثر تواضعًا أمام أسرار الله، أم أكثر ادعاءً لامتلاك الحقيقة واحتكار تفسيرها؟

  إنَّ أزمة الضمير تبدأ عندما يتوقف الإنسان عن مساءلة نفسه، ويصبح شديد الانشغال بأخطاء الآخرين. وتشتد حين يتعامل مع جماعته باعتبارها فوق النقد، ومع خصومه باعتبارهم خارج دائرة الرحمة.

  وفي هذه الحالة، لا يعود الدين دعوةً إلى التحول الداخلي، بل يصبح بطاقة هوية يستخدمها الإنسان ليطمئن إلى تفوقه، دون أن يواجه ما يحتاج إلى تغييره في ذاته.

  ومن هنا تأتي ضرورة النقد الذاتي داخل كل جماعة دينية، وضرورة أن يمتلك المؤمن شجاعة الاعتراف بالأخطاء التي تُرتكب باسمه، لا من أجل تشويه إيمانه، بل من أجل تحريره من الاستغلال.

  ليست قوة الإيمان في أن نجد دائمًا ما يثبت أننا على حق، بل في أن نمتلك الشجاعة لمراجعة أنفسنا حين تكشف الحقيقة أننا أخطأنا.

ثامنًا: ماذا تعني المسيحية إذا انفصلت عن المحبة؟
  من المنظور المسيحي، لا يمكن فصل الإيمان بالمسيح عن الدعوة إلى المحبة والرحمة وخدمة الإنسان. فالمسيح لم يقدّم المحبة باعتبارها زينةً لغوية، بل جعلها معيارًا جوهريًّا لحياة التلميذ.

وفي الإنجيل نقرأ:
"بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي: إذا كان لكم حبٌّ بعضكم لبعض" (يوحنا 13: 35).
  هذه الكلمات تضع المؤمن أمام سؤالٍ لا يستطيع أن يتهرب منه بمجرد ترديد العقائد الصحيحة: ماذا يرى الآخرون في حياتنا؟ هل يرون أثر المحبة، أم يرون تعصبًا وتحقيرًا وإقصاءً؟ هل يجدون في تعاملنا شهادةً للرجاء، أم يجدون سببًا جديدًا للنفور والخوف؟

  لا يعني ذلك أنَّ المحبة تلغي أهمية العقيدة، أو أنَّ الإيمان المسيحي يُختزل في سلوكٍ اجتماعي منفصل عن علاقته بالله. بل يعني أنَّ العقيدة التي نؤمن بها ينبغي أن تنعكس في طريقة عيشنا، وأنَّ الانتماء إلى المسيح لا يُعفي المؤمن من مسؤوليته عن أفعاله، بل يجعله أكثر وعيًا بها.

ويقول الرسول يوحنا: "أيها الأحباء، لنحب بعضنا بعضًا، لأن المحبة هي من الله" (1 يوحنا 4: 7).

  فإذا استخدم إنسانٌ اسم المسيح ليبرر الكراهية، أو ليحتقر الفقير، أو ليصمت عن الظلم الذي يصيب المختلف، فإنه يضع شهادته المسيحية أمام تناقضٍ يحتاج إلى مراجعة وتوبة.

  ولا يجوز أن نُدين كل مسيحي بسبب تصرفات بعض المسيحيين، كما لا يجوز أن نحمّل المسيحية مسؤولية كل قرارٍ تتخذه دولةٌ ذات أغلبية مسيحية. لكن من حقنا، بل من واجبنا الأخلاقي، أن نسأل عن مدى انسجام الأفعال مع القيم التي يعلن أصحابها أنهم يؤمنون بها.

  فالمسيح لا يحتاج إلى أن نستخدم اسمه لتبرير كل ما نفعله؛ بل يحتاج إلى أن نسمح لكلمته بأن تفحص ضمائرنا، وتكشف أنانيتنا، وتدعونا إلى التوبة والإصلاح.

  إنَّ أمانة الشهادة المسيحية لا تظهر في قوة الصوت الذي ندافع به عن هويتنا فقط، بل في تواضعنا، وأمانتنا، واستعدادنا لخدمة من لا يستطيع رد الجميل، وفي قدرتنا على احترام الإنسان حتى عندما نختلف معه.

 تاسعًا: كيف نميّز بين الإيمان الصادق والمتاجرة بالدين؟
  لا نستطيع أن نقرأ القلوب قراءةً كاملة، ولا ينبغي أن ندّعي معرفة نيات الناس من مظهرٍ أو تصريحٍ واحد. لكن يمكننا أن نميّز بين الخطاب الديني والممارسة العملية، وأن نسأل أسئلةً تساعدنا على تقييم السلوك بإنصاف.

هل يقبل من يتحدث باسم الدين أن يُسأل ويُراجع، أم يعتبر كل نقدٍ اعتداءً على المقدس؟
هل يعامل الناس بمقياسٍ واحد، أم يبرر الخطأ إذا صدر عن جماعته ويدينه إذا صدر عن خصومه؟
هل يحفظ كرامة الفقير والمختلف والضعيف، أم يجعل الانتماء والمكانة شرطًا للحصول على الاحترام؟
هل يستخدم النصوص الدينية لتربية الضمير، أم لفرض السيطرة وإسكات الأسئلة؟
هل يقبل الاعتراف بالخطأ وتصحيحه، أم يحاول حماية صورته ولو كان الثمن إلحاق الضرر بالآخرين؟
وهل تقوده قناعاته إلى خدمة الإنسان، أم إلى طلب الامتيازات لنفسه ولجماعته؟

  هذه الأسئلة لا تمنحنا سلطةً للحكم على مصائر الناس أو على إيمانهم الباطني، لكنها تساعدنا على التمييز بين ما يُعلَن وما يُمارَس، وبين الرسالة التي يرفعها الإنسان والسلوك الذي يجسّده.

  ومن المهم أيضًا أن نكون منصفين في نقدنا، فلا ننسب كل خطأ إلى الدين، ولا نتجاهل الظروف السياسية والاقتصادية والتاريخية التي تسهم في صنع الأزمات، ولا نستخدم التعميم بديلًا عن البحث والفهم.


  فالتجارة بالدين ظاهرة تستحق النقد، لكنَّ مواجهتها تحتاج إلى معرفةٍ دقيقة، وضميرٍ يقظ، وشجاعةٍ في مواجهة المصالح، لا إلى إنتاج تعصبٍ جديد باسم مقاومة التعصب.

عاشرًا: لا نحتاج إلى عالمٍ بلا اختلاف، بل إلى عالمٍ بلا استغلال للمقدس
  ليس الحل أن نتظاهر بأنَّ جميع الأديان واحدة، أو أنَّ الاختلافات العقائدية لا قيمة لها، أو أنَّ على المؤمن أن يتخلى عن قناعاته حتى يحترم غيره.

  فالتنوع الديني والفكري حقيقةٌ إنسانية، والاختلاف في المعتقد لا يلغي حق الإنسان في الكرامة والأمان والعدل. ويمكن للناس أن يختلفوا في تصوراتهم عن الله، وفي فهمهم للحقيقة والخلاص، وأن يناقشوا هذه الاختلافات بجدية، دون أن يتحول الحوار إلى احتقارٍ أو تهديدٍ أو إكراه.

  إنَّ احترام الإنسان لا يشترط الاتفاق معه في كل شيء، كما أنَّ الدفاع عن العقيدة لا يقتضي سلب المختلف حقوقه.

  نحتاج إلى مجتمعاتٍ يستطيع فيها المؤمن أن يعيش إيمانه بحرية، ويستطيع المختلف أن يعيش قناعاته دون خوف، ويستطيع الناقد أن يطرح الأسئلة دون أن يُعامل باعتباره عدوًّا، وتستطيع المؤسسات الدينية أن تقوم برسالتها الروحية والأخلاقية دون أن تتحول إلى أدواتٍ لمصالح السلطة أو المال.

  ونحتاج إلى خطابٍ عام يرفض استخدام الدين لإثارة الكراهية، ويحاسب على التحريض والظلم وفق معايير عادلة، ويحمي حرية الاعتقاد والضمير، ويعترف بأنَّ الكرامة الإنسانية ليست مكافأةً تمنحها جماعةٌ لمن يشبهها، بل حقٌّ أصيل لكل إنسان.

  إنَّ السلام لا يعني محو الاختلاف، بل إدارة الاختلاف دون تجريد الآخر من إنسانيته. والعدل لا يعني أن نمنع الناس من الإيمان، بل أن نمنع استغلال الإيمان لتبرير الظلم.

  لسنا مضطرين إلى أن نتشابه في معتقداتنا كي نتفق على أنَّ الظلم ظلم، وأنَّ الكرامة حق، وأنَّ الإنسان لا ينبغي أن يتحول إلى أداةٍ في يد المصالح التي تتخفى وراء المقدسات.

 صلاة:
  يا رب، حرّر إيماننا من المصالح، وقلوبنا من التعصب
  يا الله، يا من يعرف خفايا القلوب، ويمتحن صدق الإنسان لا بكثرة ما يقول، بل بما يعيشه ويمارسه، أنر بصيرتنا، حتى لا نخلط بين الإيمان الحقيقي والمظاهر، ولا بين الحق ومصالحنا الشخصية، ولا بين الدفاع عن المقدسات وتبرير أخطائنا باسمها.

  علّمنا ألّا نستخدم اسمك لتبرير ما لا يرضيك، وألّا نجعل من الدين وسيلةً للسيطرة على الآخرين، أو أداةً لإثارة الخوف والكراهية، أو ستارًا نخفي وراءه أطماعنا ومصالحنا. حرّرنا من إغراء امتلاك الحقيقة لأنفسنا وحدنا، ومن الكبرياء الذي يجعلنا نرى أخطاء الآخرين بوضوح، بينما نعجز عن رؤية أخطائنا.

  يا رب، امنحنا شجاعة الاعتراف بالحق، حتى عندما يكشف تقصيرنا، وقوة الدفاع عن المظلوم، حتى عندما يكون من جماعتنا من يظلمه، وحكمة التمييز بين الإنسان وخطئه، وبين الدين ومن يستغله، وبين الإيمان الصادق والشعارات التي تخدم المصالح.

  لا تسمح لنا أن نُدين شعبًا بأكمله بسبب أخطاء بعض أبنائه، أو أن نحكم على دينٍ من خلال ممارسات مَن أساؤوا استخدام اسمه. علّمنا أن نكون منصفين في نقدنا، صادقين في مواقفنا، رحماء في أحكامنا، وأمناء على كرامة كل إنسان، مهما اختلف عنا في الدين أو الفكر أو الهوية.

  يا رب، انظر إلى عالمٍ تتصارع فيه المصالح، وتُستغل فيه مخاوف الشعوب، ويُدفع فيه الأبرياء ثمن قرارات لم يصنعوها. احمِ المظلومين، وعزِّ المتألمين، واسند الذين فقدوا بيوتهم وأحبتهم وأمانهم، وافتح أمام المتخاصمين طريقًا إلى العدل والسلام. ولا تسمح بأن يتحول اسمك إلى ذريعةٍ لإشعال الحروب، أو أن تُستخدم المقدسات لتبرير إراقة الدماء وإهانة الإنسان.

  امنح المسؤولين ضميرًا حيًّا، ورجال الدين أمانةً وتواضعًا، وأصحاب السلطة حكمةً وعدلًا، وأصحاب المال قلبًا لا يستغل حاجة الفقراء. واجعل كل من يتحدث باسم الدين يشعر بثقل المسؤولية التي يحملها، فيدرك أن الكلمة أمانة، والسلطة مسؤولية، والإنسان ليس وسيلةً لتحقيق مكسبٍ أو نفوذ.

  أيها الرب يسوع المسيح، علّمنا أن نعيش وصية المحبة بصدق، وأن نرى في كل إنسان كرامةً تستحق الاحترام، وأن نتمسك بإيماننا دون تعصب، وأن ندافع عن الحق دون كراهية، وأن نختلف دون أن نجرح، وأن نساعد دون أن نُشعر من نساعده بأنَّه أقل شأنًا.

  طهّر قلوبنا من الرياء، وضمائرنا من ازدواجية المعايير، وأعمالنا من الأنانية، حتى لا نرفع اسمك بألسنتنا بينما ننقض بقسوة أفعالنا ما نعلنه من إيمان.

  واجعلنا شهودًا للحق لا تجارًا به، وخدّامًا للإنسان لا مستغلين لضعفه، وصانعي سلام لا وقودًا للصراعات، وأناسًا يحملون نور المحبة إلى العالم، لا ظلال التعصب والكراهية.

  يا رب، لا تجعلنا نستخدمك لتبرير ما نريد، بل علّمنا أن نراجع ما نريد في نور الحق؛ ولا تجعلنا نتباهى بانتمائنا إليك، بل ساعدنا أن نجعل من حياتنا شهادةً صادقةً للمحبة والرحمة والعدل.
آمين.

الخاتمة:
  الله ليس شعارًا، والدين ليس سلعة، والإنسان ليس وسيلة
  إنَّ العبارة القائلة: "لا الشرق مسلم ولا الغرب مسيحي، الكل يتاجر في الأديان" تحمل صرخةً احتجاجية ضد التناقض بين الشعارات الدينية والممارسات البشرية. لكنها، لكي تكون عادلةً ودقيقة، تحتاج إلى أن نفهمها بوصفها نقدًا للتوظيف النفعي للدين، لا حكمًا شاملًا على شعوب الشرق والغرب، ولا إنكارًا لوجود مؤمنين صادقين في مختلف المجتمعات.

  فالشرق ليس كتلةً واحدة، والغرب ليس كتلةً واحدة، ولا يمكن اختزال ملايين البشر في موقفٍ سياسي أو ممارسةٍ اجتماعية. في كل مكانٍ أناسٌ يعيشون إيمانهم بإخلاص، وأناسٌ يسعون إلى الخير من منطلقاتٍ مختلفة، وأناسٌ يستغلون الدين والهوية والسلطة لتحقيق مصالحهم.

  وإذا أردنا أن نكون منصفين، فعلينا أن نرفض التجارة بالدين حيثما ظهرت، وأن ننتقد الاستغلال دون أن نظلم الأبرياء، وأن نواجه التعصب دون أن نصنع تعصبًا مضادًّا، وأن نميز بين المقدس ومن يتحدثون باسمه.

  إنَّ الخطر الحقيقي يبدأ عندما يصبح الدين وسيلةً لتحقيق ما نريده، بدلًا من أن يكون الإيمان دافعًا لمراجعة ما نفعله؛ وعندما نطالب الآخرين بالرحمة بينما نبرر القسوة، وبالصدق بينما نتسامح مع الكذب، وبالعدل بينما نبحث عن استثناءاتٍ لأنفسنا ولجماعتنا.

  فلا يكفي أن نرفع اسم الله فوق رؤوسنا إذا كنا لا نسمح لقيمه أن تنزل إلى أفعالنا. ولا يكفي أن نتحدث عن المحبة إذا كانت قلوبنا لا تتسع إلا لمن يشبهوننا. ولا يكفي أن ندافع عن المقدسات إذا كنا نهدر كرامة الإنسان الذي نعلن أنَّ الله خلقه.

  إنَّ السؤال الذي ينبغي أن يواجه الشرق والغرب، والمؤمن وغير المؤمن، ليس فقط: إلى أي دين ننتمي؟ بل أيضًا: ماذا فعل هذا الانتماء في ضمائرنا، وفي عدالتنا، وفي احترامنا للإنسان؟

  فالدين لا يُكرَّم باستغلاله، ولا تُصان قداسته بتحويله إلى تجارة، ولا تُثبت أمانة الإيمان بكثرة الشعارات، بل بصدق الممارسة، وبالاستعداد لمحاسبة الذات، وبالقدرة على رفض الظلم حتى عندما يصدر عن أقرب الناس إلينا.

  وحين يصبح اسم الله وسيلةً لتبرير المصلحة، علينا أن نتوقف ونسأل: هل ندافع عن الله حقًّا، أم ندافع عن أنفسنا ومكاسبنا مستخدمين اسمه؟

  وحين يصبح الإنسان ضحيةً لصراعٍ ديني أو سياسي، علينا أن نتذكر أنَّ أي خطابٍ يفقد القدرة على رؤية آلامه وكرامته قد فقد شيئًا أساسيًّا من إنسانيته، مهما بدا قويًّا أو مقدسًا.

  لا نحتاج إلى أن نُكثر الحديث عن الله بقدر ما نحتاج إلى أن نكون صادقين فيما نقوله عنه؛ ولا نحتاج إلى أن نرفع رايات الأديان أعلى، بل إلى ألّا نستخدمها ستارًا نخفي خلفه ظلم الإنسان.

  فالله ليس ملكيةً خاصةً لأحد، والدين ليس سلعةً في سوق المصالح، والإيمان ليس حصانةً من النقد، والإنسان ليس وسيلةً لتحقيق أهدافٍ تُغلَّف بكلماتٍ مقدسة.

  وحين نعيد الدين إلى مكانه بوصفه مسؤوليةً أخلاقية وروحية، ونرفض استغلاله لتبرير الظلم، ونمنح الإنسان حقه في الكرامة والعدل والحرية، يمكننا أن نختلف في العقائد دون أن نتاجر بها، وأن نتمسك بإيماننا دون أن نحتقر الآخرين، وأن ندافع عن مقدساتنا دون أن ندنس كرامة الإنسان.

  فالمشكلة ليست في أن يرفع الإنسان اسم الله، بل في أن يرفع اسمه بلسانه، ثم ينقض بقلبه وأفعاله ما يعلنه من إيمان.
الأب أغسطينوس؛
بالميلاد:
ميلاد سامي ميخائيل بطرس طوس...