الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
في ٣١ أكتوبر ١٥١٧، أطلق مارتن لوثر حركة الإصلاح التي غيّرت تاريخ المسيحيّة الغربيّة، وأفضت إلى انقساماتٍ لم تزل آثارها حاضرةً حتى اليوم. لكنّ العلاقات الكاثوليكيّة–اللوثريّة شهدت خلال العقود الأخيرة تحوّلاتٍ لاهوتيّةً عميقةً تستحقّ أن نتذكّرها في هذه المناسبة.

في عام ١٩٩٩، وقّعت الكنيسة الكاثوليكيّة والاتّحاد اللوثريّ العالميّ «الإعلان المشترك حول عقيدة التبرير»، إحدى أبرز القضايا التي كانت موضع خلافٍ في القرن السادس عشر. وفي ديسمبر ٢٠١١، اقترح الكاردينال كورت كوخ، رئيس المجلس الحبريّ لتعزيز وحدة المسيحيّين آنذاك، إعداد إعلانٍ جديدٍ حول "الكنيسة والخدمة الكهنوتيّة والإفخارستيّا"، يجمع ما توصّلت إليه الحوارات اللاهوتيّة من اتّفاقات.

وجاءت استجابةٌ مهمّة من الولايات المتّحدة الأمريكيّة، حيث تعاون لاهوتيّون كاثوليك ولوثريّون، بدعمٍ من مجلس الأساقفة الكاثوليك الأمريكيّين والكنيسة الإنجيليّة اللوثريّة في أمريكا، وأصدروا في ٣٠ أكتوبر ٢٠١٥ وثيقةً بعنوان «إعلان على طريق الوحدة: الكنيسة والخدمة الكهنوتيّة والإفخارستيّا». جمعت الوثيقة ثمار عقودٍ من الحوار اللاهوتيّ، وحدّدت ٣٢ نقطة اتّفاقٍ، إلى جانب ١٥ موضوعًا لم تزل تحتاج إلى مزيدٍ من الدراسة والحوار. ومن أبرز ما توصّلت إليه:

١. الكنيسة: يتّفق الكاثوليك واللوثريّون على أنّ الكنيسة هي شعب الله، وجسد المسيح، وهيكل الروح القدس، وأنّ المسيح هو أساسها.

٢. كهنوت المؤمنين: يتّفق الطرفان على أنّ جميع المعمّدين يشتركون في كهنوت المسيح، وأنّ الكهنوت المشترك والخدمة الكهنوتيّة المرسومة يتكاملان.

٣. ذبيحة الإفخارستيّا: يتّفق الطرفان على أنّ الاحتفال الإفخارستيّ هو تذكار موت المسيح وقيامته، وفيه يحضر المسيح الذي بذل ذاته من أجلنا، وتقدّم الكنيسة ذبيحة التسبيح والشكر.

٤. حضور المسيح الحقيقيّ: يتّفق الطرفان على أنّ المسيح نفسه حاضرٌ في الإفخارستيّا حضورًا حقيقيًّا وجوهريًّا وشخصيًّا، بكامل شخصه الإلهيّ والإنسانيّ.

٥. الرجاء الإسكاتولوجيّ: يتّفق الطرفان على أنّ الاشتراك في جسد المسيح ودمه هو عربون الحياة الأبديّة والقيامة وتحوّل العالم.

٦. وحدة الكنيسة: يتّفق الطرفان على أنّ الإفخارستيّا علامةٌ أساسيّةٌ لوحدة الكنيسة، تعبّر عنها وتساهم في بنائها وتعزيزها.

وفي ٣١ أكتوبر ٢٠١٦، اجتمع البابا فرنسيس والقادة اللوثريّون في مدينة لوند السويديّة للصلاة معًا، استعدادًا للذكرى الخمسمائة للإصلاح. لقد صلّوا معًا، لكنّهم لم يحتفلوا بالإفخارستيّا معًا، إذ لم تزل الخلافات حول الكنيسة والخدمة الكهنوتيّة والشركة الكنسيّة تحول دون تحقيق الوحدة الإفخارستيّة الكاملة.

لقد قطعنا طريقًا طويلًا من الإدانات المتبادلة إلى الاعتراف بما يجمعنا من إيمان، لكنّنا لم نصل بعد إلى الشركة الكاملة حول مائدة الربّ.

واليوم، بعد ٥٠٩ أعوام، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل ضمير كلّ مسيحيّ:
كيف نقبل أن يجمعنا المسيح في معموديّةٍ واحدةٍ، وأن نعترف معًا بحضوره الحقيقيّ في الإفخارستيّا، ولم تزل انقساماتنا تمنعنا من المشاركة الكاملة في مائدته الواحدة؟

لعلّ أصدق احتفالٍ بذكرى الإصلاح هو أن نواصل إصلاح ما أفسدته قرون الانقسام، حتى يأتي اليوم الذي نستطيع فيه أن نكسر الخبز معًا، ونعلن أمام العالم وحدتنا في المسيح.

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ