القمص يوحنا نصيف
يبدأ القدّيس لوقا في وصفه لأحداث القيامة، فيقول: "ثُمَّ فِي أَوَّلِ الْأُسْبُوعِ، أَوَّلَ الْفَجْرِ، أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ حَامِلَاتٍ الْحَنُوطَ الَّذِي أَعْدَدْنَهُ، وَمَعَهُنَّ أُنَاسٌ. فَوَجَدْنَ الْحَجَرَ مُدَحْرَجًا عَنِ الْقَبْرِ، فَدَخَلْنَ وَلَمْ يَجِدْنَ جَسَدَ الرَّبِّ يَسُوعَ. وَفِيمَا هُنَّ مُحْتَارَاتٌ فِي ذَلِكَ، إِذَا رَجُلَانِ وَقَفَا بِهِنَّ بِثِيَابٍ بَرَّاقَةٍ. وَإِذْ كُنَّ خَائِفَاتٍ وَمُنَكِّسَاتٍ وُجُوهَهُنَّ إِلَى الْأَرْضِ، قَالَا لَهُنَّ: لِمَاذَا تَطْلُبْنَ الْحَيَّ بَيْنَ الْأَمْوَاتِ؟ لَيْسَ هُوَ هَهُنَا، لَكِنَّهُ قَامَ! اُذْكُرْنَ كَيْفَ كَلَّمَكُنَّ وَهُوَ بَعْدُ فِي الْجَلِيلِ قَائِلًا: إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسَلَّمَ ابْنُ الْإِنْسَانِ فِي أَيْدِي أُنَاسٍ خُطَاةٍ، وَيُصْلَبَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ. فَتَذَكَّرْنَ كَلَامَهُ، وَرَجَعْنَ مِنَ الْقَبْرِ، وَأَخْبَرْنَ الْأَحَدَ عَشَرَ وَجَمِيعَ الْبَاقِينَ بِهَذَا كُلِّهِ" (لو24: 1-9). ويُعلِّق القدّيس كيرلّس على هذه الأحداث بكلمات جميلة، اخترت في هذا المقال بعض المقتطفات منها:
+ النسوة.. لأجل حبّهنّ للمسيح، ولأجل غيرتهنّ الحارّة له، فقد حُسِبنَ مستحقّات أن يرَينَ الملاكَين المقدّسين، اللذين أخبراهنّ بالأخبار السارّة!
+ إنّ كلمة الله حيٌّ إلى الأبد، وبحسب طبيعته هو الحياة ذاتها، ولكنّه عندما أخلى ذاته، ووضع نفسه ليصير مثلنا، فإنّه ذاق الموت، ولكنّه بَرْهَنَ على موت الموت، لأنّه قام من الموت ليصير هو الطريق الذي به -ليس هو فقط بل نحن أيضًا- نعود إلى عدم الفساد.
+ ليت لا أحد يبحث عن هذا الحيّ -إلى الأبد- بين الأموات، لأنّه هو ليس هنا بين الأموات، وهو ليس في القبر، ولكن أين يوجَد بالأحرى؟ ببساطة ووضوح هو في السماء، في مجد الله.
+ إنّ الملائكة هم الذين أتوا بالأنباء السارّة للميلاد إلى الرعاة في بيت لحم، والآن أيضًا هم الذين يُبَلِّغون أخبار القيامة. السماء تُقَدِّم خدمتها لتشهَد له، والأجناد الروحانيّة العلويّة تعبد الابن كإله، حتّى بعد أن صار جسدًا.
+ (النسوة) بعد أن تعلّمن السرّ من صوت الملائكة، فإنّهنّ أسرعن ليبلّغن التلاميذ بهذه الأمور. كان لائقًا جدًّا أنّ هذه النعمة (نعمة التبشير بالقيامة)، رغم أنّها عظيمة جدًّا أن تُخَوَّل للنساء، إذ أنّ المرأة التي خَدَمَت الموت في القديم قد أُعتِقَت الآن من ذنبها، بالخِدمة التي وصلَتها بصوت الملائكة القدّيسين.
+ بخصوص الاثنين اللذين كانا منطلقَين إلى قرية عمواس (لو24: 13-33)، فقد كانا يتكلّمان مع بعضهما بشأن المسيح، وهما يعتبرانه أنّه لم يَعُد بعد على قيد الحياة، بل كانا ينوحان عليه كميّت.. يجب عليكم أيضًا أن تَعلَموا أنّ هذين الاثنين هما من عِداد السبعين تلميذًا، وكان سمعان -وهو غير بطرس- هو رفيق كليوباس، كما أنّه ليس من قانا، ولكنّه واحد من السبعين (أيضًا أوريجينوس يَذكُر نفس الاسم كرفيق لكليوباس في شرحه لإنجيل يوحنّا، ويبدو أنّ هذا كان تقليدًا معروفًا في الكنيسة الأولى).
+ لقد بَيَّن الربّ من خلال هذا الحديث (مع تلميذيّ عمواس) أنّ الناموس كان ضروريًّا ليمهِّد الطريق، وأيضًا خدمة الأنبياء كانت لازمة لتُعِدّ البشر للإيمان بهذا العمل الفائق.. لذلك فإنّ يسوع قد مهّد الطريق لهما من خلال كتابات موسى والأنبياء، وهو يشرح لهما معانيها الخفيّة. هكذا يوطِّد في داخلهم الإيمان القديم والمتوارَث، الذي تعلّموه من الكتب المقدّسة التي كانت في حوزتهم؛ لأنّه لا شيء يأتي من عند الله بلا منفعة، بل الكلّ له الموضع والخدمة المُحَدَّدة.
+ فالخُدّام يُرسَلون مُسبَقًا إلى مكانهم الواجب ليُعِدّوا لحضور السيّد، بأن يُقَدِّموا من قَبْل نبوّاتٍ كإعداد ضروري مُسبَق للإيمان؛ تمامًا مثل كنز مَلَكِيّ قد سبق التنبّؤ عنه، فإنّه يجب في الأوان المناسب أن يُؤتَى به من مخبئه السابق المُحاط بالغموض، بأن يُماط عنه اللثام، ويُصبِح ظاهِرًا جلِيًّا من خلال وضوح التفسير.
+ هكذا فإنّ الربّ بعد أن حَرَّك عقليهما عن طريق كتابات الناموس والأنبياء، فإنّه بعد ذلك بوضوحٍ أكثر وضَعَ نفسه أمامهما عندما قبل رجاءهما بأن يذهب معهما إلى القريّة. إذ أنّه أخذ خبزًا وباركه وقسمه بينهما، لأنّه مكتوب "أُمسِكَت أعينهما عن معرفته"، إلى أن دخلَت الكلمة داخلهما، وحرّكت قلبيهما للإيمان. وبعد ذلك صَيَّرَت ما سبق أن سمعاه وآمَنا به مرئيًّا، لأنّه منحهما الرؤية في أوانها بعد السماع.
+ يقول الكتاب: "ثمّ اختفى عنهما"، لأنّ علاقة الربّ بالناس بعد القيامة لا تستمرّ كما كانت من قبل (القيامة)، لأنّهم هم يحتاجون إلى تجديد وحياة ثانية في المسيح، حتّى يلتحِم الجديد بالجديد!
[عن تفسير إنجيل لوقا للقدّيس كيرلّس السكندري (عظة 154) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد]
القمص يوحنا نصيف





