بقلم: أيمن فايز عطية
في السينما، ليست معرفة القاتل دائمًا نهاية الغموض. أحيانًا يكشف المخرج هويته منذ المشهد الأول، ومع ذلك يظل المشاهد أسير الحكاية حتى نهايتها. وفي أفلام أخرى، تتوزع الشكوك بين الشخصيات، قبل أن نكتشف أن الفاعل كان أقرب الناس إلى الضحية، وأننا رأيناه طوال الوقت دون أن نشك فيه.

لكن المأساة الأشد تعقيدًا هي تلك التي نعرف فيها الفاعل، ونعرف الضحية، ونعرف ما سيحدث، ومع ذلك لا نستطيع أن نفهم تمامًا كيف وصل الاثنان إلى تلك اللحظة. فالمشكلة لم تعد في اكتشاف الجريمة، بل في اكتشاف الإنسان الذي ارتكبها.

وفي تاريخ الفن المسيحي، هناك مشهد بالغ البساطة في تكوينه، لكنه شديد التعقيد في معناه: وجهان متقاربان، وحركة مألوفة بين البشر، وجماعة تنتظر إشارة. لا يبدو في الحركة نفسها ما يستدعي الخوف، لكن ما سيحدث بعدها يجعلنا نعيد النظر في كل تفصيل سبقها.

إنها قُبلة يَهوذا.
ولكن لماذا احتاجت الخيانة إلى قُبلة؟
يروي الإنجيلي مَتّى (26: 47–50) أن يَهوذا اتفق مع الذين جاءوا للقبض على المَسيح على علامة يتعرفون بها إليه: «هُوَ ذاكَ الَّذي أُقَبِّلُه، فَأَمْسِكُوهُ». ثم تقدم إلى يَسوع قائلًا: «السَّلامُ عَلَيْكَ، رَابِّي»، وقبّله.

ويؤكد مَرقُس (14: 44–45) الاتفاق نفسه، بينما يقدم لوقا (22: 47–48) تفصيلًا مختلفًا؛ إذ يذكر اقتراب يَهوذا ليقبّل المَسيح، ثم سؤال يَسوع: «يَا يَهُوذَا، أَبِقُبْلَةٍ تُسْلِمُ ابْنَ الْإِنْسَانِ؟»، دون أن يصرّح بإتمام القُبلة.

أما يُوحنّا (18: 1–11)، فلا يذكر القُبلة أصلًا، بل يجعل المَسيح يتقدم بنفسه إلى القادمين للقبض عليه، ويسألهم عمّن يطلبون، ثم يعلن هويته.

هذا الاختلاف لا يعني بالضرورة تناقض الروايات، لكنه يكشف اختلاف البناء السردي. ففي مَتّى ومَرقُس تصبح القُبلة علامة للتعرف على المَسيح، بينما لا يحتاج المشهد عند يُوحنّا إلى هذه العلامة، لأن المَسيح هو الذي يكشف عن نفسه.

وقد تبدو القُبلة وسيلة عملية لتحديد الشخص المطلوب، خصوصًا في الليل وبين جماعة من الرجال. لكن النص لا يقدم تفسيرًا صريحًا لجميع دوافع اختيارها، وما يجعلها استثنائية هو معناها الاجتماعي: لقد اختار يَهوذا علامة ترتبط عادة بالمودة والتحية والتكريم.

ولم تكن هذه المفارقة غريبة عن الكتاب المقدس.

ففي سفر صموئيل الثاني (20: 9–10)، يقترب يُوآب من عَماسا، ويمسك بلحيته كمن يريد تقبيله، بينما يحمل السلاح الذي سيقتله به. ولا يؤكد النص أن القُبلة تمت، لكنه يصور حركة المودة بوصفها تمهيدًا للقتل.

وفي سفر الأمثال (27: 6)، نجد مقابلة بين جروح المحب الأمينة وقُبلات العدو المخادعة.

لا نستطيع إثبات أن رواية يَهوذا اقتبست مباشرة من هذين النصين، لكنهما يكشفان أن الثقافة الكتابية كانت تعرف جيدًا المفارقة بين المظهر الودود والقصد العدائي.

أما اللغة اليونانية فتضيف بعدًا آخر.
يستخدم مَتّى ومَرقُس الفعل καταφιλέω (kataphiléō) لوصف تقبيل يَهوذا للمَسيح، وهو فعل قد يدل، بحسب السياق، على التقبيل بحرارة أو بإلحاح.

واللافت أن لوقا يستخدم الفعل نفسه في مثل الابن الضال (15: 20)، عندما يركض الأب نحو ابنه العائد ويعانقه ويقبّله.

الفعل واحد، لكن المعنى الأخلاقي مختلف تمامًا: هناك قُبلة استقبال ومصالحة، وهنا قُبلة تُستخدم علامة للتسليم.

وهذه ليست مجرد مفارقة لغوية؛ إنها تضعنا أمام حقيقة إنسانية: الحركة لا تكشف وحدها صدق صاحبها، فقد يتشابه التعبير وتتناقض النوايا.

وهنا تبدأ مشكلة الفنان.

فالنص يستطيع أن يخبرنا بأن يَهوذا اتفق مسبقًا على تسليم المَسيح، أما الصورة فلا تستطيع أن تنقل الاتفاق السابق بالطريقة نفسها. لذلك كان على الفنان أن يجعل المشاهد يرى الخيانة داخل حركة تبدو، في ظاهرها، تعبيرًا عن المودة.

وقد ظهرت مشاهد تسليم المَسيح في النحت الجنائزي المسيحي خلال القرن الرابع، ضمن بعض البرامج المصورة لآلامه. ثم نجد في فسيفساء بازيليكا سانت أبوليناري نوفو (Basilica di Sant’Apollinare Nuovo) في رافينّا (Ravenna)، من أوائل القرن السادس، تصويرًا للقبض على المَسيح ضمن دورة واسعة من حياته وآلامه.

وفي هذه الأعمال المبكرة، لا يقوم التعبير بالضرورة على الانفعال النفسي الذي سنجده لاحقًا في الفن الإيطالي، بل على تنظيم الشخصيات والإيماءات داخل بناء سردي واضح.

ومع تطور تصوير الآلام، أصبح المشهد يجمع أحيانًا أحداثًا متتابعة في تكوين واحد: اقتراب يَهوذا، والجنود الذين يحملون الأسلحة والمشاعل، وبُطرُس الذي يضرب خادم رئيس الكهنة.

لكن أحد أكثر الأعمال قدرة على تحويل الحدث إلى مواجهة إنسانية هو تصوير جُوتّو دي بوندوني (Giotto di Bondone) في كنيسة سكروڤيني (Cappella degli Scrovegni) بمدينة بادوفا (Padova)، نحو 1304–1306.

هناك، وسط ازدحام الرماح والمشاعل والوجوه، يلتف رداء يَهوذا الأصفر حول المَسيح. لا يكتفي الفنان بإظهار رجل يقترب من آخر؛ بل يجعل الرداء نفسه يحيط بجسد المَسيح، حتى يبدو القرب أشبه بحصار.
ومع ذلك، لا تستقر عين المشاهد على الجنود أو الأسلحة، بل على الوجهين المتقابلين.


هنا تتجلى براعة جُوتّو في بناء المشهد؛ فبينما يحتل الرداء الأصفر مساحة واسعة من التكوين، تبقى النظرتان مركز المواجهة. يقترب يَهوذا بجسده، لكن عين المشاهد لا تتوقف عند الحركة وحدها، بل تنتقل إلى العلاقة بين الشخصين.

ولم يعد اللون مجرد صفة للرداء، بل أصبح وسيلة لتنظيم الرؤية. فالكتلة الصفراء تجمع الجسدين داخل مساحة واحدة، بينما تظل ملامح الوجهين واضحة في قلب الازدحام.

وإذا كان الأصفر قد ارتبط في بعض التقاليد الأوروبية بالخيانة والصفات السلبية، فلا يجوز تحويل هذه الدلالة إلى قانون عام في تاريخ الفن المسيحي. فقيمة اللون تتحدد أيضًا بعلاقته بالتكوين وبالتقليد الفني الذي يستخدمه.

لم يحتج يَهوذا إلى أن يتخفّى في هيئة عدو، بل اقترب في هيئة تلميذ. ولم تكن العلامة التي اختارها تهديدًا أو سلاحًا، بل حركة اعتاد الناس أن يقرؤوها بوصفها تعبيرًا عن المودة.

فالخيانة هنا لم تتنكر في ثياب العداوة، بل استعارت ملامح المحبة.
لكن الفنان، مهما بلغت قدرته، يواجه حدًا لا يستطيع تجاوزه بسهولة.

يمكنه أن يرسم القُبلة، لكنه لا يستطيع أن يرسم السنوات التي سبقتها داخل لحظة واحدة.

لم يكن يَهوذا غريبًا عن المَسيح، ولا واحدًا من خصومه الذين وقفوا خارج جماعة التلاميذ. لقد كان واحدًا من الاثني عشر الذين اختارهم يَسوع، ورافقوه وسمعوا تعليمه وعاشوا معه.

وهنا تتغير طبيعة المأساة.

فلو جاء التسليم من عدو معروف، لأمكن فهمه في إطار الخصومة. أما أن يأتي من تلميذ، فإن العلاقة نفسها تصبح جزءًا من الحدث.

لقد عاش يَهوذا داخل الجماعة التي عاش فيها بُطرُس ويُوحنّا وسائر التلاميذ. اشترك معهم في الدعوة والحياة اليومية وخبرة المعلم، لكنه لم يصل معهم إلى النهاية نفسها.

ولا يعني هذا أن جميع التلاميذ عاشوا التجربة نفسها في كل تفاصيلها، لكنه يكشف أن الاشتراك في التعليم والقرب من المعلم لا يضمن بالضرورة وحدة الاستجابة.

فالمعرفة لا تلغي حرية الإنسان، والقرب من الخير لا يضمن أن يختاره كل من يقترب منه.

لم يكن القرب من المَسيح هو الذي صنع خيانة يَهوذا، لكنه منح الخيانة صورتها الأكثر إيلامًا: أن تأتي من داخل الثقة نفسها.
غير أن القصة لا تنتهي عند القُبلة.

فبعد القبض على المَسيح، تمضي الأحداث إلى المحاكمة والصلب. ولا يصح اختزال هذه السلسلة المعقدة من القرارات والمسؤوليات في فعل يَهوذا وحده.

أما يَهوذا نفسه، فيعود إلى المشهد في إنجيل مَتّى (27: 3–5)، بعد أن يرى أن المَسيح قد حُكم عليه.

وهنا نواجه تفصيلًا كثيرًا ما تغفله الذاكرة الشعبية: يَهوذا ندم.

لم يكتفِ مَتّى بذكر أنه أعاد الثلاثين من الفضة، بل ينقل اعترافه: «خَطِئْتُ إِذْ أَسْلَمْتُ دَمًا بَرِيئًا».

إنه اعتراف يغيّر الصورة المبسطة التي تختزل يَهوذا في رجل قبض الثمن ثم اختفى. لقد أدرك فداحة ما فعل، وحاول إعادة المال، لكن إعادة الثمن لم تكن قادرة على إلغاء الفعل.

والأشد قسوة أن الذين دفعوا له المال لم يشاركوه عبء الندم. فقد أجابوه: «مَا لَنَا وَلِهَذَا الْأَمْرِ؟ أَنْتَ وَشَأْنُكَ فِيهِ».

في هذه الجملة القصيرة تنكشف علاقة أخرى، لم تكن قائمة على المحبة أو الوفاء، بل على المنفعة. احتاجوا إليه حتى أنجز ما أرادوه، ثم تركوه يواجه نتائج فعله وحده.

ويمضي مَتّى ليذكر أن يَهوذا خرج وشنق نفسه.

أما سفر أعمال الرسل (1: 18)، فيقدم وصفًا آخر لنهايته، إذ يذكر سقوطه منكّسًا وانشقاق جسده، ثم يضيف: «وَانْدَلَقَتْ أَمْعَاؤُهُ كُلُّهَا».

ويستخدم النص اليوناني لفظة σπλάγχνα (splánchna) التي تشير إلى الأحشاء الداخلية.
ولا ينبغي إخفاء اختلاف الروايتين؛ فمَتّى يذكر الشنق، بينما يصف سفر الأعمال السقوط وانشقاق الجسد، دون أن يروي الشنق نفسه.

وقد جمع بعض فناني العصور الوسطى الروايتين في صورة واحدة، فرسموا يَهوذا مشنوقًا وبطنه مفتوحًا وأحشاءه متدلية. ومن شواهد ذلك مخطوط فرنسي من أوائل القرن الخامس عشر، محفوظ بمكتبة معهد فرنسا (Bibliothèque de l’Institut de France)، برقم MS 547، الورقة 15، يصوّر يَهوذا معلّقًا إلى شجرة وبطنه مفتوحًا.

وهنا لم يكتفِ الفنان بتصوير موته، بل جعل جسده يحمل صورة العاقبة، جامعًا بين نصين لا يقدمان تفاصيل النهاية بالطريقة نفسها.

لكن المأساة لا تكتمل إلا عندما نضع إلى جواره تلميذًا آخر.
بُطرُس.

ففي الساعات نفسها التي سلّم فيها يَهوذا المَسيح، كان بُطرُس ينكر معرفته به ثلاث مرات.

أحدهما سلّمه إلى خصومه، والآخر تبرأ من علاقته به أمام الآخرين.

ولم يكن بُطرُس تلميذًا عابرًا؛ فقد أعلن قبل ذلك استعداده للموت مع المَسيح، لكنه لم يصمد أمام الخوف.
ثم يخبرنا الإنجيل أنه خرج وبكى بكاءً مرًّا.

أما يَهوذا فقد ندم، وأعاد المال، واعترف ببراءة من أسلمه، ثم انتهى إلى الموت.

لا يصح أن نمحو الاختلاف بين التسليم والإنكار، أو أن نجعل دوافع التلميذين وظروفهما متطابقة. لكن المقارنة تكشف أن كليهما أخفق، وأن الألم بعد الخطأ لم يكن غائبًا عن أي منهما.

ومع ذلك، افترق الطريقان.

ففي إنجيل يُوحنّا (21: 15–19)، نقرأ لقاء المَسيح القائم ببُطرُس وتجديد تكليفه. أما رواية يَهوذا في مَتّى، فتنتهي بالموت، دون مشهد عودة مماثل.

وهنا يبرز سؤال لا تجيب عنه المقارنة بسهولة: لماذا لم تكن الخطيئة نهاية الحكاية عند بُطرُس، بينما انتهت رواية يَهوذا عند موته؟

وهل تكشف الروايتان اختلافًا في الندم نفسه، أم اختلافًا فيما تتيح النصوص لنا معرفته عن مصير كل منهما؟

فالإنجيل يروي لنا عودة بُطرُس، لكنه لا يقدم مشهدًا مماثلًا ليَهوذا. ولا ينبغي تحويل هذا الصمت السردي وحده إلى معرفة كاملة بما جرى في داخله أو إلى حكم على مصيره الأبدي.

وهنا يتجاوز السؤال حدود القُبلة والخيانة، ليصبح سؤالًا عن الإنسان نفسه.

كيف يمكن أن يشترك أناس في خبرة واحدة، ثم تختلف استجاباتهم لها إلى هذا الحد؟

وهل يكفي أن يعرف الإنسان الخير لكي يختاره؟ وهل يكفي الندم وحده لتغيير ما ترتب على الفعل؟

ثم هناك سؤال آخر، ربما يكون الأكثر إزعاجًا:
هل يستطيع الإنسان الذي يمنح المحبة والثقة أن يضمن ألّا تُستعملا يومًا ضده؟
لا يقدم لنا مشهد يَهوذا هذا الضمان.

فالمَسيح، الذي تصوره الأناجيل معلمًا اختار تلاميذه ورافقهم، لم يكن بمنأى عن الخيانة التي جاءت من داخل جماعتهم.

لكن النص لا يجعل خيانة أحدهم دليلًا على فساد العطاء الذي تلقاه، ولا يجعل الثقة نفسها خطأ.

فالخير الذي يقدمه الإنسان لا يصبح شرًا لأن آخر خانه، كما أن الغدر لا يكتسب مبررًا لمجرد أن صاحبه كان قادرًا عليه.

لقد بدأت الحكاية بعلامة مودة، ثم مضت إلى القبض والمحاكمة والصلب، وانتهت حياة يَهوذا هو أيضًا نهاية مأساوية. غير أن الأناجيل تواصل رواية قصة المَسيح إلى القيامة، بينما تتوقف رواية يَهوذا عند موته.

وعندما نعود إلى جدارية جُوتّو، وننظر من جديد إلى الوجهين المتقابلين، ندرك أن ما يثيرنا فيها ليس معرفة الخائن؛ فقد عرفناه قبل أن نرى اللوحة.
بل إننا ننظر إلى إنسان يقترب من شخص وثق به، مستخدمًا علامة لا تستدعي الخوف في ذاتها.

وربما لهذا ظلت قُبلة يَهوذا أقوى من كثير من مشاهد العنف الصريح في تاريخ الفن.

فالسيف يعلن الخطر قبل أن يصيب، أما القُبلة فلا تكشف معناها إلا عندما نعرف ما وراءها.

ولعل ما يجعل قصة يَهوذا قاسية إلى هذا الحد ليس أننا عرفنا مَن خان المَسيح، بل أننا اكتشفنا أن أقرب الناس إليه كان قادرًا على فعل ذلك.

وإذا كان الفن قد حفظ لنا صورة القُبلة، فإن النصوص تركت لنا ما هو أصعب من الصورة: السؤال عما يحدث للثقة عندما يخونها من مُنحت له.

فكم من مرة نعتقد أننا نعرف الإنسان لأننا عرفنا قربه منا، بينما لا نعرف بعد ما الذي سيفعله بهذا القرب؟
وهل كان أكثر ما يؤلم في قُبلة يَهوذا أنها جاءت من خائن، أم أنها جاءت من تلميذ؟