بقلم: مارينا روماني
حين نسمع عبارة «ناس الشوارع»، يتجه تفكيرنا تلقائيًا إلى أولئك الذين يقفون في الشوارع طلبًا للمساعدة، فنظن أنهم المقصودون بهذه العبارة.
لكن الحقيقة أن هؤلاء ليسوا بالضرورة ناس الشوارع، بل قد يكونون ضحايا قسوة الحياة، وظروف لم يختاروها، وأبواب أُغلقت في وجوههم.
أما ناس الشوارع الحقيقيون، فهم فئة أخرى تمامًا؛ أولئك الذين يجلسون في الطرقات، ويتخذون من أحاديث الناس مادة لتسلية أوقاتهم، ومن سمعة الآخرين ساحةً لتصفية حساباتهم.
يتحدثون عن الغائبين بلا ضمير، ويشوّهون صور من هم أفضل منهم، ويطلقون الكلمات الجارحة والألفاظ التي لا تليق بإنسان يحترم نفسه أو يحترم الآخرين.
هم الذين لا يكتفون بنقل الكلام، بل يُحرّفونه، ولا يكتفون بترديد الأحاديث، بل يضيفون إليها من الكذب والافتراء ما يكفي لإشعال الخلافات وإفساد العلاقات.
ينقلون الكلام بين الناس بوجوه مختلفة، ويزرعون الشك حيث كان هناك اطمئنان، والعداوة حيث كانت هناك مودة، وكأنهم لا يجدون لأنفسهم قيمة إلا بانتقاص قيمة الآخرين.
والأكثر غرابة أنهم يتحدثون بصوت مرتفع عن أخطاء غيرهم، وكأنهم لم يخطئوا يومًا، وينصّبون أنفسهم قضاة على حياة الناس، بينما يغيب عنهم أبسط أنواع المحاسبة: محاسبة النفس.
فليس كل من جلس في الشارع أصبح من ناس الشوارع، وليس كل من افترش الطريق فقد كرامته؛ فهناك من أرهقته الحياة، لكنه ما زال يحتفظ بنقاء قلبه وكرامة نفسه.
وهناك من يجلس في أرقى الأماكن، لكنه يحمل في داخله فقرًا أخلاقيًا لا تعالجه الأموال ولا المظاهر.
فالشوارع لا تصنع أخلاق أصحابها، والأماكن لا تمنح الإنسان قيمته؛ إنما الأخلاق هي التي تكشف حقيقة الإنسان، والضمير هو الذي يحدد مكانته، سواء كان حاضرًا أم غائبًا.
وفي النهاية، ليس العيب أن تكون بلا مأوى، بل العيب أن تكون بلا ضمير، وليس الفقر الحقيقي هو فقر الجيوب، بل فقر الأخلاق والإنسانية.





