أكرم ألفي
المدينة ليست مباني بل طريقة حياة، فهي حالة ذهنية ومجموعة من العادات والتقاليد، هكذا وصف روبرت بارك المدينة في كتابه «المدينة» عام 1925.. بعد 100 عام يمكننا أن نعلن انتصار المدينة في المحروسة على يد جيل زد.
النمط الاجتماعي للمدينة يبدأ بتحول التعليم الجامعي إلى أولوية وليس ترفًا اجتماعيًا، ودخول سوق العمل الرسمي وغير الرسمي البعيد عن النشاط الزراعي الكلاسيكي، وتبني أنماط استهلاكية مغايرة، وصولًا إلى ارتداء ملابس أقرب لتلك المصممة لحركة المدينة السريعة، وتأجيل الزواج والبحث عن سكن خاص لتكوين أسرة، وإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية لصالح المصلحة على حساب العلاقات العائلية. كل ما سبق أصبح واقعًا في أغلب بقاع الريف في مصر، فقد انتصرت المدينة انتصارًا نهائيًا، وتحول مصطلح "ترييف المدينة" الكلاسيكي إلى "شاهد قبر" لعلم اجتماع السبعينيات والثمانينيات.
انتصار المدينة في المحروسة ترجمته واضحة في مشاهدة التحولات الاجتماعية المتسارعة في المناطق الريفية بالوجهين البحري والقبلي، مع إدراك أن سرعة التحولات في الوجه البحري أعلى بكثير من الوجه القبلي، لعدة عوامل ليس موضعها هذا المقال.
وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن نسبة سكان الريف في مصر تبلغ 57.3% من إجمالي السكان في بداية 2026. ويقطن الريف نحو 15 مليون أسرة بنسبة 55.7% من إجمالي الأسر المصرية. ولكن هذه النسب تعكس التقسيم الإداري الكلاسيكي للمحروسة وليس الواقع الاجتماعي المعاش، حيث أرى أن نحو 90% من المصريين، وخاصة من شباب جيل «زد» من كافة الطبقات الاجتماعية، يعيشون بالفعل واقعًا مدينيًا وحضريًا بامتياز.
وهنا يمكن الاقتباس من كتاب "ثروة المدينة" للكاتب الفرنسي هنري لوفيفر، الذي اعتبر أن المجتمع يصبح متحضرًا بالكامل ليس عبر المسار الإحصائي، بل من خلال فحص النمط الاجتماعي، معتبرًا أن كل سكان العالم يعيشون واقعيًا في المدن. ففي مصر، انتصار المدينة لا يعني اختفاء الريف جغرافيًا، ولكن انتصار منطق المدينة الخاص بارتفاع معدل التنافسية والشره الاستهلاكي، وإعادة صياغة علاقات الأسرة والعلاقات الاجتماعية وفقًا لمنطق الحضر الخاص بالأسرة الصغيرة وتراجع الولاءات القبلية والعائلية القديمة.
إن حجم التغيير في العلاقات الاجتماعية في ريف مصر خلال 20 عامًا كان أسرع من تطورات علم الاجتماع لدينا، فقد كان الواقع يركب قطارًا سريعًا بينما النظرية ما زالت تستعمل نفس العربة القديمة، فلم يلاحظ أحد تفكك العائلات الكبرى التي ناقشتها من قبل، أو تسارع معدلات تعليم البنات في الريف، والانتقال المتسارع جدًا نحو الأسرة النووية الصغيرة على حساب العائلة الممتدة، وارتفاع معدلات التوظيف داخل سوق العمل التنافسي، وبالطبع الاستخدام المفرط للتكنولوجيا.
الريف أصبح حضرًا عبر ازدياد القدرة الاستيعابية للتنوع والتفاعل الاجتماعي المكثف، وهو ما ينعكس في نمط العلاقات الاجتماعية في جامعة مثل جامعة الزقازيق، التي تضم كتلة ضخمة من القادمين من ريف الشرقية، والذين شاهدت بنفسي كيف أن العلاقات الاجتماعية بين الشباب والشابات في تلك الجامعة هي علاقات "حضرية" بامتياز، لا تتشابه إطلاقًا مع العلاقات الاجتماعية الريفية، ويقتصر التشابه في استمرارية اللهجة الخاصة بريف الشرقية، حيث إن اللغة (اللهجة) تكون آخر شاهد على التحول الاجتماعي.
أبرز الشواهد على انتصار المدينة في مصر هو سعي الشباب من جيل «زد» في الريف بشكل مكثف وواضح للعيان للحفاظ على استقلاله الاجتماعي وصناعة فرديته في مواجهة القوى التقليدية للمجتمع، مما أفرز نوعًا من صراع الأجيال المكتوم في الريف المصري.
لقد تحولت الثقافة المصرية إلى ثقافة حضرية، وهو ما يصنع صراعًا راهنًا بين هؤلاء القادمين من الخلفية الريفية ودخلوا حيز المدينة الواسع، والقابضين على الثقافة الحضرية التقليدية. فهذا يصنع ما يمكن وصفه بصراع نمطين حضريين في نفس الحيز الثقافي والاجتماعي، مما يفرز ما وصفته برفض النخب لـ"الجماهير الغفيرة" التي كانت بعيدة قبل سنوات قليلة ولا تتداخل في الصراعات الثقافية والاجتماعية، والتي قاد حضورها الكثيف الراهن إلى نوع من الاستقطاب الذي يمثل انتصار المدينة في المحروسة مركز تأسيسه.





